“أندرغراوند” فلسطيني في إسطنبول: جسور ثقافية جديدة ووسيلة للاحتجاج وهدم الجدران  

مصعب النميري
حجم الخط
0

هناك أنماط حياتية جديدة تسود في معظم أنحاء العالم تسعى لكسر الحدود والتأكيد على التساوي بين البشر. تعمل على إيجاد مخارج لما تحدده القوميات والأديان والأحزاب السياسية. الأنماط هذه تعتمد على اختراع آليات ووسائل جديدة للتواصل وهدم الفروق، تأخذ في الغالب شكلها في إطارات فنية وثقافية عصرية، وجدت لها موطئ قدم في هذه المنطقة التي تعاني بشكل حاد من انقسامات قاسية بين أبناء المنطقة أنفسهم، وبينهم وبين العالم الآخر، تبعاً للفشل السياسي للنخب الديكتاتورية في الغالب، والاحتلال، ووجود نفوذ ضاغط لقوى أجنبية فيها.

أدت كل هذه العوامل إلى أزمات وطنية وأزمات واضحة على صعيد الهوية والانتماء، دفعت الشبان للبحث عن مخارج. المسيرة القاسية في التشرذم وتهجير الشعوب على نطاق واسع كان الفلسطينيون في طليعتها. خرجوا إلى بلاد أخرى بالملايين، أو نزحوا داخلياً. تحولوا إلى أهل “الداخل والخارج”، ثم ارتفعت الجدران وانتصبت الحواجز في وجوههم، وانتشر القناصة على المداخل والتخوم، وتم تداول المآسي ببرود في المنصات الأممية، في مشهد سيتكرر لاحقاً في العراق وسوريا، فاتحاً الباب لخروج أصوات صارخة من القعر والحطام، من “تحت الأرض”، تنادي وتؤكد لإحياء ما تم سحقه عبر سنين التاريخ القاسية.

التجارب الجديدة التي ظهرت مؤخراً بلورت وسائل غير سياسية للمقاومة وتسجيل الموقف. تجارب روادها شبان غاضبون يريدون الحياة والعدالة والحرية. يحملون منظومة قيم جديدة تدعو للانفتاح بدون الانسلاخ عن الهوية، ويسعون للتأكيد على الانتماء إلى قضية من خلال جعلها حاملاً للفن. شبان وفتيات يعملون على طرح حلول جديدة بعد أن فشلت السياسة فشلاً ذريعاً في إيجاد الحلول المنطقية لهذه القضايا المعقدة. طوروا وسائل حديثة للتعبير عن ذاتهم ونقاش محيطهم من جهة، والعالم من جهة أخرى. أمور بسيطة تشبه أن يصعد أحد ما على المنبر في حفل صاخب ويتحدث عن موقفه، مستقطباً بذلك من يشبهه، وفاتحاً الباب لنقاش ما طواه التاريخ وإعادة إحيائه ووضعه على الطاولة.

موسيقى الأندرغراوند الفلسطينية تشهد وجود أصوات صاعدة ولافتة للنظر في هذا الميدان. قبل أيام في إسطنبول جاء عدة فنانين فلسطينيين إحياءً لحفلة تلت عرض فيلم عن تجربتهم من إنتاج “معازف”، ولاقت تفاعلاً واضحاً من الجمهور. شبان يستخدمون موسيقى “التيكنو” الحديثة ويعطونها هوية خاصة. هذه اللغة التي يفهمها العالم بسهولة وبساطة وبدون بذل جهد، رأى الشبان أنه بإمكانهم استخدامها لقول ما يريدون قوله، محولين الليل الصاخب إلى مظاهرة سلمية للتعبير عن الرأي والاحتجاج والرفض.

الناظر هو شاب موسيقي فلسطيني، شارك في حفل موسيقى الأندرغراوند المقام في إسطنبول، المدينة التي يغلب التضامن على أهلها من كل المشارب مع القضية الفلسطينية. قال الناظر في حديث لـ”القدس العربي” إنه “جزء من فرقة سالب واحد (تعمل على موسيقى الهيب هوب) التي تتكون من 10 أشخاص”. مضيفاً أن هذا النوع من الموسيقى “صار أكثر من مجرد وسيلة لقضاء الوقت الممتع في إحدى الليالي. حتى لو أردنا أن نقضي أوقاتاً ممتعة فقط ونروح عن أنفسنا لا نستطيع ذلك، لأن كل هذه المحاولات تصبح مسيسة بدون إرادة منا. هناك أغنية لنا أردناها أن تكون عن الحب مثلاً، ولكنها أخذت أبعاداً سياسية بشكل آلي، بسبب تواجدنا في هذه المنطقة وعيشنا تحت سلطة احتلال تقمعنا، هذه الظروف تفرض على أي عامل في أي شأن أن يحول ما يقوم به إلى فعل سياسي. وجود الإنسان في هذه الظروف يحتم على كل أفعاله أن تكون في إطار المقاومة. كالحب والموسيقى والفن”.

ويشير الناظر إلى أن من أكبر الضغوط التي يتعرض إليها العاملون في هذا المجال “تأتي من المجتمع ذاته، بسبب اختلاف نمط الحياة الذي يقومون به عن السائد المحافظ. أظن لو تمكن المجتمع كاملاً من دعمنا سنتمكن حينها من الانطلاق بقوة إلى العالم”.

في الفيلم الذي تم إنتاجه عن تجربة هؤلاء الشبان وعُرض في إسطنبول، تضطر مجموعة من المتواجدين في أراضي الاحتلال للمغامرة والذهاب إلى رام الله، بهدف إحياء حفل مشترك والالتقاء بأصدقائهم هناك. كانت تلك المشاهد ممزوجة برسائل يقدمها المشاركون في الفيلم تشفّ عن رمزية ما تقوم به هذه الموسيقى في هدم الجدران والحواجز المقامة بين أبناء الشعب الواحد، الواقع تحت احتلال يفرض على بعضهم القفز من فوق الجدران واجتياز الأسلاك الشائكة للوصول إلى مكان قد يكون مسقط رأسه.

يقول الناظر إن الموسيقيين الفلسطينيين “قد يكونون محظوظين لأنهم يتمكنون من لفت الأنظار وتحصيل التغطية الإعلامية، بسبب وجود القضية الفلسطينية كراية تجذب أنظار الناس. ولكن هناك فرقا وتجارب في كل مكان في الوطن العربي تقوم بأشياء عظيمة وتستحق وجود اهتمام بها، مثل “هيدز كولليكتف” في مصر، و”بوكلثوم” في لبنان، و”سايك أليبو”، وهم يحتاجون وقتا للوصول للعالمية، ولم تتم تغطية تجاربهم إعلامياً بشكل جيد”.

مجدل (اسمها الحركي ماكي ماكوك – موسيقية فلسطينية كانت ضمن المجموعة التي أحيت الحفل في إسطنبول) تقول لـ”القدس العربي” إن الموسيقى بالنسبة لها “هي أداة مقاومة على كافة الصعد، أنا كإنسانة أولاً وامرأة ثانياً أعاني من مشاكل منها، الاحتلال والتحرش والظروف السياسية والاقتصادية السيئة، بالتالي أريد توظيف الموسيقى في محاولة تغيير كل هذا، أو محاولة الإشارة إليه على الأقل وإدانته”. مشيرة إلى إن “المجتمع المحافظ عموماً لم يتقبل بعد فكرة الموسيقى الحديثة، لأنه يميل إلى الموسيقى الكلاسيكية والفلكلور للتعبير عن نفسه، إضافة إلى أنه قد لا يتقبل كثيراً نمط الحياة الذي نعيشه ويعتبرنا غرباء أحياناً”.

وتضيف مجدل عن الصعوبات التي يتعرض لها العاملون في هذا المجال أنهم “عندما بدؤوا بالعمل في الموسيقى، لم يكن معظمهم قد درسها بشكل اختصاصي، درسوا في مجالات أخرى في المدارس والجامعات، وكان الدخول في البداية إلى هذا الميدان صعباً لأنه لم يكن هناك أي عائد مادي من ذلك. كنا نضطر لتسجيل الموسيقى وإحياء الحفلات مجاناً. معظمنا كان يعمل إلى جانب هذا العمل. ولكن أنا شخصياً قررت في الفترة الأخيرة أن أعتمد على الموسيقى”. لافتة إلى أنهم “إذا أرادوا العمل الاحترافي والتفرغ لهذا النوع من الموسيقى، فيجب أن يكون هناك استثمار ودعم لهم”.

أحمد شيخ (يعمل في منظمة روت التي نظمت الحفل) قال لـ”القدس العربي” إن “الفكرة من وراء دعوة الفنانين الفلسطينيين إلى إسطنبول، كانت أن يتم جمعهم على منصة واحد وتعريف الأتراك بهم، لأن مشهد موسيقى الأندرغراوند في تركيا شبيه إلى حد كبير بمنطقتنا، حيث أن هناك قضايا مشتركة بيننا جميعاً، ولكن بطبقات مختلفة، إضافة إلى أن تركيا هي من الأمكنة القليلة التي تستطيع أن تجمع الفلسطينيين والسوريين والأتراك، فهي مكان مناسب لبناء الجسور بين الثقافات المختلفة، خاصة عن طريق الموسيقى”. مشيراً إلى أنهم “واجهوا صعوبات باستصدار “الفيز” للجميع، ولكن تم إيجاد حلول لذلك. لقد أرانا هذا الحفل كمية التضامن والتفاعل وإمكانية إيجاد أرضية مشتركة، وستكون هناك سلسلة من النشاطات لاحقاً في هذا الصدد”.

يذكر أن الحفل الذي تمت إقامته في إسطنبول للموسيقيين الفلسطينيين، حضره عدد محدد فقط من الفنانين وهم جزء من مجموعة أوسع تعمل في هذا المجال بعدة مدن فلسطينية. ويعيش بعض فناني “الأندرغراوند” الفلسطينيين في الضفة الغربية، فيما يعيش آخرون داخل أراضي الاحتلال، ويسعون دائماً للالتقاء وإنتاج أعمال مشتركة، ومنهم “فريق الجزر” و”مقاطعة” و”الناظر” و”سما دي جي” و”عدز” و”ماكي ماكوك” إضافة لآخرين.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية