قفشته متلبسا بالهدوء!

حجم الخط
0

عزت القمحاوي الالتفاف على الربيع العربي جعل بلدانه في مستوى أسوأ اقتصاديًا وأمنيًا وسياسيًا، وهو ليس ذنب الربيع بالطبع، بل ذنب صناع الجحيم. وليس الفن ـ والأدب منه ـ ببعيد عما جرى، لكن الأثر لم يمض في طريق هابط لحسن الحظ، بل في طريقين أحدهما طريق سلامة يؤسس واقعًا جديدًا للأدب العربي، لا مكان فيه للأكاذيب. وقد بدأت بالفعل البالونات الممتلئة هواء تتفرقع وتفرغ من نفختها الكاذب؛ الأسماء التي صارت كبيرة من خلال احتضان الأنظمة الفاسدة لها، وخصوصًا تلك النماذج المراوغة التي عاشت بطولاتها الزائفة ونضالاتها الآمنة ضد قوى التأسلم ـ وهي خطيرة ـ لكنها لم تقل شيئًا ضد الأنظمة التي ربت بعنفها وفسادها هذه الجهامة الغبية، وقد أغمض المناضلون الثقافيون أعينهم عن مربي الوحوش، بل وظلوا على ولاءاتهم القديمة التي لا تستقيم أبدًا مع القيم الإنسانية. هؤلاء مضوا إلى مقالب زبالة التاريخ مع معلميهم ومع نصوصهم التي صارت هي الأخرى موضع شك، لأنها فبركات لم تخرج من الروح بل من الصنعة الزائفة. الطريق الثاني مؤذ للإبداع يتمثل في التراجع الحاد في الإنتاج الثقافي، بسبب انخراط المبدعين أنفسهم فيما يجري، وهذا الانخراط له مستويات عدة تبدأ من المشاركة في التظاهر مرورًا بالكتابة الصحافية السريعة وانتهاء بالانشغال العادي بشاشات التليفزيون. يضاف إلى هذا انشغال مستهلكي الثقافة الذي يبدو واضحًا في تراجع عدد الأفلام وعدد الكتب المطبوعة، فالفيلم المستمر على امتداد المساحة العربية يستهلك طاقة رواد السينما والقراء على السواء. وبين طريقي السلامة والندامة استطاع عدد قليل من كتاب السرد القبض على فنهم وتهريب رواية أو مجموعة قصص، بين هؤلاء منتصر القفاش الذي خرج بمجموعته القصصية الجديدة ‘في مستوى النظر’ وهو الكتاب الثاني له الذي يتضمن عنوانه فعل الرؤية، الأول كان رواية ‘أن ترى الآن’. المجموعة الجديدة مثيرة للفرح، ليس لأن كاتبًا كتب في ظل هجوم موجة الجراد التي ورثت الثورة المصرية؛ فكتاب مصر سيواصلون الكتابة دائمًا، بل لأن كاتبًا يكتب بهذا الصفاء، وقد قفشته متلبسًا بالهدوء الذي جعله ينسى كل الصخب والعنف ويخلص لطريقته في رؤية الأشياء التي لا تثير الانتباه، وكان الراحلان أصلان والبساطي علمين في هذه الطريقة’كذلك.لعب العيال في الشارع وتربص رجل متقاعد غاضب كي يقتنص الكرة ويشقها، خلافات الجيران على تنظيف مسقط نور العمارة، رجل ممسوس بالأمن يريد وضع قضبان حديد على شبابيك شقته بينما تعارضه زوجته التي لا تريد لبيتها مظهر وروح السجن، رجل يتخيل أشباحًا تطرق باب شقته فيعمد إلى إغلاق باب العمارة فتتحول تهيؤات الطرق على الباب إلى طرقات حقيقية على شباكه من قبل سكان آخرين لا يحملون مفتاحًا لباب العمارة ويطلبون منه أن يفتح لهم الباب في أية ساعة من الليل.’في مستوى النظر’ عنوان المجموعة يحيل إلى شقة الطابق الأرضي التي يكون داخلها في مستوى نظر المارة ويكون المارة بالمثل في مستوى نظر سكانها والحكايات لا شيء فيها إلا روح الكتابة الحلوة؛ بل المدهشة؛ حيث تبدو الخلافات الصغيرة في لحظة أكبر من حروب كونية، وتبدو الأحلام الصغيرة ملاحم كفاح.من بين قصص المجموعة توقفت’طويلاً أمام قصة ‘الوقوف في البلكونة’ والمسألة ببساطة أن ‘عم محمد’ استطاع أن يحول نافذته إلى شرفة، وهو سلوك معـــــتاد من بعـــــض سكان الطوابق الأرضية في مصر؛ إذ يقتطعون شريطًا ضيقًا بعرض متر أو أقل من الشارع ويبنون عليه سورًا فيصبح بلكونة ويحولون الشباك إلى باب لها.هذا العمل قليل الشأن تحول في القصة إلى ملحمة؛ حلم يخص عم محمد وحده، وأخره سنوات حتى يتم تعليم أولاده، ثم بدأ في الادخار من أجله، وطوال الوقت كان يتفحص بلكونات الآخرين، ليستقر في النهاية على اختيـــار البناء لا إفريــــز الحديد المشـــغول، وبعد أن حقق حلمه تطلـــع إلى بلكونتــــه بغبطة يلفها الأسى؛ لأنه لو استطاع إنجازها وقت طفولة أولاده ‘كانت هتفرق معاهم كتير’.لكن قائد الملحمة الدينكيخوتية لم يجد من يتوجه بالغار لحظة النصر. لم تعترف الزوجة ولم يعترف الأولاد بالبلكونة حتى على صعيد الاسم وظلوا يشيرون إليها بوصفها شباكًا، والأسوأ أنهم بدأوا يتضايقون لأنها جعلت أباهم يحمل المكنسة ويخرج يوميًا ليكنس الشارع كي يبقى محيط البلكونة نظيفًا، وقد رفض حتى ضيوف الأسرة الاستجابة لإلحاحه بالخروج والجلوس معه في البلكونة الضيقة، لكنه في النهاية يستدرج أحدهم وكأنه سيبوح له بسر، وأخذ يحكي له قصة البلكونة منذ أن كانت حلمًا فخاطرًا فاحتمالاً. استغرق في الحكاية ‘وكانت ذراعاه’ترتفعان وتهبطان وتدوران في الهواء كما لو كان يجلس براحته’.حلم عم محمد مثال على أحلام صغيرة يحملها المصريون، ومثلها مشاجراتهم ومهاوشاتهم على نظافة منور العمارة أو لعب الأطفال أو إقامة مخزن في غير مكانه أو توسعة البيت في الشارع، وكلها أشياء لا يمكن أن تكون موجودة في مجتمع أغنى وأكثر تنظيمًا والتزامًا بالقانون. هي سمة المجتمع المتضامن، المحكوم بالتسامح باسم الضرورة والإنسانية والعشرة والجيرة، وكلها أشياء لا يعرفها الجراد الصحراوي الحاكم لأن ما يقع في مستوى نظر الجراد ليس ذات الأشياء التي في مستوى نظر المصريين، وبينهم منتصر القفاش الذي كتب بهذه الرهافة.qlaqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية