السلطة في الجزائر تتساءل: لماذا يكرهنا الشعب؟

حجم الخط
0

اسماعيل القاسمي الحسني بداية السؤال لا يعني السلطة الجزائرية استثناء، فهو متغلغل بحكم الواقع في تفكير معظم رجال السلطة في الأقطار العربية، ثم هو شبيه بالإشكالية التي استعرضها الصحفي الشهير والكاتب المتميز ‘روبرت فيسك، في 12/11/2001 مباشرة بعد كارثة برجي نيويورك على صفحات الأندبندت، وأعاد صاحب السؤال إلى المنطق المتجرد من الذاتية، موضحا بأن الكراهية نتاج طبيعي لسياسات أمريكا حيال الشعوب العربية، مذكرا بمجموعة من الجرائم التي ارتكبت بحقها، تحت ذرائع واهية، ومعلومات كاذبة لا يمكن بحال وإن صحت أن تبرر تلكم السياسات. لا يرقى ليقيني شك بأن ساسة الولايات المتحدة من عهد صاحب السؤال ‘ازنهاور’ منتصف القرن الماضي إلى اليوم، يجهلون مسببات حنق الشعوب ضدهم.وإنما اختاروا عبثا تجريد النتائج من مقدماتها، والنهايات عن بداياتها، واستثمروا الإعلام لتسويق صورة مقلوبة للرأي المحلي ومن ثم العالمي، لتبني دجلا وتدليسا قراءة مناقضة للواقع، ملخص سطورها أن الشعوب العربية غير مؤهلة للمدنية بكل أبعادها، بمفهوم العالم الغربي، وعاجزة عن مواكبة تطور المجتمعات البشرية على كل الأصعدة، بدءا بالحريات العامة وانتهاء بالثورة التكنولوجية، ما تولد عنه حسدا لا غير، للأمم الرائدة في هذا العصر. وهذا أمر مجاف للحقيقة تماما.قد يقول أحدهم: لا أعتقد أن السلطة في العالم لعربي ومنها الجزائر تطرح هذا التساؤل، ولو فعلوا لعلموا الإجابة حتما. هذا التساؤل ليس وليد خيال الكاتب، وإنما تردد على سمعي في كثير من اللقاءات التي جمعتني بقيادات عليا، منها التنفيذية في هرم السلطة وحتى العسكرية والأمنية، وإن بصيغ مختلفة، لكن في النهاية تلمس قناعة متجذرة لدى هؤلاء بأن شعبهم يحمل لهم كراهية بأبعادها الثلاثة، والعجيب أنهم يفسرون ذلك كما تفسر الولايات المتحدة الأمر، وبذات المنطق يجردون النتائج من المقدمات، ولا يلتفتون أبدا للمسببات، وكأنما الشعب هكذا خلق، وبشكل تلقائي بل لنقل اعتباطي، يوزع مشاعر الكراهية مجانا. وأقر هنا بأنه فاتني (لغبائي) طرح السؤال بدوري باسم الشعب على النحو التالي: لماذا يكره سدنة السلطة الشعب؟ فهذا الشعور كذلكم مستقر لدى الشعوب العربية، وهذا الإحساس قائم ملموس في حواراتها اليومية، في المقاهي وعلى الأرصفة وحتى في طوابير الموطنين لدى الإدارات العمومية. قد تتفاوت درجة الصوت علوا وانخفاضا، همسا أو جهرا من بلد عربي لآخر، ولكن التساؤل موجود. قطعا حينها سيصرخ المسؤول في وجهي بالنفي، مستدلا بالتضحيات الجسام التي يقدمونها لخدمة الشعب، لألقمه بسؤالي حجرا : أين وفيما تتجلى خدمة الشعب هذه؟.ما لا يريد رموز السلطة الجزائرية ملامسته كواقع لا يحجب شمس حقه غربال أوهامهم، هو انقطاعهم التعيس عن الشعب الجزائري، وما بلغه من مستويات وعي متقدم، وجهلهم التام باكتسابه لحس مرهف بالمتغيرات من حوله لدى شعوب العالم، واطلاعه الدقيق ومتابعته الواسعة لنمو مستوياتها المعيشية، مع معرفته العلمية بإمكاناته من ثروات بشرية هائلة، وطبيعية باطنية وغيرها، يعلم قطعا أنها لو استثمرت بجدية، لزاحم بالمناكب غيره على المراتب الأولى، على مستوى المعمورة، ولا يمكن بحال من الأحوال أن يتهم شعب بأكمله بالعجز والكسل والجهل وغيرها، وتبرأ مجموعة استحوذت على السلطة من سوء إدارة المال العام، والعبث بمرتكزات الاقتصاد، والجهل بمفردات سياسة الشعب وبناء الدولة، هذه المعادلة لا تستقيم في ذهن عاقل. ويبدو أن رجال السلطة بتساؤلهم هذا لا يعكسون انقطاعهم عن الشعب فحسب، وإنما كذلكم عن العصر الذي نعيش فيه، ومن أهم سماته الوصول إلى المعلومة في أقل من ثانية؛ فلم يعد بالضرورة التنقل إلى بلدان الشعوب الأخرى، ولا شرطا المعاينة الميدانية للمشاريع والانجازات، حتى نقيم المقارنة بيننا وبينهم، ذلك أن هذه الثروة المعلوماتية تنقلها إلينا الثورة التكنولوجية في عالم الاتصالات لحظة بلحظة وبأدق التفاصيل.هنا أختلف مع روبرت فيسك وقبله ازنهاور نفسه، فالشعوب لا تعرف شعور الكراهية سواء لأمريكا أو للسلطة، هذا توصيف يبدو لي إنشائيا أكثر منه علمي، ولعلني أعرف هذا الشعور ‘بانعدام الثقة’، فهو أدق وصفا لواقع الحال، وهو مترتب عن سلوك الطرف الآخر وسياساته، و نتيجة حتمية وموضوعية لكل خيانة للمبادئ والقيم، خاصة تلكم التي يجمع عليها ضمير الإنسانية، ويتوحد حولها الوعي الجمعي، وتقر بها فطرة المجتمعات البشرية.إن العجز عن توفير متطلبات حياة كريمة للمواطن، مع وجود وفرة مالية هائلة (200-300 مليار دولار مودعة في الولايات المتحدة)، يعد بحد ذاته خيانة، والسطو على السلطة بطرق غير شرعية كذلك، فضلا عن فضائح الفساد المالي، التي باتت تنضح بها صحف دولية، وأزكمت ريحها المنتنة إعلام كندا وقبلها بريطانيا وفرنسا وسويسرا ومؤخرا ايطاليا. إن تراكم أخطاء السلطة الحاكمة من عام 1962 إلى اليوم، وترادف العجز والوهن في تقديم الخدمات للشعب، يفرز بالضرورة سحب الثقة منها، كأداة طبيعية ومشروعة للدفاع عن النفس.و لعلني في الختام، استدل بمثل قد يستصغره الكثير، رددت به على وزير يتقلد مهام وزارة سيادية حاليا في الجزائر، حين أعرب عن ضرورة عملنا كصناع وعي وبناة رأي، على إعادة الثقة بين الشعب والسلطة المتحكمة في شؤون البلد، فأوضحت له بأن الطلب مستحيل تحقيقه، لسبب بسيط جدا، وهو أن الجزائر العاصمة ذاتها أين تستقر السلطة الحاكمة، تمتد على طول 60 كلم، عدد سكانها يقارب أربعة ملايين، لا تتوفر على مرحاض عمومي واحد (أكرمكم الله)، السلطة التي تعجز عن توفير ابسط خدمة كهذه، ليقضي المواطن حاجته الطبيعية، لا يمكنني أن أقنعه بأنها أهل أو محل ثقة لتوفر له خدمات أخرى. وليتأكد معاليه أنه كلما احتاج مواطن لهذا المرفق، وهي حاجة يومية طبيعيه، ولم يجده لعن السلطة بكل رموزها وتاريخها ومستقبلها، ولن يصيب مقالاتي التي دعاني لكتابتها لإعادة الثقة إلا ما يصيب السلطة من لعنة، أقول هذا عن تجربة ذاتية فالكاتب نفسه كثيرا ما ذهب إلى العاصمة، وهناك فعل ما فعل بجمرة العقبة…ويسألونك والغباء يتحدر من وجوههم: لماذا يكرهوننا؟.’ فلاح جزائريqmdqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية