زيمبابوي وسكة الانحدار المطروقة لأبطال التحرير
د. عبد الوهاب الأفنديزيمبابوي وسكة الانحدار المطروقة لأبطال التحرير في منتصف الثمانينات، دار حوار بيني وبين صديق من جنوب افريقيا كان يعمل معنا في دار نشر عربية إسلامية في بريطانيا، كان محوره المقارنة بين ثورتي زيمبابوي وإيران. كانت تلك الحقبة التي بلغ فيها الصراع ضد نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا قمته، وكان سقوط النظام الحليف له في زيمبابوي (روديسيا سابقاً) في عام 1980 علامة فارقة في هذا الصراع. وكان الصديق مشغولاً بهذا الصراع بحكم منشئه، وكان أيضاً بحكم انتمائه الإسلامي مشغولاً مثلنا بهموم العالم الإسلامي الكثيرة. ولهذا أيضاً كان تقييمه لثورتي زيمبابوي وإيران اللتين تزامنتا تقريباً مصدر ألم له. وجه المقارنة عند الصديق كان ما استبشعه مما رآه من دموية الثورة الإيرانية وبطشها بمؤيدي ورموز النظام السابق، مقابل صفح الثورة الزيمبابوية عن رموز النظام العنصري بل واستيعابهم في النظام السياسي البرلماني الذي أنشيء عندها. وكان يقول: هل من المعقول أن يرتبط الإسلام بهذه الممارسات الانتقامية الدموية في إيران، بينما نري ضحايا العنصرية في زيمبابوي يضربون المثل في التسامح والصفح والغفران؟ ولا بد أن أقول إنني وافقته في تحفظاته وانتقاداته تلك، مثلما وافقته في إشادته بتجربة زيمبابوي. وقد ثني العالم كله بالإشادة بالقيادة الحكيمة للرئيس نيلسون مانديلا الذي جاء إلي السلطة بعد سقوط نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا عام 1994، ومارس أيضاً التسامح والصفح مع قادة نظام الفصل العنصري وجنده الذين سجنوه لأكثر من ربع قرن وسجنوا شعب جنوب افريقيا لأكثر من قرن. وقد كان هناك سبب إضافي للإطناب في مدح مانديلا، وهو أنه اختار أيضاً أن يغادر السلطة في وقت لم يكن هناك زعيم في العالم يتمتع بشعبية أكثر منه في داخل بلده وخارجها، ولم يختر كما فعل غيره أن يخلد نفسه في السلطة حتي ينتزعه منها ملك الموت.ولكن الحال في زيمبابوي لم يتخذ نفس المسار الذي اتخذه في جنوب افريقيا. حتي في الوقت الذي كنت فيه وصديقي الجنوب افريقي نتبادل فيه تقييمنا للأمور هناك، كانت هناك إشارات مقلقة تأتي من زيمبابوي، متمثلة في الصراع الدامي الذي دار في منطقة ماتابيليلاند بين أتباع رئيس الجمهوية روبرت موغابي ومنافسه جوشوا إنكومو، زعيم حركة المقاومة الأصغر ضد نظام الفصل العنصري. وقد اكتسب ذلك النظام طابعاً دموياً ووحشياً شابه الحروب البشعة الأخري التي شهدتها القارة في بقاع مثل أنغولا ويوغندا من حيث عدد الضحايا والاستهداف العرقي لطائفة بعينها. خلفية هذا الصراع كانت تعود لوجود حركتي تحرير رئيسيتين ضد النظام العنصري، الأولي كانت حركة زانو التي قادها روبرت موغابي واستمدت دعمها من الشونا، الأغلبية العرقية في زيمبابوي، بينما استندت الحركة الأخري، زابو، إلي أقلية الاندبيلي (حوالي 20% من السكان) وتولي قيادتها جوشوا إنكومو. وهناك روايات موثقة بأن مخابرات نظام جنوب افريقيا العنصري لعبت دوراً في إذكاء الصراع عندما اختلقت أدلة علي نية زابو القيام بثورة مسلحة ضد نظام موغابي الذي كان إنكومو وقتها عضواً في حكومته. وقد اضطر إنكومو إلي الهرب إلي الخارج حينما بدأ الفيلق الخامس في الجيش (الذي دربه الكوبيون الشماليون) حملة دموية ضد أنصاره في عام 1982. وقد انتهت الحرب بمصالحة جديدة أعادت إنكومو إلي السلطة ولكن بعد أن قتل ما لا يقل عن عشرين ألف شخص من عرقية الإندبيلي.لأمر ما تجاوز الكثيرون عن تلك الحقبة المظلمة في تاريخ البلد، لأنه يبدو أن العنف ضد الأفارقة حلال ومسموح به، بينما العنف ضد البيض أمر آخر. وقد عمق من هذا التوجه انتهاء الصراع بالمصالحة الوطنية كما أسلفنا. ولكن الطابع الدموي لتلك الحقبة كان في حد ذاته إشارة خطر لم يتوقف عندها الكثيرون. العالم التفت فقط حينما تحول نظام موغابي في المرحلة الأخيرة من عهده إلي مواجهة مزدوجة، مع معارضيه المحليين من الأفارقة، ثم مع المزارعين البيض، ومن ورائهم بريطانيا والغرب. وقد أدي هذا إلي خلط مربك للأوراق. فمن جهة، يمكن لحكومة موغابي أن تصور صراعها مع معارضيها ومع المزارعين البيض علي أنه صراع مع بقايا الاستعمار وبدايات الهيمنة الأجنبية. ومن جهة أخري فإن حملة موغابي ضد البيض لم تأت إلا بعد أن أصبح يواجه خطر إسقاط حكومته في الانتخابات، فلعب ورقة العداء للبيض حتي يلتف حول زيادة شعبية المعارضة. تجربة موغابي الحالية تكتسب أهمية مضاعفة من أنها تعيد انتاج تجارب أخري كثيرة في افريقيا والعالم الثالث، بدءاً من تجارب كوامي نكروما (غانا) وأحمد سيكوتوري (غينيا) وجوليوس نيريري (تنزانيا) وأيضاً الراديكاليين العرب بدءاً بعبدالناصر وانتهاء بصدام حسين ومعمر القذافي. سيكوتوري كان من أوائل من واجه الأزمة حين رفض الانضمام إلي منظمة الفرانكوفونية ومنطقة الفرنك الفرنسي، فواجه عقوبات صارمة من فرنسا والغرب دفعته إلي التوجه إلي روسيا التي لم تف باحتياجات بلاده. نفس التحدي واجهه نكروما في غانا وبقية الراديكاليين في افريقيا وما حولها.الحصار الاقتصادي الذي واجهته هذه الدول لم يضعف فقط قدرتها علي مواجهة التحديات الخارجية (خاصة حين كانت هذه المواجهات تشتمل علي بعد عسكري) بل أيضاً زاد من المعارضة الداخلية ضدها بسبب الصعوبات الاقتصادية الناتجة عن الحصار. علي سبيل المثال أذكر أنني حين بدأت السفر في مطلع السبعينات، كانت الشيكات السياحية التي استصدرها من البنك مختوماً علي ظهرها قابلة للصرف في أي مكان عدا مصر . وفي زيمبابوي اليوم وصل التضخم إلي أكثر من ألف بالمائة، بحيث أن أسعار رغيف الخبز تتضاعف كل شهر تقريباً، في حين أن الرواتب لا تتحرك بنفس المعدل. وبالمقابل نجد الدول الافريقية والعربية التي والت الغرب من وقت مبكر، مثل كينيا وساحل العاج ودول عربية كثيرة معروفة، شهدت ازدهاراً اقتصادياً نسبياً. وقد كان هذا عاملاً مهماً في انهيار نظام اقتصاد الدولة في معظم دول العالم الثالث ثم أخيراً في دول المعسكر الاشتراكي. هذه الإشكالية تعود من جهة إلي محدودية النموذج الاشتراكي وتناقضاته الداخلية. ولكنها أيضاً ترجع إلي عوامل أخري. فالإشكال الأكبر هو عجز الأنظمة الراديكالية عن حشد الشعب وراءها. وكثيراً ما نجد شعبية الزعماء الراديكاليين أقوي خارج دولهم مما هي داخلها، كما كان الحال مع نكروما.فهل يعني هذا أن نتجه إلي الاستنتاج بأن التوجه التحرري كان سابقاً لأوانه، وأن هناك أزمة في التوجه التحرري عموماً؟ بمعني آخر، هل يمكن أن نقول أن الزعماء الذين يطمحون إلي التحرر الكامل من الهيمنة الخارجية، وخاصة الغربية، يقودون معركة خاسرة؟هناك منظرون كثيرون حاولوا إرجاع استمرار الهيمنة الغربية وفشل محاولات التخلص منها إلي عوامل بنيوية في النظام السياسي ـ الاقتصادي الدولي الذي يفرض التبعية علي الدول النامية، مجادلين بأن الثورات المحدودة في هذا البلد أو ذاك لن تغير من الوضع شيئاً، ولا بد من ثورة شاملة تنتظم العالم كله. ولكن معظم هذه النظريات تستند إلي فرضية القبول بالنظرية الماركسية حول الطبيعة الانتقالية للنظام الرأسمالي وتجلياته الدولية. فإذا رفضنا هذه الفرضية فإن معظم هذه النظريات تفقد قدرتها علي التفسير. مهما يكن فإن التوجهات الاشتراكية لم تعد اليوم عاملاً في سياسات الدول المعارضة للهيمنة الغربية. فالصين، آخر البلاد الشيوعية الكبري، تتبع نظاماً رأسمالياً، وكذلك تفعل زيمبابوي والسودان، وكما كان العراق يفعل حين دخل في المواجهة مع الغرب. الذي يجمع هذه الأنظمة هو أنها تقود معارك مزدوجة، ضد معارضي الداخل من جهة، وضد ما تراه مشاريع هيمنة خارجية من جهة أخري. فهل يعني هذا أن الجماهير في هذه البلدان تفضل العبودية والتبعية للأجنبي مقابل رخاء قريب أو موعود؟ أم الأمر يتعدي ذلك إلي ما هو أبعد؟لعل الأرجح هو العكس، وهو أن هؤلاء الزعماء لا يثقون بشعوبهم وقدرتها علي المواجهة، ويصرون علي أن التحرر من هيمنة الأجنبي يتطلب الخضوع لهيمنة الداخل واستعباد الحكومة. فالقضية ليست حرية البلاد بل حرية الحاكم الذي يأنف من الإملاءات الخارجية، ولكنه يرفض بنفس القدر الإملاءات الداخلية من الإرادة الشعبية. فالفرق بين الحكام الذين يقبلون ممالأة الأجنبي والذين يرفضونها هو أن الأولين يفهمون أن رفض إملاءات الشعب يتطلب قبول إملاءات الأجنبي، أما الأخرون فإنهم يصرون علي المحاربة علي جبهتين: ضد الشعب من جهة، وضد الأجنبي من جهة أخري. وهذا هو حال موغابي اليوم. وهذه خسارة مزدوجة لقضية التحرر، لأن هذه القضية حين ترتبط بشخصيات عاجزة عن إلهام شعوبها، وتري ضرورة سوق الشعب بالسوط والبندقية إلي الحرية ، فإن هدف التحرر يفقد بريقه ويتحول إلي نقيضه. وإن من الأصلح للقضية أن يتنحي أمثال هؤلاء العاجزين ويفسحوا المجال لمن هو أقدر علي إلهام الشعوب والإلتحام معها في نضالها للتحرر. لأن الزعيم الذي يتحول إلي طاغية يصبح أفضل حليف للاستعمار والهيمنة الأجنبية.9