رواية لبنانية اسرائيلية لم تنته فصولها بعد!

حجم الخط
0

ارتياد المقاهي عادة أعايشها منذ الانتهاء من دراستي الثانوية، واستمريت طوال اكثر من عقدين، في مجالسة الصبايا والتباهي بهنّ امام الاصدقاء الذين كانوا اكثر جدية في علاقاتهم لاحقا معهنّ وانتهوا جميعا الى اقفاص الزواج ورزقهم الله البنين والبنات. وانني هنا ادعو لهم جميعا بمديد العمر والصحة والسعادة مع عائلاتهم. اما لاحقا، وبعد ان تماهت حياتي مع مجالسات معزولة عن عامة الناس، اصبحت هذه العادة هروبا من الوحدة والتوحد، الى التواجد الفردي المطلق بين روّاد تغلب على احاديثهم الثرثرة وحب الظهور. وليس حبّا في الظهور بمظهر المثقف بين هؤلاء القوم جعلني التزم القراءة في هذه الاماكن، انما الاحساس بفضائل ذلك. حتى انه ذات يوم نادت عليّ من بعيد، وانا في احد المقاهي، زميلة لي في العمل متهكمة، قائلة على مسمع من جميع الحاضرين، ‘انك تبدو مثقفا للوهلة الاولى من بعيد’. استطيبت كلامها الذي نطقه لسان أمرأة ساحرة الجمال وخرج من بين رضاب تُسكر الوعي. وفي ذكرى مئوية ولادة الاديب اللبناني المناضل رئيف خوري، عكفت هذا الاسبوع على قراءة روايته الرائعة ‘الحب أقوى’، حول الحب العذري عند بني عذرة ايام الحكم الاموي، في خضم التواجد الانثوي الفائق الاثارة والغواية. بينما كنت غارقا في هم الصراع العذري بين بطلي الرواية، ‘ نصر وسعاد’، جلس الى طاولة في جواري ثلاثة شبان، ذوي ملامح شرقية، يتخاطبون بلغة انكليزية ركيكة، فافسدوا عليّ ولعي في المطالعة، حاولت الانتقال الى طاولة أخرى، كما افعل في اكثر الاحيان، لكن ازدحام المكان حال دون ذلك. وهذا هو سبب اصراري كتابة هذه السطور عند عودتي الى المنزل. حيث اصابني البقاء الى جوارهم بفضولية الانصات الى ما يتبادلون من حوار غامض، فيه دلالات تبعث الى الحيرة والشك في أمرهم. أحدهم كان لبنانيا. حدثهما مطوّلا عن المأكولات اللبنانية الشهيّة، وعن ضرورة وجود الكثير من أصناف الاكل على الطاولة للتمتّع بمشاهدتها، رغم تناول القليل منها. اما الاثنان الاخران فهما من الجنسية اليونانية، ذوي بنية قوية، بادية في لباسهم الصيفي. ما أود الاشارة اليه، هو انه من ضمن الحديث الذي دار بينهم، كلام اعتبره خطيرا جدّا تطرّق اليه الشاب اللبناني. قال لهما: لا يمكنكما ان تسافران الى اسرائيل من لبنان، لكن عليكما العودة الى دائرة الجوازات والهجرة في اليونان، حيث تحصلان على بطاقة تلصق على كل جواز سفر لكما، تخوّل حاملها الدخول الى اسرائيل والخروج منها دون ختم جوازات السفر. وبذلك لن يكون بمقدور السلطات اللبنانية معرفة زيارتكما الى اسرائيل’. ثم استطرد مذكرا كل منهما بضرورة اعطائه جوازي سفرهما قبل انقضاء مدة الشهر لتجديد الاقامة. انا لست مخبرا سريّا عند اي مؤسسة استخبارية، او بصدد اعلان اخبار الى جهة امنية معينة، بل انني مواطن لبناني عاش الحرب الاهلية المشؤومة التي لا زالت اشباحها ترفرف فوق كهوف امراء الحرب الذين لا يكفّون عن بث النعرات والخلافات الطائفية والمذهبية، ولها مدلولات عديدة في جبهات قتالية محدودة وممسوكة في اماكن عديدة من لبنان. هل احد في اجهزة الدولة الامنية يراقب هذا ‘اللبناني’ و’ضيفيه’ من اليونان! ثم ما هي الضرورة التي تستدعي هذين اليونانيين زيارة اسرائيل خلسة والعودة الى لبنان! وما هي اسباب هذه الضيافة اللبنانية والتكريم الى من يسافر الى اسرائيل ويعود الى لبنان! ولماذا على اللبناني القيام بتجديد اقامتهما قبل انقضاء فترة الشهر الحالية دون حضورهما شخصيا امام السلطات الامنية الرسمية الموكول اليها تمديد الاقامة! لقد حرمني هؤلاء متعة مطالعة رواية ‘الحب أقوى’، بل سوف اكمل قراءتها الليلة. لكنني اترقّب الان سياق رواية لم ادفع ثمنها، ولا ادري متى سينتهي هؤلاء من كتابة فصولها، واتمنى ان لا يدفع الوطن ثمنها، لا سمح الله.سعد نسيب عطاالله – لبنان[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية