احياء وسط الموتى في القاهرة.. حكومات نسيتهم ومسؤولون أهملوهم؟!

حجم الخط
0

صلاح غراب هل كُتب على سكان المقابر أن يتجرعوا العذاب كؤوسا وأكوابا؟، وأن يذوقوا الألم ألوانا وأصنافا؟، وأن يكتموا المرارة في صدورهم ليالي وأياما؟، وأن يُساموا سوء العذاب صباحا ومساء؟. سئموا من الحياة وسط الأحياء، الذين طالهم ضررهم، وأذاهم شرهم، فلجأوا إلى الموتى، لعل جوارهم يكون أكرم وأسلم، حيث لا تنافس على شيء من عوارض الدنيا الفانية، لا حقد، لا غل، لا حسد.. هذه المقابر ربما تكون سكناهم الأخيرة، امتزجت حياتهم بنكهة الموت فيها، حين ضاقت بهم الحياة، حيث لا مكان، ولا خدمات، ولا جيران سوى سكان المقابر. يعيشون في سكون مريع، وصمت مريب، لا يقطعه سوى صراخ النائحات، ونواح الأرامل، وأنين الثكلى، وآهات المعذبين بألم الفراق، والملتاعين بلوعة البُعاد، وبكاء الأولاد والشباب الذين يتبعون ذويهم الموتى، أثناء تشييعهم لمثواهم الأخير. من يطبب جراحهم الغائرة؟، من يشفى آلامهم المثخنة؟ من يكفكف دمعهم؟ من يمسح عنهم حزنهم؟ من يتذكرهم إلا عند تشييع الموتى؟ أم أن المسؤولين وأولي الأمر فى هذا البلد يطبقون قول الله تبارك وتعالى ‘…هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا’، ويعملون به تجاه رعاياهم؟. هؤلاء ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، واسودت الدنيا في وجوههم، وأُغلقت في وجوههم أبواب الرحمة، وسُدت أمامهم سبل العدالة، ولم يجدوا منجى ولا ملجأ من الله إلا إليه، ولم يعد لهم من سبيل سوى رفقة إخوانهم الموتى، يقاسمونهم السكنى والمأوى. لقد هرب هؤلاء بعد أن لم يسعهم الأحياء، فوسعهم الموتى، عساهم ينعمون براحة البال معهم. والسؤال الذي يطرح نفسه، ولا أحد يجيب عليه هو: من السبب في هذه الحياة التي تشبه الموت، والتي يحياها هؤلاء المنسيون؟، هل كُتب عليهم أن يعيشوا أمواتا وهم لا يزالون بعد أحياء، تنبض فيهم العروق، وتدب فيهم الحياة؟، هل فُرضت عليهم هذه الحياة البائسة، بسبب حكومات أهملتهم، بل نسيتهم، ومسؤولين لم يعيروهم أدنى اهتمام، بل لم يعاملوهم حتى كبشر وكمواطنين مصريين؟ إنهم يسكنون المقابر جبرا وقسرا، يفتقدون أبسط ضروريات الحياة.. فقراء ومرضى، عاشوا، ولا يزالون، حياة بائسة تعيسة، في ظل حكومات الحزب الوطني المتعاقبة، التي أفقرت غالبية الشعب المصري، وفرضت عليهم حياة لا يذوقون فيها طعم الراحة. حتى عندما تغيرت الحكومات، وتبدل المسؤولون، فإن حال هؤلاء لم تتغير، وبقي وضعهم كما هو لم يتبدل. فإذا كانت الحكومات قد نسيتهم، فإن الله لن ينساهم. وإذا كان المسؤولون قد أهملوهم، وأضربوا عنهم صفحا، فإن الله سيتكفل بهم ويرعاهم. فكم من وعود قطعتها هذه الحكومات على نفسها لتوفير مأوى لهم، ثم لا تلبث هذه الوعود أن تتبخر، وتذهب أدراج الرياح سدى، ليلقى هؤلاء المعدومون المرارة والألم والعذاب، وتمر عليهم الأعياد لا يعرفون طعم الفرحة، ولا يحسون بالسعادة، ولا يشعرون بالسرور، كما أقرانهم الذين هجروهم.. ينتظرون الإحسان من الآخرين، وأملهم الحصول على لقمة عيش تملأ بطونهم الخاوية، وملابس رثة تستر أجسادهم العارية، ويد حانية تربت على ظهورهم المحنية، وابتسامة تبدد الجزع الذى سكن عيونهم، والفزع الذي عشش في مآقيهم. نأتي إلى الأطفال الذين يعيشون مأساة حقيقية، فأقرانهم من الأطفال عادة ما يذهبون إلى متنزهات يلهون فيها، وحدائق يلعبون حول أشجارها، يركضون هنا وهناك. إلا أنه عند سكان المقابر، تشابهت اللعبة، واختلف المكان، فهم يلعبون حول القبور، ويتخذونها مكانا للاختباء من أقرانهم، بدلا من أن يختبئوا فى بيت الزواحف مثلا، أو بيت القرود، وهم يشمون رائحة العظام النخرة، والأجساد البالية، بدل أن يتنسموا عبير الأزهار، ورائحة الورد، وهم يمشون ويجرون على رفات الموتى، بدلا من أن يمشوا على الزرع والأرض الخضراء. إنهم قد ألفوا المكان، واعتادوا عليه، وأصبح جزءا منهم، تربوا على مشاهد الحفر، ودفن جثث الموتى، وباتت الزيارة اليومية للقبور والدعاء للأموات هواية بالنسبة للكثيرين منهم. وأضحى المشهد بالنسبة لهم عاديا، ترسخ فى ذاكرتهم. إلا أن هذا كله لا يؤثر في لهوهم ولعبهم، كل شيء فى حياتهم ارتبط بالموت، حتى ابتساماتهم اختفت لتحل محلها هموم عميقة أكبر من أعمارهم.إن سكان المقابر يحلمون بالخروج إلى عالم الأحياء، تتنازعهم أحلام غير مستحيلة، فقط الخروج مما هم فيه، ولا سيما أن الحسرة تسكن قلوبهم، يصحون على منظر شواهد القبور الصماء، وينامون عليها، لا يسمعون سوى صمت الموتى، أو بكاء أقاربهم، وأصبح كل شيء في حياتهم يعبر عن الموت الذي يحاصرهم من كل جانب، خاصة أن هناك العديد من الوعود التى تلقوها دون أن يتحقق شيء منها.. معاناة استمرت سنوات وسنوات، ولا تزال: ضيق، فقر، وحزن، وبطالة تخيم على المكان، ومع ذلك تبقى أحلامهم بسيطة، على الرغم من همومهم الكبيرة، ينتظرون بصبر حلا قد يلمسونه يوما، وينتشلهم من وسط القبور.’ كاتب وصحافى مصريqmdqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية