اسامة كمالهناك أشخاص في هذا العالم، لا تتخيلهم إلا عجائز، ومنهم عم أحمد عوض، وأحمد عوض لمن لا يعرفه قاص وشاعر، عاش ما يقرب من تسعة وسبعين عاماً ( 1927 2006 )، مر فيها بكل مراحل الحياة: طفولة، صبا، كهولة، وهن وشيخوخة. ومع ذلك لم أصادف أحداً، إلا ونعته بلقبه الأثير ‘عم أحمد’، وكأنه اسمه منذ طفولته الأولى، ورغم الآلاف الذين يحملون نفس الاسم، لكن اللقب ارتبط به وحده واقتصر عليه.. في الصباح ومع تباشيره الأولى، يركب ‘عم أحمد’ دراجته العتيقة الهندي ، التي يشعر فوقها كأنه يعلو كل شيء، والكل حوله مشدوهون لعبوره بينهم. يصل إلى دكانه ‘كوافير باندونج’ اسم دكانه في فترة الستينات، و’مصر’ اسم دكانه بعد أن غادرت الأحلام وعبد الناصر سماء وأرض الوطن، أو على حد قوله : مصر خالدة، وكلنا إلى غياب .. في دكانه تجد مرآة عتيقة مُغبشة و متهرئة، بجانبها ‘ نتيجة ‘ بها ورقة واحدة، ذات حجم كبير، عليها رقم ( 7 )، تمر السنوات وتمضي ولا يتغير الرقم أو الورقة أو ‘النتيجة’، ثبات وسكون وسحر غامض ومدهش، لدرجة أنك تشعر بالرقم ( 7 ) يُشاركك الحلاقة وأيضاً الحياة، تراه في المرآة يشعر بحزنك أو بفرحك، يقترب من قلبك ليبهجك أو يلمس بسحره حزنك الخبيء، أعلى ‘النتيجة’ شهادة تكريم من الهيئة العامة لقصور الثقافة، عرفت منه، أنه نالها مع بلوغه سن الستين، و بعد أن التف حوله رهط من أدباء مدينته، ولملموا أوراقه المبعثرة والمنسية في الحنايا والأركان، وخرجت مجموعته القصصية الأولى ‘إيقاعات متداخلة’ إلى الحياة، بعد فترة طويلة من غيابها في غياهب البحر، وخرجت المجموعة كصدفة من الأصداف النادرة والمدهشة، خاصة أنه فتح بها الطريق إلى كتابة القصة القصيدة، أو بمعنى آخر القصة التي تعتمد في بنائها على الحكي، وفي روحها على الشعر، وسبق’ مُجايليه الى الكتابة ‘عبر النوعية’، وكتب نصاّ أدبياً مفارقاً ومتجاوزاً لمفاهيم زمنه عن القصة والشعر معاً.. ولفرادة المجموعة وبريق شخصيته كان التكريم، الذي لم يبق منه غير تلك الشهادة، التي علاها مع مرور الزمن الغبار والنسيان، وقبعت وحيدة على أحد أركان دكانه … في مواجهة مرآة الدكان تجد ‘كنبة’ عتيقة، بداخلها ‘سحارة’ أقرب الى المغارة، ‘الكنبة’ للجلوس والإنتظار، و’السحارة’ لحفظ نوادر الأشياء بدءًا من قصاصات الجرائد والمجلات والكتب القديمة مروراً بالملابس وأدوات الحلاقة، وما يصل اليه من البحارة والبمبوطية ‘مهنة من مهن البحر’ الذين يجلسون بشكل دائم في المقهى المجاور له … نادراً ما تسأله عن شيء إلا وتجده في ‘سحارته’، وكأنها صندوق الحياة، الذي يقف على بابه، وعند مغاردة دكانه، لا تغادره وحيداً، يظل معك، يظل معك بحكاياته، التى لا تعرف كيف يقصها أو ينسجها، حكاياته لا تجدها أو تصادفها فى كتب، تعرفها مع جلوسك اليه، وسماعك منه، ولأنه ساحر وصانع للبهجة، حكاياته تتغير وتتبدل، تطول وتقصر، لكنها دائماً رائعة، سألته يوماً: لماذا حكاياته مفعمة بالسحر والدهشة، وأعماله المكتوبة مجرد مجموعة واحدة قليلة الصفحات… ؟قال : تفرغت للحياة، والكتابة جزء من الحياة، وليست هي الحياة.لم أشعر بصدقه إلا عند وفاته، الحلاق الفقير الذي فارقته الابنة ثم الابن ثم الزوجة، استطاع بجمال قلبه أن يحزن وحده ولم يشعر أحد بحزنه أو حتى يعرف أن له راحلون , لكنه لم يستطع أن يعيش يوماً واحداً بعيداً عن بيته الأول، بيته الذى لا يبعد سوى خطوات عن دكانه، وكان يتحرك بينهما كالسائر على الماء، لا يشعر به أحد من فرط خفته، بمجرد أن حان موعد رحيله إلى بيت آخر، رحل ومعه عالمه القديم، وأزيل بيته وغاب مع غيابه، وقبع دكانه مهجوراً منسياً بعد أن فقد صاحبه، وفقد معه الحياة . عم – أحمد عوض – ليس واحداً، بل هناك آخرين يحملون نفس اللقب أو ألقاب أخرى , ويعيشون في مدن وبلاد أخرى، يحبون الكتابة، ويحبون أكثر الحياة، ويغادروننا دائما بهدوء دون أى صخب أو ضجيج، ونشعر تجاههم بحزن أسين وعميق، لأننا لم نقدم لهم أى شيء. لكننا نشعر بالبهجة حينما يأتي ذكرهم أو تصادفهم عيوننا في أي مكان يكونون.qadqpt