فورين أفيرز: في الذكرى الأربعين لـ”الثورة الإسلامية”.. قلق في جمهورية “الملالي”

إبراهم درويش
حجم الخط
0

لندن ـ “القدس العربي”:

في مقال تحت عنوان “الفجوة الجيلية الإيرانية الأخرى، بعد أربعين عاما” كتبت نرجس باجوغلي، المحاضرة في جامعة هوبكنز ومؤلفة كتاب سيصدر قريبا عن جامعة ستانفورد “إعادة تأطير إيران: قلق السلطة في الجمهورية الإسلامية” مقالا في مجلة “فورين أفيرز” عن التحولات الجارية بين جيل شاب صدامي في نظرته وجيل آخر عاش الثورة ويريد تغييرها وتعديل مسارها.

ونقلت في البداية مشهدا من وحدة إنتاج أفلام تابعة لشرطة “الباسيج” حيث كانت تبحث في الإنتاج الثقافي للمنظمات العسكرية والميليشياوية في الجمهورية الإسلامية ووافق الشباب الذين يعملون في وحدة الأفلام الحديث معها ولكن بشرط عدم ذكر أسمائهم كاملة. وتحدثت مع علي، 20 عاما وهو منتج أفلام، مع زميل له اسمه مصطفى. وجاء علي إلى الغرفة الصغيرة حاملا جهاز الكمبيوتر الشخصي حيث كان يعمل على لقطة من شبكة “سي أن أن” الأمريكية والتي وجدها في أثناء توقيع الإتفاقية النووية عام 2015 وتشير اللقطة إلى أن الحرس الثوري والباسيج هما منظمتان قويتان في إيران وأنهما قوتان متماسكتان ورجالها صارمون بلحى طويلة يستمعون للمرشد آية الله علي خامنئي. وعلق علي:”من المضحك كيف يقوم الغرب بتصويرنا ويظهرون أن القائد (خامنئي) يقول شيئا ثم ننفذ ما يقول”، وواصل ضاحكا ” هل يعمل أي شيء في إيران بسلاسة؟ يجب أن يأتوا إلى هنا ليروا الفوضى في كل شيء من اقتصادنا إلى إشارات الطرق وثقافة عملنا”.

وفي مكان آخر من العاصمة وبعد أسبوع من مراقبة فريق انتاج لقادة في الحرس الثوري موكلين بالإعلام حيث كان الرجال في الخسمينات من عمرهم وكانوا ثوريين متحمسين في العقد الأول من الثورة الإيرانية إلا أنهم اليوم يريدون التغيير وتعديل النظام وتخفيف القيود الإجتماعية والثقافية وفتح النظام السياسي لتنافس أكبر. وهم غير متفقين حول الكيفية لعمل هذا.

وما اتفقوا عليه هو بناء جمهور أوسع لمنتجهم الإعلامي وأن على الباسيج مثل علي ومصطفى التوقف عن انتاج أفلام ايديولوجية لا تهم إلا قطاعا صغيرا من الناس.

وقال الجنرال علي رضا إن شباب الباسيج “هم مشكلتنا الحقيقية” و “لا ينظرون للأمور إلا من خلال الأبيض والأسود ويقومون بدق أسفين كبير بيننا والمجتمع”.

علق علي: “من المضحك كيف يقوم الغرب بتصويرنا ويظهرون أن القائد (خامنئي) يقول شيئا ثم ننفذ ما يقول”، وواصل ضاحكا ” هل يعمل أي شيء في إيران بسلاسة؟ يجب أن يأتوا إلى هنا ليروا الفوضى في كل شيء من اقتصادنا إلى إشارات الطرق وثقافة عملنا”.

وأضاف جواد، الكابتن في الحرس الثوري إن “غرورهم يعتبر سما لنا”. وفي إشارة للحرب مع العراق التي استمرت ثمانية أعوام قال “لن يصمدوا ولا يوما واحدا في الخنادق”. وتقول الباحثة إنها قضت عشرة أعوام تبحث في الإنتاج الإعلامي للحرس الثوري والباسيح وأنصار حزب الله لتكتشف عالما يخوض فيه الرجال المرتبطين بالقوات المسلحة للبلاد نقاشات حادة حول مستقبل البلاد وفي الوقت نفسه كانوا يتنافسون على الموارد المتوفرة. وتقول إن المؤسسات التي درستها ليست متجانسة وليست أيديولوجية بالكامل في نظرتها للعالم. فمجمل الإنتاج الذي انتجته وحدات الإعلام في هذه المؤسسات لم يتركز في جله على الجمهورية الإسلامية ولا الأيديولوجيا التي قامت عليها أو انحصر في الدين والسياسة الإسلامية، بل كان متنوعا وعادة ما ركز على الطبقة والخلافات الجيلية والحراك الاجتماعي. وهو ما قادها لمساءلة ليس الصور الموجودة لهؤلاء الرجال ولكن الإطار السائد الذي يستخدم في التحليل عندما يتعلق الأمر بفهم الجمهورية الإسلامية. فمنذ عام 1979 عندما اجتاحت الثورة البلاد مع أن جيمي كارتر شرب قبل نخب بلدة يعتبر “واحة استقرار” وصناع السياسة الأمريكيين يحاولون فهم الاضطرابات التي حدثت في البلاد والنزعة المعادية للإمبريالية التي بدت بمطالب الإيرانيين الاستقلال عن واشنطن. ووصف الإعلام الامريكي المجتمع الإيراني بـ المسكون بالجنون” والإيرانيين بالسكان الذي أعماهم التعصب الديني والبحث عن “الشهادة” وبأي ثمن. وربما أجابت تفسيرات كهذه على الحاجة الماسة لفهم وبعبارات بسيطة ما حدث في إيران وتقويض الثورة الإيرانية وزعيمها المتقدم في العمر. وتقول الكاتبة أن من نظر إلى السياسة الإيرانية وعبر العقود الأربعة الماضية من خلال عدسة الإسلام فقد تجاوزوا الحراك الاجتماعي المهم الذي قام عليه النظام.

وتساءلت ماذا سيحدث لو قمنا بإعادة تأطير التحليل للسياسة الإيرانية من نقطة أفضل والتركيز على موقف من يعملون من داخل النظام الإيراني ويدعمون أهداف ثورة عام 1979؟ ولو كانت السياسة، وماذا لو فشلت البحث وتحليل السياسات في فهم تعقيدات الجمهورية الإسلامية، وما يمكن الحصول عليه من المدخل الذي يؤكد على استكشاف عالم ومواقف من يدعمون الثورة بناء على رؤيتهم؟ وتقول إن أسئلة كهذه قادتها لمحاولة فهم الطريقة التي تعمل فيها الجمهورية الإسلامية الحفاظ على الثورة “حية” وكيف تقوم بالضرورة التواصل ونشر مبادئها. وما توصلت إليه الكاتبة عندما ركزت على هذه النقطة هو أن التنافس في الجمهورية الإسلامية ليس بين النظام والشعب ولا بين الحرس القديم والجيل الشاب الغاضب ولكن داخل النظام نفسه الذي لا يعرف وجهة أو طبيعة المستقبل المثالي للبلاد. وفي هذا السياق تشير إلى التغيرات الجيلية داخل الباسيج نفسه. وتشير للقاء شابه التوتر بين رضا، المسؤول في الحرس الثوري ومجموعة من طلاب السينما في الباسيج، وهو لقاء شابه التوتر خاصة أن رضا أكد لهم على أهمية متابعة وطرق موضوعات تمس كل المجتمع الإيراني خاصة تلك القطاعات التي تشعر بالحرمان والخيبة. وأشار رضا لأحداث عام 2009 والتي شهدت أكبر احتجاجات تواجهها الحكومة الإيرانية منذ عام 1979 وشارك فيها شباب من المدن والحواضر الذين احتجوا على ما رأوه تزويرا في الانتخابات. وخلقت التظاهرات التي عرفت بالحركة الخضراء أزمة شرعية للنخبة الحاكمة. ومن أجل إيصال الرسالة لذلك الجزء من السكان الذي احتج أو تعاطف مع الاحتجاجات دعاهم رضا للتركيز على محتوى/ رسالة قومية تؤكد على الوحدة والتقليل من الرسالة الدينية. ولكن زعيما للطلاب وقف وأشار بأصبعه لرضا غاضبا وقال “ربما كان جيلك متعبا من المواجهة أما نحن فلا”. وعندما غادر رضا المكان التفت إلى الكاتبة وقال “شباب الباسيج هؤلاء لا يعرفون أن ابتعادنا عن الناس هو الذي أدى بنا لهذه الفوضى. فنحن بحاجة للتواصل ومع الطرف الآخر الذي يحتج ضدنا لا تنفيره كما يريد هؤلاء الأولاد. وهل ترفعين ما مشكلة هؤلاء الأولاد؟ إنهم لا يعرفون شعور من يكون مهمشا في المجتمع، وهم لا يتذكرون لأنهم ولدوا بعد الثورة، وكل ما عرفوه هو نظام سيطرنا عليه”. كما أن قادة قوات الجمهورية الإسلامية يواجهون رهانا أكبر من مجرد الدفاع عن النظام السياسي. فهؤلاء الرجال وعائلاتهم لم يكونوا محل احترام في المجتمع الإيراني قبل عام 1979، ذلك أن شاه إيران همش العائلات الدينية فيما نظرت النخبة المثقفة في ذلك الوقت نظرة دونية. ومنحت ولادة الجمهورية الإسلامية طبقات ينتمي إليها رضا وغيره من العائلات المتدنية حسا بالهدف والإحترام في المجتمع الإيراني. و “طالما سمعتهم يتساءلون بقلق إن كانت الظروف في مجتمعهم ستتغير فهل كانوا سيدفعون نحو الهامش مرة أخرى”. ومضى رضا قائلا: “لا يعرف الجيل الشاب من الباسيج إنه لو نكن حريصين على هذه الثورة فإننا كنا سنهبط إلى الهامش وهم لا يعرفون كيف تتغير الأمور بسرعة”.

وينظر جيل رضا إلى الجيل الشاب من الباسيج على أنهم انتهازيون وضعاف لم يمروا بامتحان الحرب. وتقول الكاتبة إن المنظمات شبه العسكرية مثل الباسيج، كانت الجهة الأكثر تجنيدا والتي قامت بإرسال الكم الأكبر من المقاتلين لجبهات الحرب مع العراق. وعندما انتهت الحرب عام 1988 وجدت النخبة السياسية للبحث عن طرق للتعامل مع هذه المؤسسات. ووجد المرشد الروحي طريقة لنشرهم ومواجهة الغرب في أساليب “الحرب الناعمة” ومراقبة النشاطات المعادية للنظام. ولأن الباسيج مصممة لهذه الأهداف ومؤطرة باعتبارها أن كل السكان هم هدف فإن الطريقة الأيديولوجية التي يدربون بها هي ما يعارضها الجيل القديم من الحرس الثوري.. وقال مهدي، المحارب السابق وصانع الأفلام “الشبه الوحيدة بين باسيج اليوم وباسيج الحرب هي أننا نشترك في نفس اسم المنظمة. فمن هم في الباسيج اليوم فظيعون”. وأضاف: “يؤلمني أن ينظر الناس للباسيج بطريقة سلبية” وقال:” لقد وجدنا لهدف مختلف في بداية الثورة ولحماية البلد ضد الغزو العراقي لا للحصول على وظيفة والدخول في الجامعة مثل باسيج اليوم أو لضرب ابناء شعبنا باسم الله. وأبناء الباسيج اليوم هم انتهازيون”. ومع أن رضا وزملاءه انضموا إلى الباسيج في شبابهم في السنوات الأولى للثورة فإن الكاتبة تقول إنها لم تقابل واحدا من الحرس القديم يريد أن يرسل أبناءه إلى الباسيج. وقال أحدهم “لا يوجد سبب يدعو إلى مشاركتهم، ولا أريد أن يعيش أبنائي في ذلك المناخ” وبدلا من ذلك يرسلون أبناءهم للدراسة في أوروبا. وإرسال أبنائهم إلى الباسيج هو بمثابة خطوة للنزول في المستوى الاجتماعي. وفي المقابل فالجيل الجديد من الباسيج مثل علي ومصطفى يشعرون أن الثورة انحرفت لأن الجيل القديم نسي قيمها. وينحدر علي ومصطفى ومن معهما من عائلات تقية هاجرت من الأرياف إلى العاصمة طهران. وعندما كان مصطفى في المدرسة الثانوية وأحب أن يصبح مخرجا وفر له الباسيج ما يريد وهو ما لم تكن عائلته قادرة على شرائه. وبعد تخرجه من مدرسة السينما وجد وظيفة من خلال الباسيج في شركة انتاج لصناعة أفلام وثائقية للتلفزيون الرسمي بحيث كان قادرا على توفير المال له ولزوجته الجديدة. ومنحت الثورة لكل من مصطفى وعلي الحراك الإجتماعي الذي جعلهما رؤية فساد النخبة الحاكمة كتهديد. وقال علي “هم الضعاف وليس نحن”. وتقول الكاتبة إن نقاشاتها مع عناصر الحرس الثوري والباسيج عادة ما تقود إلى الحديث عن الطبقة والفساد والفجوة الجيلية. وعادة ما وجه كل طرف غضبه تجاه الطرف الآخر وليس ضد أعداء النظام.

دخول الثورة الإسلامية عقدها الخامس تواجه مشكلة الحفاظ على الثورة “حية”

وتكشف الخلافات عن واقع سياسي معقد لا يمكن احتواؤه من خلال الثنائية المعروفة الإصلاحين والمتشددين أو بين أنصار النظام وأعدائه. وتختم بالقول إن دخول الثورة الإسلامية عقدها الخامس تواجه مشكلة الحفاظ على الثورة “حية” والتي تعتمد على صناعة الصورة لها وليس فقط جذب القطاع الشاب من السكان الذين يريدون التغيير وبناء إجماع بين أعضاء الجيل الشاب. ومن هنا فالمهمة التي تواجه الجمهورية الإسلامية تقوم على كسب قطاع واسع من السكان وفي الوقت نفسه تحديد ما يحتوي عليه برنامجها الثوري وأجهزة الدولة وما سيؤول إليه على المدى البعيد. ويعتمد كل هذا على الطريقة التي يتم فيها تحقيق الأهداف هذه بدون أن تخسر الثورة رؤيتها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية