الفيلم الوثائقي المغربي ‘تنغير جيروزاليم: أصداء الملاح’: بين التنديد والانتقاد و ‘حصد الجوائز’!

حجم الخط
0

الدار البيضاء ـ من رضوان السائحي: منذ أن تم عرض الفيلم الوثائقي ‘ تنغير جيروزاليم: أصداء الملاح ‘للمخرج كمال هشكار على القناة التلفزية المغربية 2M في نسخة مختصرة (حوالى 54 دقيقة، وهو في الاصل 86 دقيقة) وحدة الجدل تزداد حول طبيعة الموضوع الذي يتناوله، وتثار حوله زوبعة من الانتقادات اللاذعة كلما عرض في مهرجان أو تظاهرة سينمائية كان آخرها مهرجان الفيلم الوطني السينمائي في مدينة طنجة حيث تعالت أصوات تمثل مجموعة من الجمعيات والأحزاب التي تدعم القضية الفلسطينية، أثناء حفل الافتتاح تندد بهذا الفيلم وتطالب بحذفه من المهرجان. وازدادت حدة هذه الانتقادات، في اختتام المهرجان، بعد فوزه بجائزة أول عمل سينمائي، فأثار استنكارا حادا بين الحضور ورفعوا شعار’ تحيا فلسطين’ أثناء إلقاء المخرج لكلمته فور التتويج.وفي الندوة التي أقيمت على هامش هذا المهرجان، والتي تم من خلالها مناقشات هذا الفيلم، فقد لقي جدالا حادا بين المتدخلين من النقاد السينمائيين والمهتمين بالشأن الفني، وهذا راجع لتطرقه إلى أحداث ومعطيات مغلوطة عن هجرة عدد كبير من اليهود المغاربة خلال منتصف القرن الماضي، من منطقة تنغير الأمازيغية للعيش في ‘إسرائيل’. وشدد بعض المخرجين خلال تعليقهم على الفيلم على انه لا يستحق المناقشة لأنه يضلل الرأي العام. واتهم أحد الصحافيين مخرج الفيلم بوقوفه في صف الدفاع عن احتلال اليهود لفلسطين وأنه ارتكب خطأ بربطه بين هجرة اليهود المغاربة للأراضي المحتلة بالكراهية، وتحميله المسؤولية في ذلك للحركة الوطنية آنذاك. واعتبرت ناشطة لبنانية الفيلم’ خطيئة في حق الفلسطينيين’. في حين أشار هشكار أن الفيلم لا علاقة له بالنزاع الفلسطيني- الإسرائيلي.وكان مبرر احتجاج البعض هو أن الفيلم يتطرق لهجرة اليهود في منتصف القرن الماضي من دون أن يذكر إطلاقا اسم فلسطين رغم أنه ذكر اسم القدس مما يرسخ ضمنيا أن القدس عاصمة لإسرائيل، كما أدين من قبل المجتمع المدني في مدينتي تنغير وتنجداد جنوب المغرب. وكذلك من قبل ‘الجمعية المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني’ و’مجموعة العمل الوطنية لمساندة العراق وفلسطين’، واعتبروا خطورة هذا الفيلم في كونه يقدم الصهاينة على أنهم مواطنون أصحاب الحق في الأرض بالقدس. في حين يرى بعض النقاد أن الفيلم الوثائقي يناول ترحيل اليهود المغاربة إلى إسرائيل، ولا علاقة له بالقضية الفلسطينية، وبذلك لا يستحق كل هذه الضجة.في مقابل هذه الضجة وعلى إثر هذا الفوز تقدم أعضاء ‘ لجنة الدفاع عن الفن وحرية الإبداع’ بطنجة لمخرج الفيلم الشاب كمال هشكار بالتهنئة على هذا التتويج. واحتفت المعاهد الفرنسية بهذا الشريط، وذلك في إطار تظاهرة ‘شهر الفيلم الوثائقي’ التي تعرض خلالها مجموعة من الأفلام الوثائقية الفرنسية والمغربية.كما استغرب بعض الفنانين والحقوقيين الانتقادات الموجهة إلى الفيلم، وأعربوا عن خيبة أملهم في تنظيمات سياسية تختلف في كل شيء لكنها تتضامن من أجل منع فيلم يمكن انتقاده فنيا إذا لم نتفق مع مضمونه. وما هذه الضجة التي أثيرت إلا محاولات بائسة للتضييق المجاني على حرية الثقافة والإبداع.واعتبر مخرج الفيلم في تصريحه للإعلام أن فوزه بالجائزة يعكس مدى تفاعل لجنة التحكيم من دون خلفيا،وأنه أراد من خلاله إبراز واقع لم يعد موجودا ألا وهو التعايش والاحترام المتبادل بين اليهود والمسلمين، وأضاف أن فلسفة الفيلم تقوم على ‘أننا نحتاج إلى الآخر والآخر يحتاج إلينا، ولا ينفع التجاهل، وعلى الفلسطينيين والإسرائيليين أن يتعايشوا ويعترفوا ببعضهم’. وفي كل تصريح يبرر المخرج كل الانتقادات الموجهة إليه بحجة أن الذين انتقدوا الفيلم لم يشاهدوه أو لم يفهموه، لأن الفيلم يتحدث عن الحب والتعايش.وهذا ما حاول أن يرسخه في أحداث فيلمه الوثائقي، والذي يدور حول يهود كانوا يقطنون في قرية أمازيغية في جنوب المغرب تسمى’ تنغير’هاجروا إلى إسرائيل في منتصف القرن الماضي.يسافر مخرج الفيلم إلى مدينة تنغير لتبدأ رحلته من محل حلاقة كان اليهود فيما مضى من أهم زبائنه، ويذكر الحلاق وهو رجل عجوز المناطق التي كان يستقر فيها اليهود وهي ثلاث: ‘ أسفالو’ و’ آيت أرجدال’ و’ تنغير’ حيث كان في مقتبل عمره كغيره من الشباب يأخذون البضاعة من التجار اليهود ليعاودون بيعها، وكان آخر يهودي غادر المنطقة عام 1964. وليسأله المخرج عما إذا كان الفراق قاسيا، فيجيبه الشيخ بالإيجاب، وأن بعضهم لم يكن يرغب في الرحيل إلى إسرائيل.ثم ينتقل رفقة عجوز يدعى ‘باها’ عبر أزقة تنغير ودكاكينها التجارية، والتي كانت فيما مضى في ملكية اليهود، ليستقي شهادات مختلفة من أهالي المدينة الذين عاصروا اليهود وعن حياتهم اليومية وطرق عيشهم جنبا إلى جنب، وعن المحلات التجارية التي باعوها إلى المسلمين قبل رحيلهم بوثائق تثبت شرعية البيع والشراء. كما تنقل المخرج رفقة’ باها’ عبر البيوت التي كانت لهم ملاذا والتي بيعت هي الأخرى، بعضها أصبح أثرا بعد عين، والبعض الاخر آيل للسقوط، أو تداعى جزء منها.يسأل أيضا مجموعة من التلاميذ عن اليهود الذين كانوا بالأمنس في المدينة، فكانت أجوبتهم مختصرة، لأنهم لا يعرفون عنهم إلا ما يحكيه لهم الآباء، فاليهود هاجروا إلى إسرائيل، البعض منهم عادوا من أجل بناء سور يحيط بالمقبرة التي تعتبر الأثر الخاص الذي يدل عليهم.ينتقل كمال هشكار إلى إسرائيل ليستقي شهادات يهود من أصول مغربية عن حياتهم الماضية في تنغير مقارنة مع حياتهم الحالية في إسرائيل في إطار علاقتهم مع المسلمين، وكيف تغيرت هذه العلاقة. مستعرضا عادات وطقوس البيت والعائلة وكل منهم يستعرض أمام المخرج ألبوم صور فوتوغرافية التقطت أثناء إقامتهم في المغرب. أحد اليهود عبر للمخرج كيف أنه أصيب بصدمة عندما نزل باسرائيل، ذلك أنه كان يعيش في المغرب، وفجأة وجد نفسه في مكان آخر من دون أصدقاء. وعندما سأله عن هويته، هل هو عربي أم أمازيغي أم إسرائيلي؟ أجابه قائلا:’ أنا أعيش هنا، لكنني لا أعرف هويتي، أنا لا أشعر بمثل ما يشعر به من ولد هنا، لأنه لا يعرف إلا مكانا آخر غير إسرائيل. أما بالنسبة لي فأنا أعرف بلدين. كما أنني لست مثل يهود ألمانيا أو بولونيا الذين فروا من هناك. في المغرب لم تكن هناك معاداة للسامية.’يزور أسرة يهودية من أصل مغربي تنحدر من تنغير ويتعرف على بعض من تفاصيل حياتها التي كانت تعيشها في الماضي بتنغير مقارنة مع حياتها اليوم في إسرائيل.تأخذنا أحداث الفيلم إلى تنغير مرة أخرى لاسترجاع تفاصيل أخرى عن اليهود أثناء إقامتهم بهذه المدينة كمساندتهم للمسلمين في حروبهم، والعلاقة السلمية التي كانت تربطهم بجيرانهم، وطقوس الصلاة لديهم. يشير أحد اهالي القرية الذين عاصروا سنوات الرحيل إلى أن أشخاصا غرباء قدموا إلى المدينة وحرصوا على أن ترحيل اليهود عائلة وراء عائلة. ثم تأخذنا مرة ثانية إلى إسرائيل لاستكمال تفاصيل أخرى، وتتحدث امرأة يهودية إلى أن سلوك المسلمين تغير اتجاه جيرانهم اليهود ما بعد عام 1948 بسبب احتلال اسرائيل لفلسطين، لكنهم لم يعتدوا عليهم اطلاقا، كما يرصد الفيلم عنصرية يهود إسرائيل تجاه اليهود المغاربة المرحلين، الذين يعتبرون إسرائيليين من الدرجة السفلى، خصوصا في بداية استقراهم هناك.وقد آخذ نقاد سينمائيون على المخرج أنه استند في فيلمه على آراء مؤرخين يهود ولم يأخذ برأي مؤرخين مغاربة من خلال استفساره عن الطريقة التي تمت بها عملية ترحيل اليهود المغاربة إلى إسرائيل، وانصبت الإجابة على أن التوراة تؤكد على ضرورة عودتهم إلى أرض أجدادهم، وهي آراء لا تمت بصلة إلى التاريخ لأنها أرض فلسطينية احتلوها.وأفاد الصحافي الفلسطيني في إذاعة المهجر بهولندا ‘زيد تيم’ في تصريحه لوسائل الإعلام- أن شخصيات الفيلم عندما تتحدث باسمها الإسرائيلي، فمعنى هذا أنها أسقطت عن نفسها حق المواطنة المغربية، وبأن 90% من اليهود المغاربة الذين رحلوا إلى فلسطين أخذوا معهم ذهبهم وباعوا ممتلكاتهم على غرار يهود البلدان العربية الأخرى وفق برنامج انخرطوا فيه بإرادتهم، ويستحيل أن تكون خطواتهم غير مرتبة. بطاقة تقنية عن الفيلم:الفيلم من انجاز وإخراج ‘كمال هشكار’ وهو شاب مغربي ولد بمدينة تنغير وعاش بفرنسا منذ أن كان عمره 6 أشهر، وهو يتحدث العبرية بطلاقة، وهو يدرس مادة التاريخ بجامعة فرنسيةوقد شارك المخرج بالفيلم في عرضه ما قبل الأول في مهرجان السينما الإسرائيلية بباريس في 03 ابريل سنة 2012. وفي مهرجان السينما الإسرائيلية في كندا في 15 مارس من نفس السنة، وحاز على جائزة ‘إدريس بن زكري’ في مهرجان أفلام حقوق الإنسان الذي نظم في الرباط في يونيو عام 2012 قبل أن يعرض في القناة الثانية بصيغة مختصرة. كما تم عرضه في واشنطن وغيرها.تجاوزت ميزانية الفيلم تسعين ألف يورو بدعم فرنسي مغربي مع بعض الدعم من إسبانيا، بتمويل من المركز السينمائي الفرنسي(CNC)، والقناة الثانية، وبِرْبِرْ تيفي، ومؤسسة إسبانية تدعى (الثقافات الثلاث).qadqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية