إسطنبول-“القدس العربي”: على الرغم من أن تركيا أعادت في الأيام الأخيرة تفعيل جريمة قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول، على المستوى السياسي والإعلامي والرأي العام العالمي، وأكدت بشكل قاطع أنها لن تتراجع عن مطالبها الأساسية في القضية، إلا أنها ما زالت لم تتخذ بعد قراراً نهائياً بطلب فتح تحقيق دولي في الجريمة التي ما زالت تتصدر أولويات الرأي العالم العالمي.
وبينما هددت أنقرة طوال الأسابيع الماضية بأنها باتت على أبواب تقديم طلب رسمي لفتح تحقيق دولي في الجريمة، إلا أنها لم تتحرك عملياً في هذا الاتجاه وعادت إلى محاولة تحريك القضية وزيادة الضغط الرسمي المباشر وغير المباشر على السعودية لإجبارها على تحقيق تقدم في ملف محاكمة المتهمين والإجابة على الأسئلة الصعبة المتعلقة بالقضية التي يتصدرها ملفا مصير الجثمان والمستوى السياسي الذي أصدر الأوامر بتنفيذ هذه العملية.
مصدر تركي خاص مقرب من الرئاسة التركية لم ينف في تصريحات خاصة لـ”القدس العربي” صحة هذا التقدير، مشيراً إلى أن تركيا ما زالت بالفعل تعمل على تأجيل تدويل التحقيق في قضية خاشقجي، وذلك لأسباب مختلفة تتعلق بالعمل في خيارات ربما تحمل نتائج أفضل على المدى القصير.
ويقول المصدر وهو من الصحافيين المرافقين للرئيس التركي في جولاته الخارجية: “صحيح أن تركيا هددت بتدويل القضية لكن لا يوجد هناك قرار نهائي بعد، التوجه الحالي يتمثل في الضغط بطرق مختلفة لإجبار السعودية على التعاون مع التحقيق التركي” مشدداً على أن ذلك لا يعني أنه خيار مستبعد ولكنه لا يعتبر الأفضل في الوقت الحالي.
ويضيف: “التقييم التركي خلص إلى أن السعودية ترى في التحقيق الدولي فرصة لأن يتحول إلى غطاء للمماطلة ورفض التعاون مع الجانب التركي من منطلق أن هناك تحقيقا دوليا وأن السعودية لم تعد مجبرة بالتعاون مع القضاء التركي، وذلك على أمل أن الولايات المتحدة ودولا أوروبية تدعم مساعيها لإفراغ أي تحقيق دولي من مضمونه من خلال المماطلة في إجراء التحقيق لسنوات ومنع صدور قرارات مهمة ضد شخصيات بارزة في السعودية وعلى رأسها ولي العهد محمد بن سلمان”.
ويتابع: “تدويل التحقيق هو خيار تركي أساسي، وتم إجراء الكثير من التحضيرات للجوء إلى هذا الخيار، ولكن أنقرة سوف تنتظر أطول لكي ترى ما سوف تتوصل إليه الضغوط على السعودية وإمكانية إجبارها على التعاون السريع والمباشر مع تركيا. أنقرة تعول كثيراً على ضغط الكونغرس الأمريكي على إدارة ترامب، وضغوط أخرى على الاتحاد الأوروبي، على أمل أن تجبر المملكة على التحرك، لا أن تدفعها لكي تركن وتبرر عدم تعاونها بانتظار نتائج تحقيق دولي ربما يستمر لسنوات” لافتاً إلى “الأيام المقبلة سوف تحسم ما إن كانت تركيا سوف تنتظر أكثر للحصول على نتائج مباشرة أو تتوصل لتوافق مع عدد من الدول لبدء تدويل التحقيق”.
وقال وزير الخارجية مولود جاووش أوغلو، الثلاثاء: “منذ يومين في واشنطن العاصمة قمنا أيضا بتقييم القضية مع وزراء خارجية دول أخرى. خلال الأيام المقبلة، جنبا إلى جنب دول أخرى، سنتقدم بهذا الطلب لأنه لا تزال هناك الكثير من الأسئلة التي لم تتم الإجابة عليها”.
ولفتح تحقيق رسمي من قبل الأمم المتحدة يجب على تركيا أن تقدم طلباً رسمياً في هذا الشأن، من خلال الأمين العام وذلك على غرار ما جرى في حالة اغتيال رئيسة الوزراء الباكستانية بنظير بوتو، أو من خلال مجلس الأمن كما جرى في قضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري.
وفي حال قررت تركياً رسمياً التوجه بشكل عملي نحو فتح تحقيق دولي في قضية مقتل خاشقجي، يتوقع أن تلجأ إلى تقديم طلب للأمين العام بشكل مباشر، وذلك في ظل وجود خشية من عرقلة تمرير القرار من خلال مجلس الأمن لا سيما من قبل الولايات المتحدة التي تلعب دور المدافع عن السعودية وولي عهدها محمد بن سلمان منذ بداية القضية.
ومراراً اتهمت تركيا الولايات المتحدة ودولا غربية مختلفة بمحاولة التغطية على جريمة خاشقجي، مقابل الحفاظ على مصالحها المالية والاقتصادية مع السعودية، وأكدت أن الدول الغربية لم تساعد تركيا لفتح تحقيق دولي في الجريمة.
وقبل أيام، أكد مولود جاووش أوغلو عزم بلاده مواصلة العمل على تقديم طلب بفتح تحقيق أممي رسمي في القضية، لافتاً إلى أن جميع دول العالم لا ترغب في تصدر القضية أو مساندة تركيا بشكل مباشر، مضيفاً: “نبحث طريقة تقديم الطلب الرسمي، من خلال مجلس الأمن، أو من خلال الأمين العام بشكل مباشر. من خلال الدول دائمة العضوية، أم من خلال كندا فقط. في الاجتماع الأخير لوزراء خارجية دول الناتو الكل يرحب لكن لا أحد يرغب في الدخول بهذا العمل بشكل مباشر، يقولون لنا اعملوا أنتم على القضية”.
وشهدت الأيام الأخيرة مزيداً من التحقيقات والتسريبات والكتب والتصريحات حول مقتل خاشقجي، ساهمت في إعادة القضية إلى الواجهة مجدداً، مضيقةً الحصار من جديد حول ولي العهد السعودي محمد بن سلمان كمتهم مباشر في الجريمة.
وبينما أعلنت المقررة الأممية النتائج الأولية لتحقيقاتها في القضية موجهة أسهمها نحو بن سلمان، كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” تسريبات جديدة تؤكد إشراف ولي العهد على خطط قديمة للتخلص من خاشقجي، بالتزامن مع تصعيد أنقرة لانتقاداتها للرياض بمواصلتها محاولاتها للتغطية على الجريمة مع الكشف عن عقد جلسة محاكمة سرية للمتهمين.
جاء ذلك عقب تأكيد أغنيس كالامارد، المقررة الخاصة للأمم المتحدة حول عمليات الإعدام من دون محاكمة أنها تمتلك أدلة تظهر أن جريمة قتل خاشقجي “متعمدة وتشكل الانتهاك الأخطر للحق في الحياة، وهو الحق الأساسي للجميع”.
وخلال زيارتها التي استمرت أسبوعاً إلى تركيا، التقت كالامارد بوزيري العدل والخارجية إلى جانب مسؤولين من الأمن والاستخبارات ومدعي عام إسطنبول، وياسين أقطاي وتوران كيشلاكتشي وهما مقربان من خاشقجي، إلى جانب خطيبته خديجة جنكيز، كما استمعت لتسجيلات الجريمة، فيما فشلت في دخول القنصلية السعودية في إسطنبول نتيجة رفض الجانب السعودي طلبها دخول المبنى الذي شهد جريمة قتل وتقطيع خاشقجي.
وعلى الرغم من أن أنقرة تعاونت على نطاق واسع مع المقررة الأممية، إلا أنها لم تقدم لها كافة الأدلة التي تمتلكها الجهات الأمنية والقضائية التركية خشية من أن تفقد أنقرة ما تبقى معها من أوراق ضغط ضد السعودية.
وبعد أيام من إصدار وكالة “الأناضول” التركية كتاباً يتضمن تفاصيل جريمة قتل خاشقجي بثلاث لغات، أصدرت خديجة جنكيز خطيبة خاشقجي كتابا آخر يتحدث عن تفاصيل الجريمة، وهو ما ساهم في أعادة القضية لصدارة وسائل الإعلام والنقاشات على مواقع التواصل الاجتماعي.