«ولأنني حمار، وهذه نصيحتي لكم،
أن تنتخبوا الحمار ملكا على عرش الحيوانات؛
لنؤسس مملكة الحمير الفاضلة،
حيث ينفرد الحمير بالسلطات!» (هاينريش هاينه .. من قصيدة حمير الانتخابات).
تدور أحداث رواية إحسان يونس «بانتظار المنقذ الأعظم» ــ صدرت عن الدار العربية للعلوم ناشرون ــ في المحمية الخضراء «تراجيدستان» الواقعة بالقرب من «فجعوانا» عاصمة دولة بسمونا المفجوعة بالفقر والتخلف والحروب الأهلية. هي محمية يشرف عليها فريق من العلماء والبيطريين الأوروبيين الذين حولوها إلى منطقة معزولة تتكاثر فيها الحيوانات النادرة والمهددة بالانقراض، وتدافع عن الوحوش والحيوانات الأليفة ضد صيادي الفروات والعاج. الأمر أشبه بمحميات خيالية في مدن عربية تحمي البشر من الضواري السياسية. كل ما في الرواية يذكر بأرض السواد. ولا يمكن تصور هذه المحمية الخضراء خارج المنطقة الأمنية الخضراء في العاصمة بغداد. كما ختم الكاتب الرواية مسجلا تاريخ كتابتها في البصرة يوم 1/2/2018.
مجتمع الحمير
لا يصدق حارس المحمية عينيه وهو يرى جثث الضواري، من أسود ونمور، متناثرة في أرجاء المحمية. لم يسقطوا بنيران الصيادين بالتأكيد، لأن الفاعل لم ينزع عن الوحوش فرواتهم، لكن من الظاهر أن القاتل بطش بهذه الوحوش بضربات قوية على الرأس. ويتساءل الحارس أي وحش، أو إنسان، قادر على أن يبطش بأسد بلكمة على رأسه؟ وتتبخر علامات الاستفهام حينما يشاهد الحارس حمير المحمية المسالمة تقف على قوائمها الخلفية مثل البشر وتلاحقه بحوافر أقدامها الأمامية. تطارد سيارة الجيب التي تقله وتهاجم خلفية السيارة بحوافرها القوية في نية واضحة للقضاء عليه. يسخر رئيس المحمية الهولندي من الحارس الشاب، المقبل على الزواج، وهو يستمع إلى قصة الحمير المنتصبة مثل الهوموسابين، لكنه سرعان ما يسابق الحارس خارج المحمية في محاولة للنجاة من هذه الحمير المستأسدة.
كل ما في الرواية يذكر بأرض السواد. ولا يمكن تصور هذه المحمية الخضراء خارج المنطقة الأمنية الخضراء في العاصمة بغداد.
تطاردهم فرق الحمير بشكل منظم، تغلق عليهم سبل العودة إلى المحمية المسيجة بالأسلاك الكهربائية، وتدفع سيارتهما إلى هاوية سحيقة. لا ينجو الاثنان من «مخالب» الحمير إلا بفضل تدخل عسكري وطوافة هيليكوبتر. وهنا، بعد ان يقتنع الجميع بالثورة الحميرية في محمية فجعوانا، يخطط البشر من العالم المتحضر للاستفادة من هذه الطفرة الوراثية. شركات عظمى للهيمنة على كنوز مملكة الحمير، شركات سينمائية تروج لأفلام الحمير المنتصبة، سيركات تشتري الحمير بملايين الدولارات، سينما الأفلام الإباحية تصور الحمير بطريقتها الجديدة في المضاجعة. وأخيرا تبدي وكالة المخابرات المركزية الأمريكية اهتمامها باستخدام الحمير في القتال في أفغانستان والعراق وسوريا. وكي يضمن المستثمرون أقصى الأرباح في مملكة الحمير لابد لهم من التعامل مع قيادة الحمير، ورفعهم إلى مستوى الملوك، وتزويدهم بأفضل أنواع البرسيم، وخلق محمية داخلية لفصلهم عن بقية الحمير والضواري. وتكشف كاميرات الفيديو المنصوبة داخل المحمية عن الحمير وهي تتفاهم وتخطط وتنظم حياتها. ويلجأ المستثمرون الجدد إلى «شوّاف محلي»، أو لنقل طبيب قبلي، من مدينة فجعوانا عرف عنه انه يفهم لغة الحيوانات، بل يعرف قراءة الشفاه. ويصبح «المترجم» بالتالي أساسيا في مخططات رعاة المملكة الحميرية من المستثمرين. وما تعرضه كاميرات الفيديو لا يترك أي مجال للتأويل في قصد الكاتب من هذه الراوية. يقول: «حمير بعمائم سود وبيض، وكوفيات بيض، ببيريات وخوذات وقبعات رعاة البقر وأخرى مدنية». وهو ما يشجع المستثمرون على مخاطبة العمائم بالعمائم والبيريات بالبيريات .. «يقول السيد كاردن كيري، رئيس الوفد الدولي للنظر في قضية الحمير، وكأنه يحلم: من يدري، ستفتتح ثورة الحمير عصر عهد جديد، تديم سيطرتنا على العالم، لا قرنا آخر، كما تنبأ السيد جورج بوش الأب، ربما لخمسة قرون مقبلة». بينما الحمير الثائرة على واقعها تدربك على سياج المحمية، عيونها تقدح شررا، وتهتف:
«من ورثة الأرض؟
الحمير
أي حمير؟
نحن
من أقوى المخلوفات.
الحمير
من أعقل المخلوقات على الأرض؟
الحمير».
المملكة الفاضلة
وبعيني «الشواف»، وترجمته لأحاديث الحمير، يتحول الكاتب إلى مستوى آخر من السرد. ويواصل يونس روايته من وجهة نظر الحمير والأسباب التي دفعتها إلى الثورة. إذ ملّت الحمير من تقديم الضحايا يوميا إلى الضواري التي تتربص بها عند النهر. وتكف الحمير عن النهيق، وتطلق شعاراتها الثورية التي تمجد الحمير وتلعن الخيول والبشر. وتعلن قيادة الحمير أن عدوها الأول ليس الضواري، وإنما الإنسان، ولذلك فلا بد من كسر شوكة البشر وفرض مملكة الحمير الفاضلة. وكما هي الحال مع قيادة البشر المستثمرين، تقرر قيادة الحمير عقد صلح مع الضواري، وتزويدها يوميا بحصة من لحوم الحمير المريضة والحمير الصغيرة والإناث. فالعدو الأساسي في «المحمية الخضراء» هو الإنسان. وهكذا تصبح بقية حيوانات المحمية، وبقية البشر في فجعوانا، ضحايا لحمير مستأنسة وبشر مستحمرين.
بانتظار المنقذ الأعظم
تضع قيادة الحمير خطة لاقتحام المحمية، وتخصص فرقا تستطلع أوقات فتح الأبواب أو قطع التيار الكهربائي عن سياج المحمية. في قصة «النمور في اليوم العاشر» للكاتب زكريا تامر، يروّض الصياد النمر بالتجويع إلى أن يقسره على أكل الحشيش بدل اللحم. وربما أن ما شاهده الأمريكان، وهم يجتاحون العراق سنة 2003، كانت خرافا تجتر الحشيش في الأقفاص التي صنعها صدام حسين للشعب، ولم يعرفوا أنها نمور روضها الديكتاتور طوال أكثر من ثلاثين سنة. ولا تبدو الحمير في رواية إحسان يونس مختلفة عن نمور زكريا تامر، التي تناست نفسها في اليوم العاشر.
صدرت الرواية عن الدار العربية للعلوم ناشرون. صمم الغلاف علي القهوجي. تقع في فصلين في237 صفحة من القطع المتوسط.