شعرية دوستويفسكي: رؤية لنيقولا برديائيف

حجم الخط
0

في كتابه «رؤية دوستويفسكي للعالم»* يؤكد لنا نيقولا برديائيف عن القيمة الملحمية التي بنى عليها دوستويفسكي فنيته. وأثبت لنا أنه كاتب مسيحي عرف كيف يعيد بناء معاناة الشعب الروسي والإنسان السلافوني من الداخل. فموهبة دوستويفسكي تتأتى له من فهمه غير المحدود لحساسية الإنسان الروسي، الذي يتراوح في اختياراته بين موقف عدمي وآخر رؤياوي (بتعبير المترجم، أو قيامي كما ورد على لسان برديائيف حرفيا). ولذلك يمكن أن نعتبر أن دوستويفسكي هو أفضل من عبّر عن مشكلة الروح لدى الشعب الروسي. وهذا هو الفرق الأساسي بينه وبين تولستوي الذي ركزعلى تباينات العالم الخارجي، فهو أفضل من أعاد صياغة التجربة النفسية مع الذات، بوعي وإدراك يمكن تصوره وتجسيده. وهذا يفرض علينا السؤال التالي: هل كان دوستويفسكي واقعيا؟
يجيب برديائيف: إن الواقع عند دوستويفسكي هو في اكتشاف مصير الروح الإنسانية. ومؤلفات دوستويفسكي جميعا ليست إلا حلا لمشكلة واسعة من الأفكار. وكانت مؤلفاته تمثل شفاعة من أجل الإنسان ومصيره، وتنتهي أخيرا بتسليم هذا المصير الإنساني إلى الإله – الإنسان أو المسيح. وكانت شخصياته متقلبة، وليس بوسعها أن تتحكم بالمعنى المرجو من الحياة. وهي شخصيات لها محتوى رموزي، فكل موقف من الوجود له رمز يحول انحرافات الحياة إلى فوضى نفسية يمكن صياغتها بالتصورات والإشارات، أو برموز ملموسة. واختار في رواياته الأساسية من «المساكين» وحتى «الأخوة كارامازوف» و«الجريمة والعقاب» لكل شخصية موقفا، هو فكرة وضعية مع رمز مطابق لها، ولذلك فإن رموز دوستويفسكي فضائحية. وهو يمتحن شخصياته بطريقة معدة مسبقا. يورطها بالاختيار ويجهز في الوقت نفسه الظرف لتنحرف وتسقط في مربع الخطيئة.

كانت مؤلفات دوستويفسكي تمثل شفاعة من أجل الإنسان ومصيره، وتنتهي أخيرا بتسليم هذا المصير الإنساني إلى الإله – الإنسان أو المسيح.

وهنا تتساوى لديه الأفعال والنوايا. فالإصرار على الخطأ لا يختلف عن ارتكابه لدى دوستويفسكي. وهذا هو معنى الحرية في فلسفته، فهي الحرية في الله وفي رعاية الخير ذاته. ولكن إنسانية دوستويفسكي بشرية ومعزولة عن السماء وساقطة حتما وملوثة بالدنايا، ولا يمكن أن تنعم بالنقاء أو بالطهارة التامة، وغالبا ما تستخدم رموزها الفاضحة لتشير إلى ورطتها، وهي الإصرار على الخطأ والتهرب من حمل المسؤولية، والدخول في صراع بيني مع الحياة والذات. وحياة دوستويفسكي حافلة بالفجوات، وشخصياته، كما عبر في «المقامر» في أوضح صورة، تندفع نحو الخسارة بدون أي مبرر. ولولا بطل «الليالي البيض» لكان سلوك كل شخصياته شرطيا وانعكاسيا، وبدون أي استعداد للتضحية أو الفداء. بمعنى أنه رسم شخصيات قلقة وينقصها جوهر الفكرة المسيحية التي يتمسك بها وهو العطاء، بدون مقابل. ولذلك كان أبطال رواياته انتحاريين أو فوضويين وعبثيين بالمعنى الذي تكلم عنه كامو بعد نصف قرن. وقد تلازم هذا التمرد مع ارتكاب الموبقات والخطايا ومع نزوع تدميري أو استهلاكي. وكانت مشكلة الحرية عند دوستويفسكي هي في افتراض أن الخير الحر يقود لحرية الشر. وتجد صدى لذلك في فكرة كيركيغور عن حرية الاختيار بين الخطيئة والإيمان. وهذه الحرية هي مصدر عذابات شخصياته. فهي المسؤولة عن مشكلة الشر والجريمة. وقد التهمت كل صفحات «الجريمة والعقاب» مناقشة مونولوجية دارت في لاشعور وذهن راسكولينكوف. فهو لم يتناول الشر من وجهة نظر القانون، ولكن باعتبار أنه سلوك إجباري شائن وطبيعي. ومثل هذا التفسير يقف وراء رفض دوستويفسكي للإلحاد. والحرية الملحدة تقود إلى الطغيان اللامحدود. وقد عكس بهذا الموقف دور النبي وحوله من حارس للقيمة إلى منشئ لها. ولذلك كانت افتراضاته عن المجتمع مغلقة وتدور داخل حدود تجربته النفسية التي يسميها برديائيف: قلقه الروحي أو جرحه الروحي.
والحب عند دوستويفسكي موجود ليكشف للإنسان عن طريقه المأساوي، وبالتالي إن الدور الذي يلعبه الحب يميل للمبدأ الذكوري، ومن هذه الطبيعة البشرية المعقدة نظر دوستويفسكي لعاطفة الإنسان البسيط والمقهور. ووجد أن الحب جزء من رحلة العذاب المكتوبة على الإنسان حتى يكتشف طريقه إلى الله. ومن الواضح أن هذا الحب لا يتضمن الرغبة بالضرورة، فهو معاناة، وشخصيات دوستويفسكي يجدون دائما مشكلة يعانون منها، وهي أقرب ما تكون لمعنى الحرمان أو للمبدأ الأفلاطوني المبشر بالإنسان الكامل. فكل شخص يبذل طاقته للحصول على حاجاته. وهذا هو أسمى أنواع السعادة والخير، أو الحب بلغة دوستويفسكي وغيره من رموز التنوير.

الحب عند دوستويفسكي موجود ليكشف للإنسان عن طريقه المأساوي، وبالتالي إن الدور الذي يلعبه الحب يميل للمبدأ الذكوري، ومن هذه الطبيعة البشرية المعقدة نظر دوستويفسكي لعاطفة الإنسان البسيط والمقهور.

ولذلك لم تكن المسيحية دين الحب، كما قال برديائيف، بل هي دين المحبة أو العاطفة المنزهة عن الرغبات والغرائز. واهتم دوستويفسكي في «الممسوسون» بحالة الصيرورة. وقد تابع الأكاذيب التي ظلمت مبدأ الروح عند الروس، وتسببت لهم بولادة مشوهة في العصر الحديث. وكان يعتقد أن الحرية الممنوحة للشعب الروسي انحدرت إلى الاستبداد، وعليه لم يكن هناك بد من الثورة. وقد رسم بهذا المنطق صورة للتغير الفاجع في علاقات الإنسان بالله والعالم. ورأى أن الثورة الروسية أفضت لعبودية الإنسان وإنكار حرية روحه. ومثل هذه النظرة السلبية نجمت عن إيمان دوستويفسكي بالشعب الروسي وبصراعه المرير مع الثقافة والنخبة. لقد أصبح الشعب أمة لكائن عضوي صوفي ينظر بعين الشك للنبلاء والأنتلجنسيا. وأعتقد أن الجريمة التي اقترفها راسكولينكوف هي جريمة طبقية وتزدري السلوك الربوي وتدينه، وبالتالي هي عقاب آلي لظاهرة مقيتة ومدانة وترفضها روح الحضارة. ومثل هذا التعميم يمنع الوعي الشعبي عند دوستويفسكي من الدخول في مرحلة انحطاط الروح وفساد الحضارة. وإذا اعتقد بردياىيف أن دوستويفسكي يؤمن بالشعب السلافي إيمانا دينيا، وأن الشعب لديه هو دينه، ليس بالمعنى اللاهوتي للكلمة، ولكن بالمعنى الروحي لرسالة الحضارة العميقة، فالشعب هو أداة للتنفيذ وحامل لعبء الجرح الحضاري، وهو ناجم عن عبودية الجموع وليس الأفراد أو روح الصورة. وقد وصلت هذه الرسالة بشكل موجز في مجموعة من أعماله الصغيرة، ومنها «الليالي البيض» و«القلب الضعيف»، بالإضافة لافتتاحية «الأخوة كارامازوف». فهذه الافتتاحية كانت تعقل الشرط الاجتماعي والعقد الغريب لاتفاق الشر مع الخير. والشر عند دوستويفسكي اجتماعي ومشخصن، ولكن الخير عنده مجرد وغامض. إنما هو بديهة مترسبة في روح شخصية الحضارة.

الثورة مفهوم ومخاض ويستحيل تصويرها مثل المعارك أو الصدامات على الجبهة، إنما في النهاية نحن تعلمنا من دوستويفسكي، كما قال برديائيف، الطابع الحي العيني والجوهري للأفكار.

وبضوء ذلك أفهم لماذا قال برديائيف: إن دوستويفسكي ينتمي لفترة إدراك الفاجع في العالم. يعني ليس روسيا فقط. ناهيك عن تحديد الفكرة بالشعب السلافي وحضارته. وأفهم أيضا لماذا أردف، أنه كاتب مرحلة تشكلت فيها الثورة الباطنة. وكان مصيبا جدا حينما أكد خذلان الظاهرة الشعبوية للنبوءة. فالشعب ارتد عن المسيح وانخرط بتفكير مادي وطبقي أفرز تناقضات المئة عام، وتسبب بأول ثورة أممية استولت على الدولة، بينما عادت الأنتلجنسيا لتكتشف الجانب الأصيل من روحها المسيحية ولتهبط إلى تحت الأرض، ولتعتزل العالم وتنتظر واقعها الروحي أو مستقبل حضارتها. وهذا يثبت أندوستويفسكي من أنصار مركزية الإنسان، والدين يتغلغل في عمق شخصياته، لكنه لا يلغي وجود البشر، وتبقى الصورة الإنسانية مستقلة وواضحة ولا يخفيها في اللامتناهي أو في أحضان الإله، كما فعل أدباء ألمانيا على سبيل المثال. لقد كاندوستويفسكي يتأمل إنسان الباطن بشكل بطيء ويرسم له مساره من الاجتماعي إلى الروحي، وهذا هو حال بطل «الليالي البيض»، فهو يبدأ من لحظة الحرمان باتجاه لحظة المأساة، أو إلى اكتشاف معنى الإنكار والجحود. وكل هذه الصور تضع الإنسان في مواقف صعبة وبجانب الإله، لكنها لا تمنح الشخصيات سلطات لتكون هي نفسها أو جزءا من واقع حياتنا المعاش.
لقد كتب دوستويفسكي عن أحداث جرت وقائعها عيانا وفي الخارج، ولا سيما عن الحرب والثورة. وأؤكد مع برديائيف إن دوستويفسكي كتب عن عدة أنواع من الحروب، ولكن ليس بينها أي حرب شاملة أو اقتتال. فهو لم يكتب عن حروب روسيا بطريقة تولستوي إنما تطرق لحروب محدودة، وتكلم عن صدمة الإنسان بالواقع الذي يختلف معه وعن خوفه وتلكؤه أمام حياته الغريبة وغير المفهومة. وربما عن ألغاز الوعي الباطن. وتجد أمثلة رائعة عن ذلك في «المقامر»، وهي رواية باردة وبطيئة وتلاحظ ما يحصل لكنها لا تفسره. وتجده كذلك في «الزوج الأبدي». وهي رواية يمكن تجزئتها لعدة مستويات ولكل مستوى منطقه ومردوده الذهني الخصب والخلاق، لكن مع هذا لم يقارب دوستويفسكي الثورة لأنها ليست حدثا خارجيا، لا آنيا، ولا يمكن الكلام عنها بمنطق الرموز والإشارة.
إن الثورة مفهوم ومخاض ويستحيل تصويرها مثل المعارك أو الصدامات على الجبهة، إنما في النهاية نحن تعلمنا من دوستويفسكي، كما قال برديائيف، الطابع الحي العيني والجوهري للأفكار.

٭ رؤية دوستويفسكي للعالم. نيقولاي برديائيف. ترجمة فؤاد كامل. منشورات آفاق. 2018. القاهرة. 237ص

٭ كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية