بوتين واردوغان وروحاني في قمة «سوتشي» أمس
دمشق – «القدس العربي» : بغياب إرادة سورية مستقلة والاعتماد على الفاعلين الدوليين كواجهات للمعارضة السورية ونظام بشار الأسد الحاكم على حد سواء، اختتمت قمة ثلاثي أستانة، الرابعة أعمالها في منتجع سوتشي الذي ضم زعماء روسيا فلاديمير بوتين، وتركيا رجب طيب اردوغان وإيران حسن روحاني في محاولة لدفع العملية السياسية، وإيجاد حل سياسي لعقد الملف السوري وعلى رأسها ملف إدلب و»المنطقة العازلة» وملف شرقي الفرات إضافة إلى الإعلان الدستوري المنتظر وبقي الثابت أن زعماء «أستانة – 4» ناقشوا في سوتشي مخاوفهم وأجنداتهم وبقي ملف سوريا عنواناً بلا تفاصيل. والغريب في القمة أن الغائب الأكبر هم السوريون.
الغائب الأكبر السوريون وأهم ملفاتها «اللجنة الدستورية» وإدلب و«المنطقة الآمنة»
القمة أرسلت حزمة من الرسائل، أبرزها حاجة الدول المؤتمرة إلى مسار استانة، وما يتقاطع ذلك مع حاجة السوريين في تبديد المطامع شرقي سوريا، إضافة إلى إعادة طرح احياء اتفاقية أضنة، كمفتاح للتواصل بين أنقرة ودمشق، فضلاً عن التلويح بوضع اللمسات الأخيرة على ملف إدلب الذي ينتظر استكمال تطبيق بنود اتفاق «سوتشي».
وأجمع الرؤساء الثلاثة في البيان الختامي لقمة «سوتشي» على اعتبار سحب الولايات المتحدة الأمريكية قواتها من سوريا تعزيزاً للأمن والاستقرار، حيث اكد على اتفاق الزعماء تنسيق الجهود لإحلال الأمن والاستقرار في مناطق شمال شرقي سوريا.
وقال الرئيس التركي في كلمته الافتتاحية لقمة سوتشي، إن الدول الثلاث المشاركة في القمة نجحت في الحفاظ على روح مسار أستانة رغم الاختلافات والتحديات، والاستفزازات. وأشار إلى ان «الشعب السوري ينتظر منا أخباراً سارة، بالرغم من وجود «آخرين يعملون سراً وعلانية على استمرار النزاعات بشكل مضاد للمشروع الثلاثي الرامي إلى وقف نزيف الدماء في سوريا».
ملفات بوتين
واشاد الرئيس الروسي بحالة عدم الاشتباك السائدة في مساحة كبيرة من الأراضي السورية، معتبراً ذلك «نتاج جهودنا الإيجابية والملموسة» مؤكداً خلال لقائه نظيره التركي رجب طيب اردوغان، أن القمة «ستعطي دفعاً جديداً للتسوية السياسية في سوريا».
واكد على وجوب اتفاق الثلاثي على «موضوع خفض التوتر في إدلب» دون مراعاة «بقاء الإرهاب» هناك، لافتاً إلى ضرورة بدء عمل اللجنة الدستورية في المرحلة القادمة. كما اعلن مساعد الرئيس الروسي، يوري أوشاكوف، الاتفاق على وثيقة ختامية مشتركة عقب القمة الثلاثية بين الرؤساء الثلاثة المشاركين في قمة سوتشي.
فيما تحدث الرئيس روحاني عن ضرورة تحرير سوريا وخصوصاً ادلب من «الإرهابيين» وقال عقب القمة الثلاثية «ناقشنا الحاجة إلى مواصلة الحرب ضد الإرهاب في المناطق المتبقية، بما في ذلك إدلب، والجميع وافق على أن خفض التوتر ووجود قوات الدول الضامنة – على أساس مؤقت، فإدلب جزء من الدولة السورية، من الضروري القيام بتطهيرها من الإرهابيين، وتحت أي مسمى كانوا يجب أن يغادروا البلاد».
وبالرغم من عدم وجود مشروع وطني أو تمثيل سياسي لقضية الشعب السوري المطالب برحيل الأسد كبداية لأي معادلة سياسية، الا ان قمة سوتشي الرابعة للدول الضامنة في مسار أستانة امتازت برأي خبراء بأهمية بالغة على ثلاثة محاور، تحدث عنها الخبير في العلاقات التركية – الروسية، د.باسل الحاج جاسم، واهمها طرح مشكلة ادلب، واللجنة الدستورية إضافة إلى الانسحاب الأمريكي من سوريا، وآلية عملية الانسحاب. والخطوات التي ستتخذ للحيلولة دون حدوث فراغ عقب الانسحاب الأمريكي، حيث قدم كل طرف في قمة سوتشي إجابة مختلفة عن هذا السؤال، لكن المهم هو كيفية الالتقاء في نقطة مشتركة.
وفي هذا الإطار قال الحاج جاسم لـ «القدس العربي» ان مسألة المنطقة الآمنة لم تكن بعيدة عن أجواء محادثات القمة، اذ لم ترحب روسيا كثيرًا في المباحثات الثنائية الأخيرة بين (أنقرة وموسكو)، بإقامة منطقة آمنة عميقة، وقالت إن مساحة بعمق 15-20 كم كافية، واقترحت إحياء اتفاق أضنة من أجل إزالة مخاوف تركيا الأمنية، حيث من الواضح أن مسألة إحياء اتفاق أضنة كانت حاضرة من الجانب الروسي على جدول أعمال قمة سوتشي.
واللافت في تصريح بوتين حسب المتحدث هو عدم دعم موسكو لأي أطراف انفصالية في سوريا، ولا أي دعم للانفصاليين، حيث فسره على انه رسالة واضحة مطمئنة لمخاوف انقرة ومن خلال إعادة التذكير ايضاً بالاتفاق الثنائي الموجود بين أنقرة و دمشق للمحاربة المشتركة للإرهاب.
وأضاف «لقد سمعنا كلام واضح من القادة الثلاثة اردوغان، بوتين وروحاني، حول نقطتين في هذا السياق، مدى جدية واشنطن بالانسحاب، وضرورة عدم ترك مجال للإرهابيين في ملء الفراغ في حال تم الانسحاب، حيث كان الإجماع واضحاً بين أطراف أستانة على هاتين النقطتين.
وكما كان منتظراً بحثت القمة الخطوات المتعلقة بالمرحلة المقبلة في إدلب، وعلى الأخص وضع الجماعات الراديكالية المكونة من آلاف المقاتلين الاجانب، فلم يستبعد الخبير في العلاقات الدولية حصول عمل عسكري مشترك روسي تركي محدود ومدروس يستهدف نقاطاً معينة تنتشر فيها الجماعات المصنفة على قوائم الارهاب الدولي، ولاسيما الأجانب.
وترجم التوضيح الروسي في أكثر من مناسبة حول «ان عملاً عسكرياً محتملاً، سيكون محدوداً ومدروساً» على أنها رسالة مزدوجة لتركيا والأوروبيين، بحيث انه لن تكون هناك موجات نزوح ولجوء جديدة، وكذلك لن يتم إعطاء فرصة لتسرب المقاتلين الاجانب والعودة إلى بلدانهم، وخصوصاً حاملي الجنسيات الأوروبية.
وهنا يمكن القول إن كل ما سيجري تنفيذه لاحقاً هو سبق وتم الاتفاق عليه سواء في اتفاق سوتشي الثنائي أو في إطار أستانة، وحتى اليوم لم يتم استكمال تنفيذ بنوده، اما اللجنة الدستورية التي كانت حاضرة بدون الحديث عن تفاصيلها فقد تركت على ما يبدو لمباحثات آتية في إطار جولات استانة.
رساذل في أكثر من اتجاه
ورأى الحاج جاسم ان قمة الخميس أرسلت رسائل عدة في أكثر من تجاه، لعل أبرز تلك الرسائل ان مسار أستانة ما يزال ضرورة ثلاثية مشتركة، تلتقي في شق كبير منها، مع حاجة كل السوريين في وقف الأطماع الانفصالية، وكذلك إعادة طرح إحياء اتفاق اضنة، كمدخل لإعادة التواصل بين انقرة ودمشق ولو مبدئياً في مستويات منخفضة، إلا أنه سيكون أساساً لاعادة بناء الثقة وضرب المشروع الانفصالي الاستيطاني.
الرسالة الأخرى حسب المتحدث، أن إدلب ينتظرها استكمال بنود اتفاق سوتشي قبل أشهر، وتم وضع اللمسات الأخيرة عليها خلال زيارة وزير الدفاع الروسي لانقرة قبل قمة سوتشي بأيام، واي عمل عسكري سيبدأ في إدلب بالتأكيد سيترافق مع عمل آخر في منطقة سورية أخرى يسيطر عليها إرهابيون أيضاً.
وفي المحصلة يبدو ان الرسالة الاوفى قد حملت رفض كل إرهاب متطرف ديني أو انفصالي على أراضي الجمهورية العربية السورية التي أقرت ان سوريا فيها شعب سوري واحد وليس هناك شعوب سورية.