القاهرة ـ يو بي اي: سلَّطت قضية تشكيل لجان شعبية لحفظ الأمن في مدن مصرية عدة، بقعة ضوء على الواقع المصري الراهن وأبرزت تناقضات ذلك الواقع، كاشفة الفارق بين مسؤوليات الحُكم ومتطلباته وبين انتماءات النظام الحاكم وعلاقاته بحلفائه من فصائل وتيارات الإسلام السياسي.ويرى المراقبون أن ما يمكن تسميته بـ ‘ميليشيات شعبية’ هي حلقة في سلسلة من تناقضات الواقع الذي تجلى في تشكيل شرطة موازية تحت شعارات محدَّدة قد لا يكون من أولوياتها توفير الأمن، ما يعكس ضعف الأمن من جهة، وغياب دولة القانون من جهة أخرى.وشكَّك المحامي الحقوقي جمال عيد، مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، في تصريح ليونايتد برس انترناشونال، بتوقيت الإعلان عن نص المادة 17 لعام 1950 من قانون الإجراءات الجنائية وتذكير المواطنين بحقهم في القبض على المخربين واللصوص، معتبراً أنه في ظل الأجواء المحتقنة التي تشهدها البلاد فإن ذلك يمثِّل تحريضاً لمواطنين على مواطنين.ورأى عيد أن بيان النيابة العامة حول حق المواطنين في القبض على ما يعتبرون خارجين على القانون ‘هو امتداد لغياب القانون طوال الفترة الانتقالية’، مذكِّراً بدعوة المشير حسين طنطاوي رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية للمواطنين بالقبض على الخارجين على القانون عقب أحداث ‘مجزرة بورسعيد’ التي وقعت في الأول من شباط/فبراير 2012.وتساءل عيد عن ضوابط ممارسة حق توقيف المواطن حال خروجه على القانون؟ وما هو تعريف الخروج على القانون؟ وهل يمكن لمواطن غير دارس للقانون التفريق بين الخروج على القانون وبين التظاهر السلمي؟واتهم منسق اللجنة الشعبية للدستور المصري، محمود عبد الرحيم، في تصريح للوكالة، الجماعة الإسلامية بالسعي لتشكيل ميليشيات مسلحة لمساندة النظام الفاشي الذي يحكم البلاد حالياً، والقيام بما أسماه ‘استعراض عضلات بالشوارع’ لإرهاب معارضي النظام، معتبراً ‘أن الجماعة الإسلامية هي ابنة جماعة الإخوان المسلمين’.ورأى عبد الرحيم أن مساندة ودعم ‘نظام الإخوان الفاشي’ يهدف إلى إعادة إنتاج نظام مبارك القمعي بصورة أكثر بشاعة، لحماية المصالح الأميركية والصهيونية عبر إهدار حقوق وحريات وكرامة الشعب المصري وخلق طبقة فاسدة جديدة تحتكر الثروة والسلطة بلا منازع.غير أن رؤية عبد الرحيم ومراقبين آخرين ناقشتهم الوكالة حول أبعاد تشكيل ‘لجان شعبية أمنية’ لا ينسحب على جميع قوى الإسلام السياسي، فقد استهجن حزب ‘الوطن’ السلفي على لسان نائب رئيسه الدكتور يسري حمَّاد تشكيل تلك اللجان. وحذِّر حمَّاد، عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك)، من ‘إمكانية أن تتحول تلك الميليشيات لفرض إتاوات على المواطنين، أو أن تتحول إلى ما يشبه الحرس الثوري الإيراني’.وعلى الرغم من تأكيد النيابة العامة ‘أن للمواطن الحق فقط في تسليم الخارج على القانون إلى أقرب عنصر شرطة أو مركز أمني’، إلا أن أجواء انعدام الثقة بين ‘الموالاة’ و’المعارضة’ جعلت من الموضوع ككرة ثلج تكبر يومياً ولم يفلح في الحد من تدحرجها ما أكدته رئاسة الجمهورية من ‘أن الدولة وحدها من خلال وزارة الداخلية هي المُناط بها حفظ الأمن في البلاد’.كما أن ما تقوم به تيارات إسلامية محدَّدة أهمها الجماعة الإسلامية ومجموعة ‘جمال صابر’ منسق حملة (لازم حازم) الداعمة للقيادي الإسلامي حازم أبو إسماعيل، لم تكن سبباً إلا في اشتعال الأزمة، بعد أن أعلن صابر عن تشكيل ما أسماه ‘الشرطة البيضاء’ لضبط الأمن في الشارع المصري.ونقل تقرير محدود التداول نشره موقع ‘حقوق’ اليساري عن صابر قوله ‘إنه تم الاستقرار على عدد كبير من أعضاء (الشرطة البيضاء)’، موضحاً أنها تتكون من قائد وعدد من الأشخاص التابعين له يرتدون ملابس بيضاء عليها شعار خاص ويحملون بطاقة تدل على هويتهم، و’أن الأشخاص الذين تم اختيارهم لهم مواصفات خاصة لك فرد، في مقدمتها أن تمتلك جميع العناصر قدر كبير من الهدوء والتحكم في النفس، وامتلاك القوة لمواجهة العناصر الإجرامية وعناصر البلاك بلوك وغيرها’.وأشار صابر (قبل القبض عليه بيومين مع نجليه وشقيقه لاتهامهم بترويع الآمنين واستخدام أسلحة نارية وبيضاء في مشاجرة بحي شبرا راح ضحيتها قتيلين وتدمير ممتلكات خاصة) إلى أن أعضاء الشرطة البيضاء لن يحملون أي نوع من أنواع الأسلحة، ولكنها ستكون لديها القدرة الكافية وأنها (قوات الشرطة البيضاء) مدربة للتعامل مع من يحملون الأسلحة البيضاء أو الأسلحة النارية، وأكد أنه لا يمكن الإعلان عن كيفية تعاملهم معهم.ويرى بعض المراقبين أن قضية تشكيل شرطة شعبية تتخذ شعارات محددة تعكس فشل الشرطة المدنية في الاضطلاع بمهامها الأصيلة في حفظ الأمن ما يجعل من مسألة إصلاح جهاز الشرطة وإعادة هيكلتها مسألةً مُلحة إلى أقصى درجة.وكشف جمال عيد عن أنه تم تسليم وزارة الداخلية وللقيادي في جماعة الإخوان المسلمين محمد البلتاجي في تموز/يوليو 2011 خطة لإصلاح عمل جهاز الشرطة، غير أنه لم يتم التعامل معها، موضحاً أن الخطة تستغرق 15 شهراً وتنقسم إلى 3 مراحل الأولى تتشكل من إجراءات فورية والثانية إجراءات متوسط المدى والثالثة خطوات استراتيجية. كما تعكس القضية واقع صراع سياسي مكتوم بين القوتين الكبيرتين على الساحة المصرية وهما الجيش وجماعة الإخوان المسلمين.وأكد الدكتور فؤاد السعيد، مستشار مركز الشرق للدراسات الإقليمية والاستراتيجية ليونايتد برس انترناشونال، أن 3 مؤشرات سبقت دعوة النائب العام للمواطنين بحفظ الأمن، وهي تأكيد مجلس الدفاع الوطني، الذي عقد اجتماعاً نادراً خلال أحداث عنف شهدتها البلاد قبل أشهر عدة، بأن الجيش لن يقف صامتاً تجاه أحداث العنف وأنه لا بد أنه سيقوم بدور لحفظ الأمن، وهو ما تأكَّد تالياً بتلبية القوى السياسية المدنية المعارضة لدعوة وزير الدفاع الفريق أول عبد الفتاح السيسي للحوار، بعد أن رفضت تلك القوى دعوات متواصلة للحوار وجهتها مؤسسة الرئاسة، وهو بدوره ما تعزَّز ببدء حملات شعبية لعمل توكيلات لوزير الدفاع تخوِّله قيادة البلاد وذلك مع بدء أحداث العنف بمحافظة بورسعيد ومحافظات أخرى.ورأى السعيد أن صراعاً على النفوذ بين جماعة الإخوان المسلمين وبين الجيش يمثِّل عاملاً لا يجب إغفاله في قراءة واقع الأوضاع في البلاد حالياً، مشيراً إلى أن حملة ‘التوكيلات الشعبية’ لتفويض الجيش الحكم مثَّل قلقاً في أوساط الإسلاميين التي رأت فيها مؤشراً لعودة الجيش إلى الحُكم.ولفت إلى أن تأكيد مؤسسة الرئاسة على حقيقة ‘أن الدولة وحدها من خلال وزارة الداخلية هي المُناط بها حفظ الأمن في البلاد’، لم يعكس إيماناً بحقيقة ثابتة بقدر ما أشار إلى إدراك سريع لأهمية احتواء تزايد غضب شعبي نجم من مباركة الرئاسة لفكرة الميليشيات الشعبية حتى بالصمت، وغضب في أوساط القوات المسلحة من تهجُّم أعضاء من جماعة الإخوان المسلمين ومن محسوبين عليها على القوات المسلحة لصالح الرئاسة.وتُشير التطورات المتلاحقة على الساحة المصرية في ظل الاستقطاب الحاد واتساع نطاق العنف بين فصائل عدة منتمية للإسلام السياسي والمعارضة المدنية، الى أن التدهور بالبلاد مرشَّح للاستمرار بوتيرة أسرع على مختلف الصُعُد حيث ينسد أفق الحوار بين الطرفين ما يدفع باتجاه صراعات دامية يدفع ثمنها الشعب المصري الطامح الى حياة أفضل.qar