سيزيف العربي أو المسـألـة الاجتماعية المؤبدة

حجم الخط
0

مالك التريكيفارق السياق كبير بين دورة المنتدى الاجتماعي العالمي التي تختتم السبت في تونس وبين دورته الأخيرة التي عقدت في داكار في شباط (فبراير) 2011، بعد أسابيع فقط من انتصار الثورة الشعبية في تونس ومصر. عامئذ كان البرازيلي لولا داسيلفا في داكار، بعد أن أنهى للتو سنواته الدستورية الثماني رئيسا محترما ومحبوبا أكثر من ذي قبل، بينما كان بن علي ومبارك قد أنهيا للتو، مكرهين صاغرين، أحقابا متطاولة من ‘الملك العضوض’ والحكم السفيه. ولهذا أعلن لولا داسيلفا آنذاك أن ‘الآمال في انبثاق عالم جديد’ لم يتم إحياؤها في أمريكا اللاتينية فحسب، بل ‘وعلى وجه الخصوص في شوارع تونس والقاهرة’. وهكذا عقد منتدى 2011 على وقع الثورة العربية، حتى أن الباعة المتجولين في السنغال أعلنوا محمد البوعزيزي عضوا شرفيا في جمعيتهم! وحتى أن الإجماع قد حصل رأسا على وجوب عقد المنتدى التالي في تونس.ولكن فارق السياق بين المنتديين كبير. فقد كان للثورة العربية قبل عامين دور مركزي في إحياء الأمل لدى مناضلي حركة العولمة البديلة (التي كانت قد أطلقت المنتدى الاجتماعي العالمي عام 2001 في بورتو ألغري ردا على منتدى دافوس الاقتصادي وضدا له) في قدرة شعوب بلدان الجنوب على تقرير مصيرها بالإرادة الحرة وعلى كسر الدوامة الجهنمية التي فرضتها الإيديولوجيا النيوليبرالية: دوامة الرأسمالية المتوحشة والعولمة الافتراسية. دوامة التواطؤ بين دكتاتورية دوائر الاستثمار العالمي ودكتاتورية عصابات النهب المحلي التي تسمى، خطأ، أنظمة وحكومات.أما منتدى هذا العام فإنه يعقد في سياق من شحوب الأمل. إذ رغم سقوط مئات من الشهداء ورغم تضحيات مئات الآلاف من الشباب والفتيات وعذاباتهم في ثورة كان الظن أنها مبتدأ الكرامة الاقتصادية والحرية السياسية، فإن شعبي تونس ومصر يجدان نفسيهما اليوم محكوما عليهما بمعاودة الكفاح من أجل أبسط الحقوق التي كافحت من أجلها الحركة الوطنية والحركة النقابية في البلدين أوائل القرن العشرين! كان الظن أن الثورة قد دشنت مسار بناء الديمقراطية الليبرالية الضامنة للحريات والديمقراطية الاجتماعية الساهرة على التوازن في توزيع الثروة، فإذا بالشعبين يكتشفان أنه محكوم عليهما بالشقاء الإعاديّ المؤبد: شقاء سيزيف يبدأ كل يوم من الصفر، دافعا بشق النفس، طيلة العمر، صخرة العذابات والنضالات ذاتها التي كان يدفعها الآباء والأجداد. وتختزل حكم الشقاء المؤبد هذا قضيتان. الأولى أن ‘المسألة الاجتماعية’ لا تزال جاثمة على صدر معظم الشعوب العربية. أي أن الفقر، والبطالة، واستغلال الفئات الكادحة، وتهميش المرأة (خصوصا في الأرياف)، وتدهور القدرة الشرائيةô كلها عناصر ثابتة في بؤس بروليتاري دائم متفاقم. أما الثانية فهي أن عامة المواطنين قد صاروا في خوف من فقد ما كانت الأجيال السابقة مطمئنة به وعليه: فقد الدولة التي يرونها كل يوم تترنح تحت هجمات جحافل ‘النيو-همج’ التي صارت هي صاحبة امتياز ‘احتكار العنف’! أصبحت الدولة مهددة بالسقوط الفعلي، وأصبح سيزيف العربي فزعا من كابوس الارتكاس إلى ‘حرب الكل على الكل’. بحيث أن أفقه اليوم في انسداد: أقصى ما يأمله هو أن تظل لديه ‘دولة قابلة للبقاء’. مجرد دولة حائلة، ولو شكلا، دون تفتت البلاد.qraqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية