عمان- ‘القدس العربي’ ـ من سميرة عوض: أن تجلس مع الفنانة سامية طقطق الزرو، فأنت تحتاج لساعات عددها أكبر من ساعات اليوم الواحد، فتجربتها على امتداد زهاء 60 عاما من الفن والتعليم والتجريب في سائر الفنون التشكيلية الإبداعية، يأخذك لمسارات متشعبة، وتستمع لأحاديث مساندة في تجربتها، فضلا عن رؤاها الخاصة في مجال الفن والتعليم، مما لا يتسع المجال لذكره. ومناسبة اللقاء الصباحي في بيتها/ محترفها تكريمها مؤخرا في دولة البحرين، فضلا عن مبادرة تكريمها في العاصمة الأردنية من خلال منتدى الرواد الكبار.من جهتها أشادت الزرو بمبادرة ‘تكريم’ التي حصلت عليها مؤخرا، في حفل أقيم في دولة البحرين، وهي مبادرة أبصرت النور لتكون كما أرادها مؤسّسها، الإعلامي ريكاردو كرم، شعلةً للإبداع والتميّز تلهم بنارها ونورها الشباب العربي جيلاً بعد جيل وتساهم في إبراز التميّز والريادة العربية في مختلف المجالات للعالم بأسره’، مثنية على مبادرة الإعلامي ريكاردو ‘حيث حرص على البحث عمن يكرم، وهذه مبادرة لتكريم نساء ورجال من العالم العربي- شيء يشبه نوبل ولكن بنسخة عربية- ونجح كثيرا إذ عبرت الجائزة عن نواحي الإبداع المتعددة، وأتمنى أن تجد هذه المبادرة الدعم كونها تضع العالم العربي وتبرز طاقاته الإبداعية على المستوى العالمي، أتمنى الدعم من الدول والمؤسسات والأفراد’، وما أثار إعجابي تقول الزرو- هو تصفيق جمهور الجائزة والذي زاد عن 2000 شخص، ووقوفه لكل مكرم، وهذا تكريم بحد ذاته، كزنها تتحمل مجهود مالي وفكري/ كما أشيد بلجان التحكيم التي بذلت جهودها على مدار عام للبحث وصولا إلى الأسماء النهائية المكرمة’. وكان منتدى الرواد الكبار أقام حفل تكريمي بمناسبة يوم المرأة العالمي احتفالا خاصا، تضمن تكريما للفنانة التشكيلية سامية الزرو، على مجمل عطائها التشكيلي المتميز، برعاية صديقة المبدعين ليلى شرف، وبمشاركة رئيسة المنتدى هيفاء البشير، الناقد التشكيلي حسين نشوان،الذي يرى في ورقة بحثية له أن الزرو ‘تستمد موضوعاتها الفنية من المحيط البصري، والمشاهدات اليومية والأحداث الراهنة، ومخزون الذاكرة’.الزرو التي قدمت ورقة بعنوان ‘تجربتي’، بمثابة شهادة قدمتها عن تجربتها، ترى ‘أن على الفنانين والمفكرين أن يتجاوزا النمط التقليدي في الإبداع نحو كل ما هو جديد، لنربي جيل يخترق السائد، والجيل يتربى عندما يسمع ويرى’.من جهتها قالت الزرو: ‘أذكر بالخير دائما منتدى الرواد الكبار الذي يتعامل زمنيا مع كل الأحداث المتعلقة بالرواد من رجال ونساء’. كما أشادت بمبادرة ‘تكريم’ التي حصلت عليها مؤخرا، في حفل أقيم في دولة البحرين، وهي مبادرة أبصرت النور لتكون كما أرادها مؤسّسها، الإعلامي ريكاردو كرم، شعلةً للإبداع والتميّز تلهم بنارها ونورها الشباب العربي جيلاً بعد جيل وتساهم في إبراز التميّز والريادة العربية في مختلف المجالات للعالم بأسره’.وترى الزرو أن ‘الإبداع موجود عند كل إنسان، لكنه بحاجة لتحفيزه، الإنسان القديم يخاف من الحيوانات لكنه أبدع في رسمها على جدران الكهوف، لذلك الحالات اليومية والمواقف السياسية والثورات، مثل الجوع والفقر والموت تعطي مخزون للتغيير وتحتاج لتفجير هذه الطاقة في المسرح في الشعر في الأدب، أومن أن الفنون والآداب تسجل تاريخ الشعوب’.وتعتقد الزرو أننا ‘نحتاج إلى اختراق الحواجز في المدارس الموجودة فقط لنعلم الطلاب لتحصيل علامات، علينا أن نخترق الحاجز حتى يبدع علميا، من خلال إفساح التعبير عن نفسه.وتستذكر: سأل احد المفتشين الأجانب مديرة مدرسة البكالوريا الدولية -عندما كنت ادرس فيها- عن سر تحصيل طلبتي لعلامة (أ)، فكان جوابي الاستنكاري، ببساطة : ‘أنا اجلس معهم، استمع لهم، أتناقش معهم، وأحبهم بصدق’.وتزيد الزرو: ‘لدي قناعة وأنا عملت منسقة تعليم فنون، أن تعليم الفنون يترك المجال للتعلم، ويحلم ثم يعبر.. إذا قدمت له التقنيات، نحن بحاجة لدعم مدرس الفنون وإفساح المجال لمكانة الفنون واحترام مساقات الفن، وهذه مسؤولية ملحة لوجود الإبداع، عند المدارس والطفل، إذ لا تقتصر حصص الفن على التعبير بل تأخذه إلى العالم والشعور وتؤدي إلى اكتفاء حاجاته من النواحي كافة’.وطالبت الزرو وزارة التربية والتعليم بضرورة ‘تأهيل معلمين مبدعين بعيدا عن التلقين، الطفل بحاجة لاستعمال اللون، بحاجة للعلب بالطين، بحاجة لاكتشاف إمكانيات الخامات المختلفة، وبحاجة لتأكيد وجوده فكما قال ديكارت ‘أنا أفكر إذن أنا موجود’، أنا أقول ‘أنا اعبر أنا موجود’. وتزيد: ‘الإبداع موجود عند كل إنسان، وأنا أقول لا يمكن أن يوجد إنسان لا يمكنه التعبير، إذ يولد الإنسان بصيحة، وهي إنذار بالتعبير، وإذا لم يصيح فهو غير موجود. لماذا يثور السياسيون عندما يصيح الشعب؟ الصيحة نداء.. والنداء يحتاج إلى جواب… وليس إلى صدى..’.وترى الزرو أن الجمال حولنا في كل شيء ‘من أكوام القمامة إلى أحدث التصاميم المرهفة، فنحن نجول بعيوننا في عالم مليء بكل شيء، فنرى ونسمع ونعبر’، ذاهبة للقول: ‘أفضل مواد لتعلم الفن هي الفضلات عندما توظف لهدف فني، تبدأ بفضلات الألوان في العمارات بعد البناء، وفضلات القماش، وأي فضلات يجدها الطفل من حوله، خشب.. ورق .. حديد.. يمكن للطفل ان ينتج أحسن لوحة لو عرف المدرس الآلية المناسبة، في شحذ الإبداع والتشويق المناسب، فالمعلم أصلا إنسان، ونرجع إلى العمق في التفكير فان كل إنسان مبدع ابتداء من تلبية حاجات البيئة والنفس’.وأضافت الزرو: ‘علينا نحن جيلنا الحالي- أن نجهز الجيل القادم ليتمتع بحس مرهف، لان كثافة وجود التكنولوجيات طغت على الحس والإحساس معا، ولا أريد أن أتشاءم وأقول أن الأجيال القادمة تظهر علاماتها من الآلات التي تتحكم بنا، تحكمنا من كل النواحي، خاصة الاقتصادية، وتغفل إبداعنا، وتطغى على إحساسنا’.تكريم الزرو ومعرض ‘المرأة المبدعة’وبرعاية ليلى شرف، أقام منتدى الرواد الكبار بمناسبة يوم المرأة العالمي احتفالا خاصا، تضمن تكريما للفنانة التشكيلية سامية الزرو، على مجمل عطائها التشكيلي المتميز، بمشاركة رئيسة المنتدى هيفاء البشير، والناقد التشكيلي حسين نشوان، كما قدمت الفنانة الزرو شهادة بعنوان ‘تجربتي’، وعرض (سي دي) لبعض أعمال الفنانة، إضافة إلى إقامة معرض تشكيلي جماعي لنخبة من التشكيليات الأردنيات بعنوان ‘المرأة مبدعة’ بالتعاون مع رابطة الفنانين التشكيلين. شارك فيه (34) فنانة، وهن: سامية طقطق الزرو، تمام الأكحل،عبير ضمرة، أروى قطان، كلارا ميتزهاكوبيان، أروى قطان، ماجدة البشيتي، رنا أبو شوشة، فرناز البطيخي، دلال يوسف، أنيسة أحمد، مها المحيسن، مها خوري،مها شاهين، هالة الناظر، سحر قمحاوي،.هند أبو الشعر، هيام البيطار، هيام رمزي، أسيل عزيزية، منال النشاش، فايدة ماتوخ، فادية عابودي، ، بسمة النمري، رنا حتاملة، خلود ابو حجلة، هبة إبراهيم باقر الشيخ، مريم أبو زيد، يلانيا دافيدوفا، ياسمين أبو زيد، ونور العزام’. وجالت راعية الحفل شرف، والفنانات وعدد كبير من الجمهور المعرض الذي تلا الحفل التكريمي للتشكيلية سامية الزرو، والتي شاركت بمجموعة من أعمالها في المعرض.وجاءت أعمال المعرض متنوعة، فهناك عمل مجسم من الحديد للفنانة والنحاتة سامية الزرو، ويمثل إمرأة، فضلا عن مشاركتها في عدد من الأعمال التي تحاكي القدس، والتي تضمنت قطعا من المطرزات الفلسطينية، كما تنوعت أعمال الفنانات بين الزيت على القماش وعلى الكانفاس، والحبر الصيني، والأكريلك، والمائي، والخزف كما في اعمال منال النشاش.من جهة أخرى تنوعت المواضيع التي تناولتها الفنانات المشاركات، فمن الرسم الواقعي، إلى رسم الطبيعة، إلى البورتريه، إلى المكان، إلى التجريدي، مما أغنى المشاركة ومنحها صبغة تمثيلية تكشف عن فرادة كل من المشاركات ومنهن الفنانة المحترفة، ومنهن الهاوية، وكلهن أسهمن في التركيز على إنتاج الفنانة الأردنية مقدمات إضاءات جميلة متنوعة.وجالت راعية الحفل شرف، برفقة الفنانات المشاركات، وعدد كبير من الجمهور المعرض الذي تلاه حفل تكريمي للتشكيلية سامية الزرو، والتي شاركت بمجموعة من أعمالها في المعرض، وتسلمت من راعية الحفل شهادة تقديرية على مجمل عطائها التشكيلي المتميز. نشوان: الزرو .. رؤية ما وراء العمل الفنيوبعنوان ‘أعمال الفنانة سامية الزرو..رؤية ما وراء العمل الفني’قدم الناقد الزميل حسين ورقته، رأى فيها أن ‘التشكيلية سامية الزرو تستمد موضوعاتها الفنية من المحيط البصري، والمشاهدات اليومية، والأحداث الراهنة، ومخزون الذاكرة، إلا أن أعمالها لا تشكل نقلا ميكانيكيا للواقع، أو إسقاطا مباشرا للمرئيات، وإنما تمثل خلاصة لمئات الالتقاطات التي تعيد الذاكرة إنتاجها بمقاربات مع أماكن وأزمنة متنوعة ومختلفة لتفسير الواقع، لتبدو اللوحة جملة من التشابكات الفنية التي تحقق الوعي الثقافي والجمالي’.البحث عن لغة وهويةويرى نشوان أن ‘الفنانة التي عانت حياة الاغتراب والشتات تسعى إلى توظيف العناصر التي تؤكد هويتها من خلال ربط الرمز بالمتخيل، سواء اكان ذلك من خلال الحرف العربي والكتابة، أو من خلال الشعارات والمقولات الدارجة على ما سار عليه الفن الشعبي، وتستمد الفنانة الزرو ‘المشاهد من مخزونها الذاتي لما عاشته في بلدها فلسطين وكذلك من الوجدان الشعبي العام، وشريط الذاكرة المدمج بأزمنتة وأمكنة المتداخلة جراء التنقل بين بلدان مختلفة’. وهو يتصل بذائقة ووجدان لا ينفصلان عن المرحلة التاريخية لنوع الثقافة التي تشبّع بها الإنسان العربي من خلال الحكايات والسرديات التراثية، ومضارعها البصري في الرسومات الشعبية التي صاغها الفنان الشعبي ووجدانه، للاماكن المقدسة، والأبطال، أمثال: عنترة بن شداد، والمهلهل، كان اشتغلها فنانون فطريون، أمثال: ابو صبحي التيناوي. مؤكدا ‘أن الفنانة لا تقتفي اثر ذلك’، وإنما تعيد إنتاج الوعي الشعبي باللحظة الزمنية الراهنة بالمزج بين المنجز التراثي البصري، والمعطى المعاصر، لتحقيق التفاعل بين الوعي، والرؤية الجمالية التي تقترحها لدور الفن ووظيفته عبر تداخل الموضوعات والمضامين والتقنيات والأساليب وفق عدد من الخطوط التي وفرت لها إبراز ملامح هويتها الفنية، وتميزها.جماليات المكانولم يختلف اشتغال الفنانة الزرو على المكان والإنسان إن كان لجهة التقنية والأسلوب، أو التناصصات الكلاجية كما قال نشوان- ففي أعمالها عن مدينة القدس التي ظهرت في وقت مبكر، تناولت الفنانة المأساة التي حلت ببيت المقدس وأهله، مظهرة جماليات المدينة، ومعمارها وهندستها وزخارفها وألوانها، وفق أسلوبية تزيينية وزخرفية، تفيد من الحروفية بصفتها الجمالية كمنجز حضاري يعبر عن الهوية الثقافية، والتحريضية. وقد أضافت الفنانة إلى الألوان مفردات كولاجية من أزياء ورموز شعبية قباب لتعبر عن خصوصية اللوحة ومرجعياتها، لتوكيد العلاقة الرمزية والدلالية بين المفردات والمكان وأثر الإنسان وحضوره لإضفاء البعد الشعبي على اللوحة.وخلص نشوان على القول: ‘الفنانة سامية الزرو ترى أن العمل الفني يظل محكوما في إطاري: الزمني، والروحي الوجداني، وهما اللذان يحددان أسلوبية العمل وتقنياته، ويعي بتحولات عناصرها تغيرات الأشياء وخرابها، وحياتها وموتها’.سامية الزرو: تجربتي.. لا أزال أحاول بلورتهامن جهتها قدمت الفنانة الزرو ما أسمتها ‘خاطرة’ بمناسبة تكريمها، قالت فيها: ‘التعبير هو حق الإنسان لتأكيد وجوده… الإنسان ينظر حوله… تلتقط عيناه صورا مختلفة للأشياء.. سماء.. مخلوقات… جبال… سهول.. بحار… أمواج وانهار.. ويسمع أصوات الرياح والعواصف وهدير المياه.. ثم السكون!.. حوله ألوان وملامس وخطوط وأشكال وكتل! عالم ساحر وكون غامض وإنسان موجود لأنه يلاحظ، يشعر ويفكر وعقله يستوعب مؤثرات الرؤيا ويخزنها في الذاكرة… بانتظار لحظة تفجير تلك الطاقة الكامنة والمفعمة بالأحاسيس في ومضة من الزمن.يدخل الفنان في حالة توق للتعبير… يرقص.. يغني.. يضحك.. يبكي.. يحزن ويفرح.. كلها حالات لها لون وملمس ومذاق.. لها أبعاد واتجاهات.. لها وزن وكثافة ومشاعر متدفقة تتفاعل حسب رغبة ذلك الإنسان… تلك هي قمة الاستجابة. فمن أجل كل ذاك تقحمنا الفنون… لوحات رسومات ومنحوتات… مسرحيات، موسيقى، شعر.. ونصوص أدبية.جميعها نقلت لنا حضارات وتاريخ الشعوب والأثر الفني المتواصل دوما… وهكذا بدأت تجربتي بالبحث والتجريب المتواصل في ما يمده المكان من إيحاءات وما تفرزه المواقف من قضايا كونية وإنسانية واعتبارها حراك يحتاج إلى تفجير ومجابهة مع مواد وخامات تؤكد الهدف الانفعالي الذي يحرك المشاعر وبعيدا عن الاقتباس من تجارب وإنجازات الآخرين، بل رؤيا لواقع يعيشه الفنان ضمن عناصر فنية مدروسة تخدم الفن، وبعيدة عن فن الملصقات والأعمال التزينية الفنية، فالعمل الفني هو قضية ومحور التواصل لتأكيد وجود الإنسان الفنان في مكان على خارطة العالم، وهذا محور تجربتي التي لا أزال أحاول بلورتها وامتدادها وتفاعلها مع الحراك الفني ورسالة الفن للجميع والابتعاد عن مسارات جنسوية، فالعمل الفني ليس له جنس ويثبت تميزه الإبداعي، واليوم نحتفل بيوم المرأة لتأكيد الاعتزاز بالمرأة وإبداعها وتميزها كشريكة في المسيرة الإبداعية.qadqpt