المقاومة… لا تتزحزح عن سلاحها

حجم الخط
0

مع بزوغ شمس الثورة الفلسطينية المعاصرة في منتصف ستينيات القرن المنصرم، وتفتّح أكمام المقاومة الفلسطينية المسلحة، كان الفدائي الفلسطيني أسطورة من لحم ودم، تتجذر على أرض الواقع بالتضحية والفداء، على مذبح المواجهة مع الصهاينة المحتلين وحلفائهم.
وتحت بريق الانجذاب بالعمل الفدائي، انبثق الأمل في أقاصي نفس الفلسطيني المشرّد صوتاً موحياً بالجمال والصبر وتجاوز اليأس، وبناء الوجود أو استعادته، على أنغام الكلاشينكوف، إيماناً من الفلسطيني بأن قهر اغترابه القسري لا يكون إلا بطريقة واحدة عبّر عنها الشهيد غسان كنفاني في روايته (أم سعد) حين يلتحق سعد بالفدائيين ويقاتل معهم.
وعبر مراحل الصراع المختلفة، كانت عين الصهاينة على سلاح المقاومة، الذي حمى الهوية الوطنية الفلسطينية، وشكّل صمام أمان لحقوق الشعب الفلسطيني، فحاولت إسرائيل نزعه وتجريد المقاومة منه، من خلال حروبها وجرائمها، أو عن طريق وكلائها أو حلفائها الذين تقاطعت معهم على هذا الهدف في أدق مراحل النضال الفلسطيني خطورة، فبقي السلاح شارة كرامة وحرية، يرفعه المقاتل الفلسطيني الذي تربى في خنادق التحدي والرجولة على أن الثورة جسد قلبها وروحها في سلاحها، وأن نزع السلاح يعادل نزع الروح من الجسد.
وكما كتب الفلسطيني بدمه وعناده ثقافة المقاومة، بأبهى صفحات المجد، وبسبابة تجيد الضغط على الزناد، وتمنع هز مسلّمة باتت أيقونة فكرية ووطنية، تغتني بظلال وارفة من التجربة الحية والعملية لدى كل الشعوب التي غسلت عن ذاتها رمد الخيبات، وتحررت من قوى الاستعمار الغاشمة، وهي أن سلاح المقاومة رقم صعب لا يمكن تجاوزه أو القفز عنه، ليس حباً في اقتنائه أو شغفاً بأزيزه المدوي، ولكن لكونه يرسم حدوداً وخطوطاً وقواعد للموقف السياسي الواعي والمستثمر لحصاد المقاومة على الأرض والمتناغم معها في خدمة المشروع الوطني في التحرر والاستقلال.
فهذه المرة أيضاً سيكتب الفلسطيني الصامد في غزة الأبية فشل الصهاينة في نزع سلاح المقاومة بمعناه الذي لا يقبل الجدل والذي تؤكده المقاومة الفلسطينية على اختلاف أطيافها، بثباتها الميداني وصلابتها في أروقة السياسة، يسندها من خلفها شعب قدم التضحيات الجسام، وتوحد مع مقاومته وانصهر في أتونها، رغم جراحه العميقة والنازفة، وحمى مقاومته واحتضنها ووفر لها الغطاء الشعبي لمواصلة طريقها، وظلت الحناجر تردد «طل سلاحي من جراحي يا ثورتنا طل سلاحي ولا يمكن قوة في الدنيا تنزع من إيدي سلاحي»، تعبيرا عن الالتحام الذي يراود حس الملحمة بخيار المقاومة في وجه مسلسل المجازر الدموية التي يمعن العدو في ارتكابها بحق المدنيين الأبرياء. وأمام هول الجرائم الصهيونية، وسحب الموت الداكنة التي تلبد سماء غزة، يتكرر السيناريو ذاته، ويقف الوحش الصهيوني مدججا بالسادية، بين أطلال البيوت المدمرة، وقد أنشب مخالبه في جسد الطفولة الغضة، ينش بشدقه زبد حرور، عسى أن يثمل بمشهد المقاومة ترفع الراية البيضاء، وتقدم سلاحها على طبق من الاستسلام.
لكن ما لا يفهمه العدو العاجز عن تحطيم صخرة المقاومة الصلدة، أو فرط نسيجها المتماسك، أن ثمة إجماعاً فلسطينياً على نصرة المقاومة وتبني مطالبها العادلة وحقها المشروع في الاحتفاظ بسلاحها، بعد أن أذهلت العالم وسماسرة الحرب في إسرائيل، ببسالتها وحنكتها وإبداعها، لتداوي بسلاحها رأس من يشكو صداع الحقد والعنصرية من أعداء الشعب الفلسطيني وسالبي أرضه ومقدساته.
أحمد أبو سالم

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية