‘ميلاد في التحرير’ لفؤاد قنديل: تأمّلات قصصية في معنى الثورة المصرية

حجم الخط
0

رشيد العنانيالرواية ـ بقدرتها الممتدة على تأمل تأثير العام في الخاص ـ هي المجال الطبيعي لتأمل الأحداث التاريخية، والتحولات السياسية والاجتماعية الكبرى، ومنها بالطبع الثورات الشعبية. ومنذ وقعت الثورة المصرية في يناير 2011 وما أحاط بها من زلازل الربيع العربي في عمومه لم يتوقف التساؤل في الأوساط الأدبية والنقدية: متى نرى رواية تعكس هذه الحدث الكبير وترصد إرهاصاته ووقائعه وفعلها في حياة الفرد والجماعة؟ أعتقد أن انتظارنا قد يطول، وخاصة إن كنا نعني رواية كبيرة من مقام الحدث في رؤياها وفنيّتها ومداها. وعلى سبيل المثال فإن أول استجابة كبيرة لثورة 1919 كانت في ‘عودة الروح’ التي كتبها توفيق الحكيم في 1927 بعد ثماني سنوات من الثورة وإن لم تُنشر حتى 1933. إلا أن العمل الأكبر الراصد لتلك الثورة لم يُكتب حتى الأربعينات ولم يُنشر حتى 1956-57، وأعني به بالطبع ‘ثلاثية’ نجيب محفوظ. عايش محفوظ الثورة وهو طفل لم يجاوز السبع سنوات، وخلّدها في عمل روائي وهو في الثلاثينيات من عمره. لعل أحد الأطفال الكُثُر الذي غصّ بهم ميدان التحرير في يناير وفبراير من عام 1911 يدخرّ لنا مثل هذا الكنز مستقبلا. الأحداث الكبرى والتي ما زالت في طور الحدوث تتطلب فترة اختمار ونضوج طويلة، فعلينا بالصبر. على أننا ندين بالشكر للكتّاب من أمثال الأستاذ فؤاد قنديل إذ يحاول أن يعيننا على الصبر بأن يلقمنا ‘تصبيرة’ قصصية بعمل سرديّ يتناول فيه الثورة وآثارها من وجهات متعددة وبأساليب قصصية متنوعة، كما يفعل في مجموعته القصصية الحديثة، ‘ميلاد في التحرير’ (مكتبة الدار العربية للكتاب بالقاهرة، أكتوبر1911). في ‘مظاهرة بالآيس كريم’ يواصل زوجان في كهولتهما ما بدآه في شبابهما وسائر مراحل عمرهما: التظاهر والاحتجاج وطلب التغيير. تظاهرا في 1968 في زمن عبد الناصر ضمن تداعيات هزيمة 1967، وفي سنتي 1971 و1977 في زمن السادات، والآن في زمن مبارك. تختلط ذكريات المظاهرات بذكريات الحب وصنع الحياة وفي ختام القصة يصلهما نبأ سقوط ابنهما مصابا في المظاهرات. ومع الانزعاج الأبوي يخالج الراوي إحساس بالرضى إذ ينظر إلى ابنه على سرير المستشفى: الثورة مستمرة، والجيل الجديد يحمل العلم ويمضي شوطا أبعد من سابقه. قصة ‘طلعة الوطن’ تواصل ما بدأته القصة السابقة، وأيضا عن طريق واعية شخصية متقدمة في السن ولكن أيضا حريصة على المشاركة في المظاهرات. عم ‘باز’ الخطّاط هو جندي قديم من الذين شاركوا في حرب 1973 لتحرير سيناء فأصيب فيها وانتهى مقعدا في كرسي بعجلات. فهو مناضل قديم من أجل الوطن ضد العدو الخارجي، واليوم لا يفوته مواصلة النضال ضد الاستبداد الداخلي، فيخرج متظاهرا على كرسيه المتحرك قاطعا الطريق من الجيزة حيث يعيش إلى التحرير، غير عابئ بسنه ولا إعاقته. تبدأ القصة بخطبة الجمعة من خطيب مأجور للسلطة يحضّ على طاعة أولى الأمر فلا يحظى إلا بالتجاهل والتأفف من المصلين. إلا أن الكاتب الذي يرمي لنا بهذا الموقف القابل للتطوير في بداية القصة لا يلبث أن ينساه، وينغمس بنا وبراويه في قلب المظاهرة. ثمة وصف تسجيلي دقيق للمظاهرة وخط سيرها وأساليب القمع ضدها من هراوات وغاز مسيل للدموع ومياه ورصاص ودهس بالمصفّحات، وهو وصف يتعرف عليه بسهولة من شارك في المظاهرات أو تابع تفاصيلها على شاشات التلفزيون. تركز القصة أيضا على روح الإخاء والتعاون والفداء بين المتظاهرين وبعضهم البعض وبينهم وبين الأهالي من ناحية أخرى. ويبني الكاتب على هذه الروح العامة إذ يصوّر لنا كيف جمعت المظاهرة في حب الوطن وكره الاستبداد بين الراوي وبين جار له كان بينهما ما طرق الحدّاد، فإذا بالحماس الوطني يجرف ما بينهما من عداء، وإذا بالجار الكريه سابقا يصرّ أن يدفع بنفسه كرسي عم باز طوال الطريق ويتلقى عنه ضربات الجنود ثم يحمله إلى البيت بعد أن يُصاب كلاهما ويتحطم الكرسي. وإذا كانت القصتان السابقتان تحتفلان باندلاع الثورة وبروحها التي تصدّت للطغيان ووحدت بين الناس واستخرجت منهم أفضل ما فيهم، فإن قصة ‘صندوق الحرية الأسود’ تندرج تحت شعار ‘راحت السكرة وجاءت الفكرة’، فهي تفتقد للنغمة الاحتفالية والنظرة المتفائلة. هي أمثولة كنائية (أليغورية) بسيطة تعتمد على تحوير بسيط للأسطورة الإغريقية الشهيرة عن صندوق ‘بَنْدورا’ الذي يُطلق في الدنيا الشرور لدى فتحه. ثمة مملكة لا تسميها القصة (مصر) يضجر شبابها من الظلم والنهب الذي يقوم به الملك وبطانته، فيذهبون لسؤال حكيم المدينة عما يجب أن يفعلوا، فيقول لهم إن العدل لا يتحقق بدون حرية. ويشير عليهم أن يحفروا في ميدان معروف حتى يستخرجوا صندوقا به ثلاث غرف، في إحداها كتاب يُعلّم سبل الحرية، وفي الثانية غربان حديدية سوداء تنتظر الانطلاق، وفي الثالثة ذهب، وأن لا سبيل أن تُفتح الغرف الثلاث إلا الواحدة بعد الأخرى. معنى النصيحة أن الحرية ستأتي أولا بمصائب ثم يتلي ذلك الذهب أو الثروة والرخاء. يمضي الشباب ويستخرجون الصندوق فإذا بالغربان تنطلق وتعيث في المدينة فسادا وخرابا، وحين يفتحون غرفة الذهب ينقض عليهم حرس الملك فيستولون على الذهب، حتى إذا انتهوا إلى أملهم الأخير، كتاب تعليم السبيل إلى الحرية، فاجأهم الحرس مرة أخرى فخطفوا الكتاب وأحرقوه. يُسقط في يد أهل المدينة وتتملكهم الحيرة والقنوط وتنتهي القصة عند هذا. وهي في هذا لا تعدو أن تكون محاكاة موازية لما حدث للثورة المصرية وما وصلت إليه من حارة مسدودة بعد بداياتها الواعدة. وكأن فؤاد قنديل في هذه القصص الثلاث المتتالية في المجموعة يلخص مراحل الثورة، مجمدا المشهد عند المرحلة الحالية: ‘المصائب’ والثورة المسروقة والحيرة أمام الخطوة التالية. تأتي القصة التالية مباشرة في المجموعة، ‘فتاة الشمس والقمر’، مكملّة للقصة السابقة، وكأنها فصل ثان منها. وفي الحقيقة أنها لا يستقيم فهمها إلا بقراءة القصة السابقة، ‘صندوق الحرية الأسود’، ولعله كان الأنسب أن تدمج القصتان معا. في هذه الأمثولة التكميلية تنتصر الإرادة الشعبية لأهل المدينة تحت قيادة ‘فتاة الشمس والقمر’ – وهي فتاة باهرة الجمال أشبه بأميرات ‘ألف ليلة وليلة’ وتُمثّل على ما يبدو روح مصر الفتيّة أبدا فيتم مصرع الملك الطاغية على يديها ومن وراءها الشعب كله الذي سار وراءها. تمثل هذه القصة إذن انتصار الثورة على الطاغية. ومصرع الملك يعادل في الواقع الذي تكني عنه القصة سقوط حسني مبارك في 11 فبراير 2011. وحيث أن المجموعة القصصية نُشرت في عام 2011 بينما كانت الثورة المصرية لم تزل في شهورها الأولى، فالفهم التاريخي للقصتين مؤدّاه أن القصة الأولى تمثل الاضطرابات والمصادمات التي سادت في فترة الثمانية عشر يوما الأولى وما وسمها من العنف الدموي من قبل النظام (الغربان الحديدية السوداء)، على حين تمثل القصة المكملة الانتصار النهائي للثورة وسقوط الطاغية. إلا أنه ما أسرع ما يتغير المعنى بتغير الظرف التاريخي، فيتيح قراءة مختلفة للنصّ تخالف ما قصده الكاتب وقت الكتابة والنشر. فقصة ‘صندوق الحرية الأسود’ إذا ما قرأناها وحدها اليوم كما رأينا وبعد مرور أكثر من عامين على الثورة، يمكن فهمها على أنها رثاء لما آلت إليه الثورة اليوم من فشل مرحلي بعد أن انفلتت إلي يد نوع مختلف من الطغيان، وانغمست في سلسلة غير متناهية من ‘المصائب’ وغاب عنها وعد ‘الحرية’ و’الذهب’. إذا انتقلنا إلى قصة ‘ميلاد في التحرير’ التي تعطي المجموعة عنوانها، نجد فؤاد قنديل يواصل رصده لأحداث الثورة المصرية ومشاهدها، الآن في تسجيلية بسيطة بعيدا عن الجو الأسطوري الخيالي الذي استخدمه كنائيا في القصتين السابقتين. وكما رأينا احتفاله في قصة ‘طلعة الوطن’ بقدرة الثورة على توحيد المصريين وجعلهم ينسون سابق عداواتهم، فإنه هنا يلتفت إلى المصريين في خارج الوطن، فيتابع هنا التجوال المشدوه في الميدان لعالم وأستاذ متقدم في السن عائد من أمريكا، وشيئا فشيئا يتصالح المهاجر القديم مع الوطن الجديد الذي أنجبته الثورة. والواقع أن خاطر ‘الميلاد’ هو خاطر مُتَسيّد في القصة، فالأستاذ العائد اسمه ‘ميلاد’. وهو يشهد ‘ميلاد’ طفل جديد في الميدان لم يسعف الوقت أمه أن تنتقل إلى مستشفى. كما أن مصر كانت ‘تُولد’ من جديد في الميدان. ومن هنا يمكن فهم عنوان القصة على مناحٍ ثلاثة، كل منها صحيح وكلها متصلة الواحد بالآخر. ولا يفوت قنديل في ثنايا القصة وفي غمرة حماسه لتسجيل الأثر الأخلاقي للثورة التي ولدت إنسانا مصريا جديدا أن يقدّمنا لنشّال جاء ‘ليسترزق’ من حرفته في الميدان المكتظّ، فأخذته النخوة الثورية وانغمس مع الجموع في خدمة الجهد الثوري، ناسيا ما جاء من أجله.في قصة ‘جرح مفتوح’ يواصل فؤاد قنديل استكشافه للفعل الثوري عن طريق الأمثولة، قاصّاَ علينا حكاية مُزارع تهاجم جحافل الذئاب مزرعته ولكنه يذود عنها في بطولة منتصرا في النهاية ولكنه يسقط مثخنا بالجراح وتنتهي القصة وهو راقد على الأرض والذباب ينهش جرحه المفتوح بينما ‘روحه تهشّ للأمل الذي يتشكّل على وجه الأفق’ (ص 77) الدرس الواضح من هذه الأمثولة هو أن مكافحة الطغيان يُدفع ثمنها بالدماء وأن الأمل في المستقبل يُولد من رحم المأساة. وأما قصة ‘الصاعد إلى السماء’ فهي مرثية نثرية لأحد شباب الثورة الذين سقطوا في ميدان التحرير، والذي بسقوطه غيّر ‘شرائح ‘الهاردوير’ في أجهزة (المصريين) كي لا تنشغل إلا بالحق والخير والجمال والعمل والبناء والتسامح والتنافس والتكافل والوحدة والمؤازرة…’ (ص 81) ولكم تصدمنا المفارقة حين نقرأ هذه المثالية الغنائية، وليدة الأيام الأولى للثورة، على خلفية التناحر الشديد داخل الوطن المصري اليوم. أما في قصة ‘الجرادة’ ، فيستغل الأستاذ قنديل ما هو معروف عن هذه الحشرة الطائرة في علاقتها بالجنس البشري من نهم لا يشبع وقدرة هائلة على نهب الجهد الإنساني في لحظات يستغله في جعلها رمزا للرئيس السابق حسني مبارك، بل إنه يصور مبارك في صورة جرادة ويربط بين كونه طيارا وكون الجرادة حشرة طائرة. ويصور حاشيته والطبقة المنتفعة من حكمه على هيئة سرب هائل من الجراد. كل هذا بدون أن يأتي على ذكر مبارك بالاسم. فالقصة أمثولية مثل العديد غيرها في المجموعة، إلا أن الغشاء الرمزي رقيق شفّاف لا يُصعب رؤية ما وراءه. تتسم القصص العشر لهذه المجموعة بطابع يراوح بين الواقعية التسجيلية والأمثولة الدانية الشافّة عما وراءها من عبرة. الهاجس الأكبر فيها هو الاحتفال بالثورة والتغني بما جاءت به من تغيير والأسى على الشباب الذي سقط فداءً لها. ولعل هذا هو غاية المستطاع من رد فعل أدبي يأتي سريعا في أعقاب أحداث مزلزلة ما زالت في طور الحدوث، إذ نُشرت المجموعة في أكتوبر 1911، أي في خلال تسعة شهور من قيام الثورة. ولكنّ بداية الغيث قطر. qadqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية