في تأنيث المفاهيم السياسية

حجم الخط
0

عدي الزعبيرفع بعض الناشطين السوريين شعار ‘الثورة أنثى’، في قراءة ترى أن جنس ‘الثورة’ المؤنّث يحمل تحدياً لقيم المجتمع الذكوري. أقترح أن مثل هذا الشعار وهذه القراءة لا يقدّمان الكثير في سياق الثورة. تحمل الثورة أبعاداً متعددة، أحدها مفهومي. أي أن الثورة تشكّل قطيعة مع المفاهيم السائدة، وتحاول إعادة تعريف أو شرح هذه المفاهيم. من هنا، يبدو أنّ تأنيث المفاهيم السياسية لا يلبّي مطالب الثورة على هذا الصعيد. أقترح ،على العكس من ذلك، أن ننظر للمفاهيم كمفاهيم مجرّدة، لا تحمل أي تأويل ذكوري أو أنثوي. هذه القراءة تساعد في عملية إعادة تقييم المفاهيم السائدة، بدلاً من تكريسها. بعض الكلمات التي تدل على المفاهيم في اللغة العربية مؤنثة. على سبيل المثال، الثورة، الحرية، الكرامة. اسم العلم ‘سورية’ مؤنّث أيضاً. ما الذي يعنينا في هذه الملاحظة؟ أولاً، يبدو لنا من دراسة علم اللغة أن العلاقة اعتباطية بين جنس الكلمة (كون الكلمة مذكّرة أو مؤنّثة) في لغة ما وطبيعة المفهوم الذي تدل عليه الكلمة. أن يكون مفهوم ما مؤنث في لغة ما، ومذكر في لغة أخرى، أو لا يحمل أية علاقة بالجنس في لغة ثالثة، قد يكون موضوعاً لدراسات علم اللغة المقارن. بكل الأحوال، هذه العلاقة اعتباطية ولا تساعد في مقاربة بنية المفهوم وشرحها. أن تكون كلمة ‘الثورة’ في اللغة العربية مؤنّثة، لا يحمل أية دلالة تساعدنا في شرح مفهوم الثورة. شعار الثورة أنثى بُني على ملاحظة أن لفظ الثورة مؤنّث. يبدو أن من طرح الشعار يرى أن هذا يحيلنا إلى أهمية دور المرأة، طالما أنّ الثوة أنثى. ما يغيب عمّن رفع هذا الشعار أنه قد يدفع باتجاهين متناقضين. الأول إيجابي: تأكيد حضور المرأة، بما أن الثورة أنثى. الثاني سلبي: في مجتمع ذكوري حيث للرجل دور حماية الأنثى، سيكون للثوار الذكور دور حماية الثورة الأنثى. بهذا المعنى، لا يدفع الشعار بقضية حقوق المرأة إلى الأمام. أقترح أنّ قيم المجتمع الذكوري لا علاقة لها باللغة، ولا يساعد تأنيث أو تذكير المفاهيم في اختراق قيم المجتمع الذكوري. استخدام شعار ‘الثورة أنثى’ لا يعني تحرير المرأة، أو الثورة، من السيطرة الذكورية. أن تكون بعض الكلمات في اللغة العربية مؤنثة هو أمر اعتباطي لا يحمل بحد ذاته أية قيمة، سلبية أو إيجابية. اللغة، بهذا المعنى، حيادية، ولكن استخدامنا لها ليس كذلك. ليست الثورة أنثى، كما انها ليست ذكراً. أن يفرض الذكور سيطرتهم على الإناث، لا يرتبط باللغة. ما ينطبق على الثورة ينطبق على الأرض/الوطن، سورية. يبدو أنّ تشبيه سورية / الأرض بالأم، يكاد يكون تلقائياً. لا يوجد قيمة سلبية أو إيجابية لهذا التشبيه، في سياق شعري ربما. ولكن في سياق يحمل قيم المجتمع الذكوري، يكون على الأبناء الذكور حماية الأنثى، الأم، الأخت، والعرض أيضاً. هكذا يصبح تأنيث الوطن تأكيداً لقيم المجتمع الذكوري. لذا يبدو أن عملية التأنيث هذه لا تقدّم الكثير في سياق ثورة تقوم بمراجعة المفاهيم. أقترح أنّ الأرض / الوطن، كالثورة، ليست مذكّرة أو مؤنّثة. لا نجني شيئاً من تأنيث أو تذكير المفاهيم السياسية، بل قد تؤدي هذه العملية إلى تكريس القيم الذكورية، وتشتيت النقاش إلى جوانب ثانوية. أحد اوجه الثورة هو إعادة التفكير بالمفاهيم السياسية التي نستخدمها. ما هي سورية التي نريد؟ ما هو مستقبل حقوق المرأة في سورية؟ الإجابة عن هذه الأسئلة يجب أن يخرج من سياق التبسيط المتّبع. لا أرى أن تأنيث المفاهيم السياسية يساعدنا في طرح إجابة واضحة. على العكس، تأنيث هذه المفاهيم يغرف من قيم المجتمع الذكوري من جهة، ويجعل النقاش الجدي والمباشر أصعب مما هو. أقترح أن ينطلق النقاش من فرضية أن جنس الكلمات في اللغة هو شيء اعتباطي لا يحمل أية قيمة، سلبية كانت أم إيجابية. أن يرى البعض في هذا التأنيث مناصراً له، ليس مفيداً. الأجدى هو القول بأن المفاهيم بحاجة لإعادة قراءة. هذا المقال محاولة لدفع النقاش بعيداً عن محاولات التأنيث. *كاتب من سوريةqadqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية