( الهايكو هو في العمق صلاة في الهواء الطلق)
سامح درويش
يشهد تاريخ الفن أن أشكالا من الفنون الإنسانية عفا عليها الزمن واندثرت باندثار جيلها أو أجيالها ــ قد يسعفها الحظ وتنبعث من جديد بشرطها. ويشهد التاريخ، أيضا، أن فنونا أخرى عمرت لأنها أكثر عشقا للحياة وأكثر تشبثا بها، أو لأن الحياة نفسها لا تستقيم خارج هذه الفنون، فبها تقدم نفسها في أنبل معانيها وألطف إشاراتها، وإلا هيمن التسطيح على كل شيء، والتقى في التصنيف من يكتب الأسفار ومن يحملها.
لا يخفى ــ في هذا السياق ــ أن الشعر هو مقصود كلامنا، والشعر مدارس متعددة تفرقها الأشكال والرؤى، وتجمعها صفة الشعرية، ولذلك فإن القارئ يستطيع أن يفتح دواوين المدارس الشعرية المختلفة، فيصادف هنا وهناك نصوصا شعرية أصيلة وعميقة، كما يصادف قصائد عقيمة وشديدة البرودة، ما يعني أن الشعر في جوهره أبعد بكثير من بدعة المدارس وهندسة التصنيف والانتماء، فالشعر شعر بغض النظر عن الألوان والانتماءات، وما ليس شعرا لن تنفعه الندوات ومكبرات الأصوات.
ما يقال عن الشعر عموما، يقال عن قصيدة الهايكو كذلك.. فهذه أبعد من أن يشفع لها التمسح بباشو ولا بكل الآباء المؤسسين، كما لا يشفع لها الخضوع الصارم للبيت الواحد بمقاطعه المعروفة أو الإشارة إلى الفصل الطبيعي، أو ما يدل عليه، وفي المقابل لا يشفع لها الخروج عن هذه القواعد بدعوى التجديد أو التكييف مع الثقافة المحلية، عربية أو أجنبية، إن ما يجعل الهايكو شعرا هو قدرته ليس فقط على الإدهاش، وإنما إفلات المتلقي من ثقله الخزفي، إلى شفافية روحية وآفاق جمالية، يشعر معها كما لو أنه شاعر أو صورة شعرية أو ـ على الأقل ـ يشعر بنوع من الشفاء الذي تحدث عنه هولدرلن قائلا: إنني أكتب شعرا يعود على البشر بالشفاء.
إن شعرا بهذه المواصفات والغايات لن يكون سهل المنال لكبار الشعراء، فكيف الحال بالنسبة لمن يكتبون قصيدة أو قصيدتين، ثم يحلقون شواربهم قبل أن تنبت ويمرون سراعا إلى الهايكو؟ (أحمد بوزفور).
ما يقال عن الشعر عموما، يقال عن قصيدة الهايكو كذلك.. فهذه أبعد من أن يشفع لها التمسح بباشو ولا بكل الآباء المؤسسين، كما لا يشفع لها الخضوع الصارم للبيت الواحد بمقاطعه المعروفة أو الإشارة إلى الفصل الطبيعي.
ما أكثر الشعر الذي أسقم عوض أن يشفي، وهدم عوض أن يبني. وحتى لا يقع الهايكو في الهدم والإسقام، أشار ماتسوباشو إلى «أن شاعر الهايكولو أنجز واحدة أو اثنتين أو ثلاثا من الهايكو أصيلة طيلة حياته لكان في ذلك دليل على عظم إنجازه». وأعتقد أن عظم هذا الإنجاز يأتي من الالتزام بهذه المواصفات وتحقيق هذه الغايات، لكن حال الهايكو اليوم يشهد على أن باشو يعاني عقوق تلامذته، فغالبيتهم السائدة تمتلك ماكينات بأزرار، لا تتوقف عن إنتاج كلام بلا معنى، يُلحَق ظلما بطقس الصلاة في الهواء الطلق. «إن كثيرا من قصائد الهايكو المكتوبة باللغة اليابانية، والمتداولة في أوساط معينة من المجتمع الياباني، لا يعدها الخبراء المختصون منتمية إلى هذا الطراز الشعري العريق»(علي كنعان).
فكيف حال هياكسة غير اللغة اليابانية؟
إن أبرز خاصيات ماكينات الإنتاج ”الشعري”، هي آفة الاكتفاء بما يلتقطه النظر. ومعلوم أن النظر يلتقط كل ما يرى من صور، ويلتقي في ذلك سرب القطا وزرقاء اليمامة، فكلهم ينظر… ولكن الذي يميز زرقاء اليمامة ممثلة في طاغور وبورخيس وتوماس ترانسترومر… وغيرهم ممن كتبوا الهايكو، متأثرين بمنشئيه ومبدعيه، هو اعتمادهم على البصر وليس فقط النظر، والفرق بينهما كالفرق بين العِبرة والاعتبار، أو كالفرق بين الألفة والدهشة «وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون» (ا لأعراف 198). فكل ما في الكون تورية وراءها تورية، ولذلك كثيرا ما يُنعت الهايكيست بالطفل/ الفيلسوف، لأنه لا ينقل الشيء في ذاته، ولكنه ينقل الطفل كما هو في سجيته: عمق البساطة وفلسفة البراءة. وهذا ما يميز أسلوب باشو (الذي ينعت بأسلوب شوفو وتحدده كلمات أربع هي:
1ـ سابي: وتعني البحث عن البساطة واستعارة الوهن الذي يُلحقه الزمن بالكائنات والأشياء.
2 ـ شيوري: الإيحاءات المنبعثة من القصيدة، بدون التعبير عنها بصريح العبارة.
3 ـ هوسومي: عشق الأشياء البسيطة واكتشاف بهائها.
4 ـ كارومي: الظرف الذي يخفف من الجدية والصرامة.
والأهم من كل هذا هو الإيمان، بأن الهايكو لا يوجد في الحروف، ولا في الاستعارات ولا في الإيقاع السريع أو البطيء «إنما الهايكو في القلب… يحاول التعبير عن البهاء الكامن في أبسط الأشياء الموجودة في الحياة… لأنه نقطة اتصالِ العابر بالأبدي». وهذا لا يتأتى إلا بالبصر البريء المندهش الّذي لا يعاني تخمة العادي والمألوف، ويستطيع ببساطته أن يرى التورية في كل شيء وأن ينقل ــ بكلمات معدودات ــ البِركة من حال الركود إلى حال صوت الماء، كما فعل ضفدع باشو في قصيدة الهايكو الشهيرة:
بركة قديمة
نَطَّة ضفدع
صوتُ الماء.
ولا يخفى، عن المتأمل، عمق هذا المشهد الذي جمع، فعلا، بين العابر والأبدي. فالبركة هي تراثك القديم وهي عاداتك المألوفة وهي روتينك اليومي، وهي مبادئك التي تخنقك وتخنق من معك، فيما تظن أنها تبنيك وتكونك… البركة القديمة الآسنة، هي غياب الكوجيتو. أما السؤال والمساءلة، فنطة بسيطة، من ضفدع بسيط، أزاح القليل من القش والطحالب، وأتاح لصوت الماء أن يذكرنا بوجود الحياة…
ومثله قول باشو مرة أخرى:
أمر عجــب
أن ترى البرق ولا تفكر،
في انسراب الحياة.
إن المتصفح لمجاميع قصائد الهايكو العربي، يصادف فعلا، مشاهد تطفح بعمق إبصار الهايكست، الأشياء والأحياء، الحياة والموت، الأمر الذي يؤكد على أن الشعر لا يوجد في الحرف منمقا، وإنما في البصر الذي يكتشفه، ويخرجه من مخبئه مدهشا ومندهشا معا. ولعل النماذج التالية ــ على قلتها ــ تؤكد هذا الزعم:
علي ديوب ـ سوريا
على جسر النهر
العائلة
تنتظر الجثمان
رشيد قدوري أبونزار ــ المغرب
بعد الحصاد
تأكل الطير
من رأس الفزاعة.
محمد أمين إدريس ــ تونس
مات الفهد الآن
سنحصيها أخيرا
رُقط الفرو.
إن هذه النماذج، وأمثالها وهي قليلة، تؤكد على أن قصيدة الهايكو تتجاوز كونها دربة على القول، أو تطفل متذاك على مقامات النور.. إنها بالأحرى تجربة روحية و«ثمرة إفراط في الدقة، ونتاج قرون من الثقافة، لا تكشف عن عذوبتها إلا للأذهان الحفية، والقلوب المتيقظة». القلوب التي تبصر اللامتناهي، بعد أن تخلت عن مخاوفها ومطامعها، وأزاحت حجب الادعاء الزائف وحجب الأحداث اليومية السطحية والمسطحة. واستطاعت أن تقول:
بخيوط من ماء
ترتق السماء
تشققات الأرض. (مريم لحلو ــ المغرب)
قصيدة الهايكو تتجاوز كونها دربة على القول، أو تطفل متذاك على مقامات النور.. إنها بالأحرى تجربة روحية و«ثمرة إفراط في الدقة، ونتاج قرون من الثقافة، لا تكشف عن عذوبتها إلا للأذهان الحفية، والقلوب المتيقظة».
صحيح أن الهايكو في مهده الياباني، يدعو إلى التخلي عن الانزياحات الأسلوبية، مفضلا استعمال اللغة العارية من لبوس البلاغة، ولكن متى ما كانت البلاغة طوع السجية، بعيدة عن التكلف والحذلقة، فهي كاللغة العارية، إذ الأصل في اللغة، أنها كلها استعارة، وأن الحقيقة هي فقط مسكوك الاستعارة، ولهذا فإن الاستعارة المكنية في (ترتق السماء) لا يردها الذوق العربي ولا المهد الياباني. ثم إن عمق هذا الهايكو، يأتي من كلمة (الرتق) التي تذهب بالمتلقي كل مذهب، وتفتح خياله على الدين والأسطورة، بل تحفزه على التأمل والإبداع.. ذلك أن السماء التي تظهر عطوفة ورحيمة، حين ترتق تشققات الأرض بخيوط فصل الشتاء. هي نفسها السماء الجافية القاسية، التي تفتق نسيج الأرض بلهيب فصل الصيف، فدأب السماء هو الرتق والفتق، وقدر الأرض أن تقبل عبث هذه الجعرانة الحمقاء التي «نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا» (النحل 92).
وفي أحسن الأحوال فالسماء الراتقة الفاتقة هي «بينـــيلوب» الوفية، تنقض ما تغزل في انتظار حبيب يستحق كل هذا الانتظار، وكل هذا العناء.
٭ كاتب من المغرب