اختيار طريق المفاوضات مع العالم العربي النازف على اساس مبادرة السلام العربية هو ضرورة استراتيجية لمواجهة التحدياتجلعاد شير والعاي ألونمقدمة: خيرا كان أم شرا، يتركز الخطاب الجماهيري في اسرائيل في الاونة الاخيرة حصريا على التحول النووي الايراني. ولكن بالذات بسبب ذلك، وعلى خلفية التحولات في العالم العربي، ثمة معنى للعودة الى فحص صلاحية مبادرة السلام العربية. فالمبادرة التي ولدت الى العالم في بيروت في 2002، عادت وأقرت في مؤتمرات القمة العربية منذئذ آخرها بغداد قبل خمسة أشهر. مخاطرة محسوبةنحن على علم جيد بالمخاطر السياسية والأمنية الكامنة لاسرائيل في المبادرة العربية، مثلما هي الان. ولا ينبغي الاستخفاف بها، والنهج المقترح هنا يجب أن يكون محسوبا، متوازنا ومضبوطا. في عصر انعدام اليقين في العالم العربي، فان اتفاقا يوقعه حكم ما من شأنه أن يخرقه حكم يحل محله، وفضلا عن ذلك، ليس بوسع اسرائيل بالطبع قبول الشروط التي تقترحها المبادرة، كلها معا وكل واحد منها على حده. يمكن أن نتوقع بانه مع بدء عملية الحوار، الذي في اطاره تجرى مفاوضات، وفي اثنائه، يمكن لاسرائيل أن تعمل على حصر المخاطر الموجهة لها. ويتعزز هذا التقدير قبل كل شيء بحقيقة أن الجامعة العربية وبعض السياسيين العرب كانوا مستعدين في الماضي للبحث في اجراء تعديلات شديدة وخفيفة على حد سواء. وهكذا، مثلا، في نيسان 2004 أعلن الملك السعودي بان على العرب أن يكونوا مستعدين لتعديل المبادرة، وفي مؤتمر القمة في اذار 2005 عمل الاردن على الاقناع بادخال تعديلات على الصيغة بحيث لا تذكر مسألتي القدس وحق عودة اللاجئين. ونشر الايرانيون خطة التعديلات هذه وهاجموها. وفي ايام 2009 نشر بأن الزعماء العرب المعتدلين مستعدون للاستجابة لطلب امريكي للبحث في تعديلات على المبادرة؛ واشار الملك الاردني عبدالله في 2008 بان المبادرة ليست بمثابة املاء على اسرائيل. ثانيا، بين التعديلات التي فكر فيها أعضاء في الجامعة على مدى السنين (وان لم يعدلوا بالفعل) كانت أيضا مواضيع ثقيلة الوزن مثل الموافقة على إعادة اللاجئين الى اراضي الدولة الفلسطينية فقط، او اعادة تأهيلهم في دول إقامتهم؛ تقسيم القدس ورفع علم الامم المتحدة على البلدة القديمة والاماكن المقدسة: وتغيير الترتيب التقليدي في الطريق الى اتفاق اسرائيلي فلسطيني بحيث أن يأتي التطبيع أولا، وفقط بعده تقام دولة فلسطينية. وأخيرا، لا ينبغي تجاهل لغة النص أيضا، التي تتحدث عن حل متفق عليه، وتلمح بأن ما يرد فيه ليس لمثابة شروط مملاة.اسرائيل في ضوء التحولات في المنطقةالهزة الارضية التي عصفت بشعوب المنطقة، من المغرب وحتى اليمن، من ليبيا عبر مصر وحتى سوريا، بالفعل تستوجب نظرة حذرة من جانب اسرائيل في ظل التفكر والانتظار لترسب الغبار. ولكن مخاطر الماضي تضع أيضا تحديات وفرصا للمستقبل. يمكن ان تكون مبادرة السلام العربية توفر لاسرائيل فرصة لان تدرج الحلم الصهيوني في الشرق الاوسط: الدولة القومية الديمقراطية للشعب اليهودي، الآمنة والشرعية. غير قليل من الناس عقبوا على الهزة في العالم العربي بقولهم: ‘تصوروا ماذا كان سيحصل لاسرائيل لو كنا قبلنا مبادرة السلام، ووصلنا الى الفوضى الحالية’. الحقيقة هي أن المبادرة العربية هي مصلحة عربية، اليوم ايضا، ولو لم تكن كذلك، لما عرضت منذ البداية. ولكن لو كانت اسرائيل والاسرة الدولية منفتحتين في حينه امام عملية حوار تقوم على اساس المبادرة، لما كان مستبعدا أن يكون وضع اسرائيل اليوم أكثر أمنا واستقرارا. لو كانت اسرائيل ردت على المبادرة العربية وأعربت عن استعدادها للشروع في المباحثات الاولية على الصيغة التي يقترحها العرب، لكانت مكانة الدولة على المستوى الدولي تغيرت ايجابا. وحاليا في العالم العربيقبل بضعة أسابيع نشر منيب المصري، رجال أعمال فلسطيني بارز، طلبا لابو مازن حول الحاجة الى استئناف المبادرة. على حد قوله، فان شطب الموضوع الفلسطيني عن جدول الاعمال العالمي، يسهل على اسرائيل تثبيت حقائق على الارض. بين الزعماء العرب الذين يؤيدون اليوم استئناف المبادرة الملك عبدالله الثاني ملك الاردن، وحتى زعيم السودان، البشير. اضافة الى ذلك، فبين الحين والاخر تنطلق اصوات في الجمهور العربي تشكك بجدوى مثل هذا الاستئناف للمبادرة في ضوء تجاهل اسرائيل الرسمية لها. ومنذ وقت غير بعيد انعقدت جلسة للجنة مبادرة السلام العربية شارك فيها ابو مازن ايضا. ولم يذكر الاقتراح على الاطلاق في الوثيقة الختامية. ونشر أبو علاء مؤخرا مقالا طويلا دعا فيه الى إعادة النظر في المبادرة العربية بمرور عشر سنوات عليها. وتعرب محافل دينية اسلامية عن معارضة شديدة. ففي مقال نشره مؤخرا صلاح البردويل، رجل قيادة حماس، قرر بان احياء مبادرة السلام يعبر عن التملص من الوقوف في وجه الاحتلال، وشيخ الازهر، احمد الطيب، دعا في الشهر الماضي في الاجتماع الطارئ للدول الاسلامية في مكة الى سحب مبادرة السلام العربية كليا، والتي قال انها ‘حظيت (من جانب اسرائيل) باستقبال سئ للغاية’.مع من نتحدث؟ اولا، مع الجهة التي صاغت المبادرة الاصلية الجامعة العربية. برأينا، فان تعزيز الجامعة ينسجم مع المصلحة الاسرائيلية ويبدو لنا أن وقفا اسرائيليا من المبادرة سيعززها بالفعل على المستوى العربي، الاسلامي والعالمي. جهة اخرى هي مؤتمر الدول الاسلامية، الذي يجمع 57 دولة كهذه. وكما يذكر فقد تبنى المؤتمر (باستثناء ايران، التي استضافت المؤتمر) في العام 2003 المبادرة العربية. وأخيرا الفلسطينيين، سواء فتح أم حماس. لكل واحدة من هذه الجهات أسبابها الخاصة بها لان تؤيد التمسك بمبادرة السلام العربية، الان بالذات: النزاع السني الشيعي؛ انعدام الاستقرار السياسي الداخلي في الدول العربية؛ حاجة الجامعة العربية الى انجاز لتعزيز مكانتها؛ حاجة الاسلام لايجاد طريقه الشرعي الى الاسرة الدولية؛ الوضع الاقتصادي المتردي في العديد من الدول العربية والاسلامية كل هذه يمكنها أن تتأثر ايجابا بموقف ايجابي من اسرائيل تجاه المبادرة، حتى دون أن تقبلها رسميا. مبادرة السلام العربية لن تكون متوفرة الى الابد. تهديدات جهات عربية بان هذه المرة ستسحب المبادرة، بعد أن عادوا وصادقوا عليها، كما أسلفنا، عدة مرات في العقد الاخير جدية أكثر مما في الماضي. هذا ايضا يجب أن تفكر فيه اسرائيل بعناية. الفضائل لاسرائيلهاكم بعضها: في موقف من المبادرة كأساس او كإطار للمفاوضات بين اسرائيل والعالم العربي، ستعطي اسرائيل الولايات المتحدة ذخرا سياسيا واعلاميا محترما، وستسمح باعادة بناء مكانة الولايات المتحدة في الشرق الاوسط وفي العالم العربي.اضافة الى ذلك، فان موقفا ايجابيا من المبادرة، التي مصدرها سني في أساسه، سيعزز هذا المعسكر الاسلامي في صراعه ضد الشيعة كحامل للواء الاسلام، بل كفيل بان يساعد على بناء محور سني اسرائيلي غربي حيال ايران، حزب الله ومحافل شيعية اخرى في العالم الاسلامي. يتبين أن الاسلاميين لا يمتنعون عن الدبلوماسية، والواقعية السياسية ليست بعيدة عنهم. ليس مثل التعبير الممجوج عندنا ‘مدوا لهم اصبعا سيرغبون في كل اليد’، سمعنا في محادثات مع رجال منظمات اسلامية تعابير مثل ‘مدوا لنا يدا نمد لكم خمسة ايدي’. من غير المستبعد ان يتوفر دور مركزي لتركيا ايضا في هذا المسار، وهكذا تحقق اسرائيل ايضا بداية اعادة بناء لعلاقاتها معها. يمكن التقدير بان يكون بوسع اسرائيل أن تعزز مكانتها كجار ذي روافع لتحقيق اعتراف مناسب للاسلام في العالم العربي. فأصحاب المبادرة العربية يمثلون بقدر كبير الاسلام، وبالتالي كفيلة اسرائيل بان تحظى بالاعتراف، سواء في أوساط القيادة الاسلامية أم في أوساط الجمهور الذي تمثله هذه القيادة. الان بالذات في ضوء التطورات في العالم العربي، والانفتاح النسبي القائم في كل ثورة، اتسعت امكانية التأثير من الداخل ومن الخارج، والثمن الذي ستكون اسرائيل مطالبة به من اجل الوصول الى اهدافها الوطنية وتحقيق السلام مع العالم العربي كفيل بان يكون قليلا. بحذر، بإهتمام شديد، برباطة جأش، في ظل الاصرار على المصالح الحيوية ولكن بشجاعة. هذا ما هو مطلوب من اسرائيل في هذا الزمن. يمكن أن بالذات يكون اختيار طريق المفاوضات مع العالم العربي المهتز والنازف، على أساس مبادرة السلام العربية، يتبين كاستراتيجية حكيمة أيضا ولكن ليس فقط حيال التهديد الايراني. مع العالم العربي مطلوب لمواجهة التهديد الايراني.نظرة عليا 25/3/2013qeb