حازم مقدادي فَجَّرَت التصريحات التي نُسِبَت إلى العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، تلك التي تضمنتها المقابلة التي أجراها الصحفي ‘جولدبيرغ’ في صحيفة ‘ذي أتلانتك’، موجة من الإحتجاج، وتمخضت عن حالة من الصدمة والتوتر لدى عموم الأردنيين بمختلف دوافعهم. وبرغم مُسارعة الديوان الملكي الأردني للتملّص مما وَرَدَ في تلك المقابلة على لِسان الملك، غير أن ذلك التملّص لم يُؤتِ أكلَه ولم يُقنع الكثيرين ممن تابعوا الأحداث المُتسارعة والتّراشقات المتبادلةِ، لم يُقنعهم بعفوية التصريح الملكي، أو بأن الأمْرَ بِرِمّتِهِ لا يتجاوز إخراجا للحديث الملكي ذاك من سياقه الصحيح. فحِجَجٌ كتلك أصبحت فاقدة لتأثيرها، ومُفرَغة من معناها، خصوصا وأن هذا الحدَث لم يكن الأول من نوعه، كما أنه لن يكون الأخير.وبرغم حقيقة التصريح الملكي ذاك، كونه مُوجها بمضمونه للخارج وليس للداخل الأردني، غير أن ما جاء على لسان العاهل الأردني في تلك المُقابلة يستدعي التوقف مُطَوّلا، سِيما وأن التصريحات تلك تَمسّ مفاصل الدولة الأردنية بِرِمَّتِها، وعلى رأسها المُكوّن الفلسطيني. إذ أصبح من غير الخافي على أحدٍ أن واقع المُكون الفلسطيني في الأردن، والذي يُجَيَّرُ ويُوَجَّهُ بين الفَيْنَة والأخرى بما يخدم توجُّهات النظام الأردني وبرامجه بمختلف أشكالها، هو واقعٌ فاقِد للإستقرار والتّأطير. فتارَة نرى حكومة أردنية وهي تتعامل مع الأردنيين المُنحدرين من أصول فلسطينية بوصفهم لاجئين تُظِلّهم قوانين وبنود الأمم المتحدة في سياق حرص الحكومة على ممارسة ضغطٍ ما بُغية تحقيق المزيد من المُساعدات الإقتصادية عبر تقديم المُكون الفلسطيني كعبءٍ تنوءُ بهمومه الدّولة الأردنية، وحثّ المجتمع الدولي نحو تحمل مسؤولياته تجاه أولئك اللاجئين. وتارة نرى حكومة أردنية أخرى تتعامل مع أفراد المكون الفلسطيني على أنهم مواطنون بكل ما تتحمله كلمة المواطَنة من معنى، وليس أدَلُّ على ذلك من موقف أوّلِ حكومة في عهد العاهل الأردني، ذاك الذي جاء على لسان رئيسها حين أكد تجاوز الأردن لمرحلة ‘المهاجرين والأنصار’، هذا الموقف الذي لن نتوقف الآن عند مخاطره وتبِعَاتِه.إن تعامُلَ النظام الأردني مع المُكون الفلسطيني كان على الدوام يصُبّ في مصلحة النظام نفسه على مختلف الصُّعُدِ، السياسية منها والإقتصادية والإجتماعية. فَعَلى الصعيد الإقتصادي شَكّل التواجد الفلسطيني على الأرض الأردنية ذريعة دائمة للنظام يستخدمها أنّى شاء في سياق التغطية على فساده وإخفاق سياساته الإقتصادية والخَدَمِيَّة. مُتناسيا النظامُ أن المُكون الفلسطيني عندما جاء إلى الأردن، جاء شعبا وأرضا، وأنه – أي المُكون الفلسطيني- أسهم بشكل مباشر وأساسي في دفع عجلة التنمية في الأردن ولعقود طويلة. غير أن النظام الأردني الذي فَتَح ذراعيه لغنائم النكبة عام 1948 والتي تمثلت ببسط نفوذه على أراضٍ ومُدن مهمة، كالقدس ونابلس وبيت لحم والخليل وغيرها، لم يسعه بعد عام النكسة سِوَى البحث عن قالب سياسي وأخلاقي لا يُحَمّلُه وِزْرَ تحرير الأرض وإنقاذ العِرض، وهنا يمكن لنا إستذكار الشهيد وصفي التل الذي كان آخر مسؤول أردني تحدث عن ضرورة العمل لإستعادة الضفة الغربية حتى وإن كان ذلك بالقوة. غير أن النظام في الأردن لم يتوقف عند هذا الحدّ في إستخدامه وتوظيفه للوجود الفلسطيني على أراضيه، إذ ما زال النظام بين الحين والآخر يُعزّز عُمقه العشائري ويزيد مكاسبه السياسية كُلما راودته الشكوك في شرعيته، إذ أن التواجد الفلسطيني في المجتمع الأردني والذي هو زُهَاء نصف الشعب الأردني بمجمله، ساعَدَ النظامَ على ترسيخ وجوده وبقائه عبر تقديم نفسه على أنه نقطة توازن وإجماع للأردنيين بمختلف أصولهم ومنابتهم. غير أن نقطة التوازن تلك لم تكن على مسافة واحدة من جميع الأردنيين بكل أطيافهم، إذْ ما يزالُ الأردنيون من أصول فلسطينية يعانون من الإقصاء والإتهام، بل ويُلاحَقُون بمِزاجية عالية من قبل ما يسمى بـ ‘دائرة المتابعة والتفتيش’، مما كان من شأنه تعطيل جناح واسع من الدولة الأردنية وإحباطه.و اليوم نرى التصريحات تلك، والمنسوبة إلى العاهل الأردني، تأتي مُنْسَجِمَة مع ما جاء في التحليل الأخير. إذ يتم توجيه رسالة للخارج بُغية تخفيف الضغوط السياسية على النظام الأردني، وتأكيد النظام إنحيازه لحقوق المكون الفلسطيني بمواطنة عادلة ضمن إطار الدولة الأردنية، مع عدم قدرة النظام على تجاهل الضغوط الداخلية من قِبَلِ أجهزة الدولة الأردنية ورموزها العشائرية. فالنظام الأردني هو آخر من يمكن أن يَقبَل حسم مصير المُكون الفلسطيني في الأردن قبل حسم الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي.نعم، لقد شَكَّل المُكون الفلسطيني دائما طوق نجاة للنظام الأردني في التعامل مع الكثير من أزماته خصوصا الداخلية منها، تلك المتعلقة بالجوانب الإقتصادية والإجتماعية وصولا للسياسية منها والأمْنِيَّةِ. وليس أَدَلُّ على ذلك من تَوَرُّط النظام في معاهدة وادي عربة تحت ذرائع شَتَّى، كان على رأسها حماية الوطن الأردني من مشروع الوطن البديل وسيناريوهات التوطين، بُغْيَةَ تمرير تلك المعاهدة المشؤومة وتغليفها بالشرعية والإستراتيجية. ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ، إذْ مَثَّلَ ذاك المشروع المزعوم ذريعة أساسية لإجهاض الإصلاح المنشود والحدّ من المَدِّ الثوري الذي تشهده المنطقة العربية منذ حين والتقليل من آثاره على النظام الأردني. وفي هذا السياق لابُدَّ لنا من إسترجاع موقف الملك الأردني مع بداية الربيع العربي عندما بادَرَ إلى طمأنة الشعب والتقليل من مخاوف الديمُغرافيا والهوية الأردنية، بل ودعوته نحو التركيز في الشأن الداخلي والتوافق الوطني، ذاك الموقف الذي سَرْعَان ما تلاشى ولم يتم التطرق له من جديد، خصوصا مع تَمَتْرُس أزلام النظام وأبواقه وتَذَرُّعِهم بتلك المخاطر وتجاهل التطمينات المَلَكِيّة في هذا الشأن، وهذا أمْرٌ يمكن فهمه في سياق تصوّرنا حالَ النظام الأردني فيما لو فُرِضَت عليه مواجهة الواقع العربي الجديد دون تَمَكُّنِهِ من التلاعب بورقةٍ كورقة الفلسطينين في الأردن، والمشروع المزعوم للوطن البديل والتوطين.’ كاتب اردنيqmdqpt