في مصر المأزومة.. من يطمئن من؟

حجم الخط
0

شحاتة عوض ربما بإستثناء بعض دارويش الرئيس محمد مرسي وحوارييه من أبناء عشيرته أو من هؤلاء المؤلفة قلوبهم، فإن ثمة قناعة لدى غالبية المصريين بأن البلاد تمر بأزمة بالغة التعقيد تبدو الامور فيها على حافة هاوية خطيرة تستدعي أن يتحلى الجميع حكما ومعارضة بأكبر قدر من الحكمة والتعالي على الخلافات وصولا لمخرج يبعد شبح الفوضى والتشظي عن مصر ويحفظ ما تبقى من ثورتها وما أطلقته من أحلام وتطلعات إستحالت بعد أكثر من عامين على إندلاعها إلى كوابـيس وإحباطات.. لكن السؤال الذي يتردد على السنة الجميع الآن هو ما إذا كانت أطراف هذا المشهد المأزوم والمحتقن تملك الإرادة والقدرة أو حتى الرغبة في الخروج بمصر وثورتها من هذا النفق المظلم؟.في ظني أن تحقيق هذه الغاية يبقى رهنا بتبديد مجموعة من الأوهام والقراءات الخاطئة التي تحكم رؤية مختلف الأطراف لتطورات المشهد السياسي في مصر الآن أو في المستقبل وهي أوهام لا تسكن فقط آذهان النظام الاخواني الحاكم بل تحكم عقول وقلوب معظم قيادات ورموز المعارضة وشباب الثورة. من بين هذه الأوهام محاولة بعض قوى المعارضة إستنساخ ثورة يناير مرة اخرى بدلا من السعي لاستكمالها بوسائل جديدة، وفي هذا الإطار أيضا يأتي سعي البعض سواء تصريحا أو تلميحا لاستدعاء الجيش للنزول للشارع لاسقاط حكم الإخوان.. فلا الثورة يمكن استنساخها، ولا الجيش سينزل للشارع على غرار ما حدث يوم 28 يناير 2011. وفي المقابل وعلى الجانب الآخر فإن الإخوان واهمون إذا ما ظنوا أن بمقدورهم أن يظلوا في حكم مصر بنفس طريقة التفكير والإداء التي يسيرون عليها الآن والتي أظهرت نقصا فادحا في الخبرة وغياب إن لم يكن إنعدام الرؤية والذي فاقم من آثاره إنعدام الكفاءة في الكثير من العناصر التي تمت الإستعانة بها في حكم البلاد.من بين هذه الأوهام أيضا هو حديث المعارضين للاخوان وللرئيس مرسي عن ضرورة أن تطمئن جماعة الاخوان المسلمين خصومها ومنافسيها السياسيين بأنها لن تهيمن على مفاصل الدولة ولن تتنكر لاهداف الثورة وفي مقدمها ترسيخ قواعد الدولة الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة وألا تتعامل مع الديمقراطية باعتباره سلما تصعد عليه ثم تلقيه في وجه معارضيها. هذا الحديث له مشروعيته بكل تأكيد ومخاوف معارضي الإخوان من القوى المدنية في هذا الإطار، لها ما يبررها بالنظر لتجارب مماثلة وصل فيها الإسلام السياسي للسلطة عبر قواعد الديمقراطية ولكنه سرعان ما تنكر لها، كما أن سلوك الإخوان الذي أظهر نهما واضحا للسلطة والحكم والتحكم والرغبة في إستلام مؤسسات الدولة المصرية وكأنها ‘عهدة’ كما قال الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل وإعتماد مبدأ الاهل العشيرة وأهل الثقة وتقديمهم على أهل الخبرة، كل ذلك أطلق كل مكامن الخوف والتوجس عند خصوم الإخوان.كما أن مشروعية هذه المخاوف من هيمنة الإخوان على الدولة تستند بالتأكيد إلى غياب قواعد واضحة وعادلة للعبة الديمقراطية تضمن بشكل صارم التداول السلمي للسلطة، وحتى ما جرى أو يجري وضعه من قواعد سواء من خلال الدستور الجديد أو بعض التشريعات والقوانين لا تبدو كافية لتبديد مخاوف المعارضة أو طمأنتها لأنها قواعد لا تحظى باجماع الفرقاء السياسيين وتحمل في طياتها إنتصارا لرؤية وربما مصلحة الفصيل الحاكم الآن. يضاف إلى ذلك الظرف الاستثنائي الذي أعقب ثورة يناير والمرحلة الانتقالية التي تعيشها مصر حاليا تحتاج أكثر ما تحتاج إلى لغة التـــوافــــق والمشاركة في صناعة الامل والحلم في غد افضل لهذا الوطن ومواطنيه لكن هذا ما لم يتحقق، وعلينا أن نتذكر أن بداية الانقسام والاحتقان الراهن كانت عندما نكص الأخـــوان عن تعهداتهم في بداية الثورة وتحولوا من المشاركة لا المغالبة، الى الهيمنة والاستحواذ وفرض الأمر الواقع على كل الاطراف لكنهم لم يدركوا أن هذا السلوك لن يحقق لهم ما يشتهون وهذا ما تثبته تطورات الأحداث يوما بعد يوم، ومن ثم فإنه ما لم يعترف الأخوان وأنصارهم بهذه الحقيقة وطالما بقي هذا الوضع على حاله فلا أمل في نهاية قريبة لحالة الإنسداد السياسي التي تعيشها البلاد حاليا.لكن في المقابل وعلى رغم كل الاسباب المشروعة لمخاوف ومطالب المعارضة للحصول على تطمينات من جماعة الأخوان وتحميلها مسؤولية التأزم والإنقسام في الشارع المصري وما ترتب عليه من عدم إستكمال الثورة وتعثر وتشوه ما بقي منها، فإن موقف المعارضة تجاه الجماعة والنظام الحاكم يحمل في طياته مسألتين تحتاجان للمراجعة لإرتباطهما بطريقة تفكير قوى المعارضة وقراءتها للمشهد السياسي الراهن أو شكل تعاطيها مع الإستحقاقات الكبرى التي تعيشها مصر الآن.المسألة الاولى أن مثل هذا الكلام يتنافى مع خبرات وسوابق التاريخ السياسي، فلم نر يوما أن نظاما حاكما تنازل طواعية عن السلطة لخصومه السياسيين أو سعى لوضع قواعد لعبة سياسية عادلة ما لم يكن هذا النظام تحت ضغط سياسي حقيقي وحشد للرأي العام من قبل خصومه السياسيين. وهذا بدوره يرتبط بمدى قدرة هؤلاء الخصوم على طرح أنفسهم كبديل حقيقي للنظام ونجاحهم في كسب عقول وقلوب عموم المواطنين والحصول على تأييدهم عبر إقناعهم بما لديهم من أفكار وبرامج تشكل البديل الحقيقي لما يطرحه النظام. وهذا لن يحدث ما لم تنزل المعارضة للشارع وتقدم برامجها للجماهير وتجدد في طريقة تعاملها مع الأحداث وتبحث عن اليات جديدة لاستكمال الثورة وأهدافها. حتى الآن وبعد عامين من الثورة لا تبدو المعارضة قادرة على أن تطرح نفسها بديلا لنظام الإخوان رغم ان حجم الاخفاقات والتعثرات التي وقع فيها النظام الحاكم يفترض أن تصب في مصلحة خصومه ولكن ذلك لم يحدث، بل إن غضب قطاعات كبيرة من المواطنين وحنقهم على الإخوان بسبب فشلهم الواضح حتى الآن في تلبية تطلعات الشارع، لم يتحول تأييدا أو تعاطفا مع قوى المعارضة أو إنتصارا لرؤيتها كما كان متوقعا أو مأمولا، بل إن هؤلاء المواطنين الغاضبين ولوا وجوههم قبل المؤسسة العسكرية والجيش كبديل يمكن أن يثقوا فيه ويطمئنوا اليه وكان ذلك واضحا في مطالبات البعض للجيش بالتدخل او بعض الخطوات الرمزية التي تمثلت في توقيع توكيلات لوزير الدفاع الفريق عبد الفتاح السيسي لإدارة شؤون البلاد. ومن هنا فإن هذا الأمر كما كان مؤشرا على تعثر أداء الإخوان فإنه كان بالقدر نفسه كاشفا عن الفجوة الواضحة بين المعارضة والشارع وهذا ما ينبغي أن تتنبه إليه الآن وليس غدا.أما المسألة الثانية فهي أن المعارضة ليست وحدها التي تحتاج لتطمينات، بل إن إلاخوان ربما يكونون أكثر حاجة لمن يطمئنهم من خصومهم السياسيين لا سيما مع تعالي أصوات البعض من خصوم الإخوان والرئيس الذين ينطلقون في خلافهم مع الجماعة من منطلقات عدائية وإقصائية تنكر على الأخوان حقهم في الوجود إصلا. وحين تستمع لهتافات أو دعوات تطالب باعادة قيادات الاخوان وكوادرهم للسجون والمعتقلات، وحين تتحول الخصومة السياسية إلى معارك ثأرية محملة بكل مرارات وثارات الماضي، يكون السؤال حيئذ من الذي يبنغي أن يطمئن الآخر؟ وحين يتحول العجز عن منافسة الإخوان سياسيا والانتصار عليهم عبر القواعد السياسية الديمقراطية، إلى دعوات لمحاكمتهم وإستئصالهم، فإن أحدا لا يستطيع أن يلوم الاخوان والنظام الحاكم في مصر الآن إذا ما لجأ إلى كل الوسائل المشروعة وحتى غير المشروعة للبقاء في السلطة والتشبث بها حتى الرمق الأخير، لأنه ببساطة إذا كان البديل لمغادرة السلطة هو المعتقل مرة آخرى كما يدعو البعض، فإن ذلك ستكون دونه مقاومة بل ودماء. ولعل هذا ما يفسر حديث بعض قيادات الإخوان عن استعدادهم لتقديم الاف الشهداء والارواح دفاعا عن الشرعية، الشرعية في هذه الحالة ليس المقصود بها الرئيس المنتخب فحسب، بل المقصود هنا هو وجود الجماعة ومشروعها بالأساس . إن هذه الحالة تطرح سؤالا حول من يطمئن من في هذا المشهد المأزوم، هل على الإخوان أن يطمئنوا خصومهم بأحترام قواعد اللعبة الديمقراطية وعدم إبتلاع الدولة؟ أم أنه يتعين على خصوم الإخوان ولا سيما المتشددين منهم الكف عن حديث المعتقلات والملاحقة والمحاكمة للجماعة والرئيس، وما تثيره هذه اللغة في نفوس الأخوان وانصارهم من غضب عارم يغذيه خوف وتوجس من المستقبل؟ في ظني أن كلا الطرفين مطالب في هذه اللحظة بأن يطمئن الآخر بأن في سفينة الوطن متسعا للجميع وأن أيا من الطرفين لن يستطيع أن يسحق الآخر أو أن ينفيه من المشهد، فلا الإخوان مهما بلغت قوتهم وتنظيمهم قادرون على إبتلاع وطن بحجم مصر وتنوعها ولا خصومهم وحتى كارهيهم لن يستيقظوا ذات صباح ليجدوا الإخوان قد اختفوا من الوجود.. فالاخوان فصيل أساسي وهو جزء من نسيج هذا الوطن لهم ما لهم وعليهم ما عليهم وسيبقون رقما مهما في معادلته السياسية، لكن مستقبلهم يبقى رهنا بطريقة تعاطيهم مع مكونات الوطن وبمدى قدرتهم على الخروج من ضيق التنظيم والجماعة إلى رحابة الوطن كله. وأعتقد أن من أبدع ما قيل في هذا الصدد كان على لسان أحد كوادر الإخوان السابقين حين قال إن أمام الإخوان خيارين إما ان يكونوا ملحا يذوب في نسيج هذا الوطن فيعطيه مذاقه ونكهته، أو أن يكونوا زيتا يتحول بقعة طافية على سطح الوطن لكنها ستبقى معزولة ومحدودة التأثير لأن مصر أكبر من أي جماعة أو تنظيم.من هنا لا مفر من التعايش بين الطرفين مهما كانت الصعوبات والعقبات السياسية والنفسية وأن يتقبل كلاهما الآخر كما هو، وعوضا عن أن يسعى لتغييره أو سلخه عن جلده السياسي والفكري،عليه أن يسعى لمنازلته وهزيمته في شارع السياسة وعبر قواعد ديمقراطية عادلة لابد من الإتفاق والتوافق عليها، فهذه هي الوسيلة الوحيدة لكي يعيد كل طرف النظر في قناعاته ويراجع حساباته وخياراته وصولا إلى قواعد وقواسم للعيش المشترك بين أبناء الوطن حتى لا تغرق السفينة بالجميع.’ كاتب وصحافي مصريqmdqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية