بيروت-“القدس العربي”:بعد 14 سنة على اغتيال الرئيس رفيق الحريري ثمة من يسأل ماذا بقي من الحريرية السياسية في ظل صعود الشيعية السياسية التي حلّت مكان السنية السياسية التي مثّلها رفيق الحريري بعد إقرار اتفاق الطائف منذ تسلّمه رئاسة الوزراء عام 1992 وبدء مشروعه الإعماري لوسط بيروت ومشروعه الإنمائي للبنان؟
من المعروف أن الحريرية السياسية التي حلّت مكان المارونية السياسية تميّزت باعتدالها وانفتاحها على كل الطوائف، لكنها نشأت في ظل الوصاية السورية التي همّشت القيادات المسيحية فنفت العماد ميشال عون إلى فرنسا وأودعت رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع في السجن، ما تسبّب في خلل في التوازن الوطني بدأ رفيق الحريري يشعر بثقله عليه في ظل إنكفاء الدور السعودي بعد انتخاب العماد أميل لحود رئيساً للجمهورية عام 1998 وتغلغل النظام الأمني اللبناني السوري في مجمل الحياة السياسية اللبنانية. وإمساكه بالوضع وكمّ الأفواه وإقفال محطة MTV وتنفيذ حركة 7 آب ضد مناصري التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية بعد مصالحة الجبل التي رعاها البطريرك الماروني الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير مع الزعيم الدرزي وليد جنبلاط عام 2001.
يومها كان الحريري الأب يدعم ضمناً التحركات المعترضة على أداء النظام السوري وبدأ ينفتح على بكركي التي أصدرت نداءها الشهير في أيلول/سبتمبر عام 2000 والذي طالب بجلاء الجيش السوري من لبنان، حتى إنه إتهم بالوقوف وراء صدور القرار 1559 عن مجلس الأمن الدولي الذي طالب بخروج القوات السورية من لبنان ونزع سلاح الميليشيات.
الرسالة الأولى التي وًجّهت للحريري كانت محاولة اغتيال الوزير والنائب مروان حماده في تشرين الأول/اكتوبر 2004 إلا أنها بدلاً من أن ترهب المعارضة الوطنية التي تكوّنت في لقاء قرنة شهوان ولقاء البريستول قوّتها فاندفعت في موقفها إلى أن اتخذ القرار بإزاحة رفيق الحريري خوفاً من تمدّد نفوذه ومن اكتساحه مع القوى المعترضة الانتخابات النيابية في أيار/مايو 2005.
لم يكن رفيق الحريري قد هيّأ الأرضية لأي توريث سياسي فوقعت العائلة في تخبّط مؤقت بين نازك وبهاء الحريري إلى أن رست المشاورات على قيادة سعد الحريري لخط رفيق الحريري. وقد استفاد سعد الحريري من التعاطف اللبناني الكبير الذي تكوّن بعد استشهاد والده ومن التأييد الدولي لاستعادة لبنان سيادته وحريته وخروج القوات السورية، فاكتسح كل المقاعد السنية والعديد من المقاعد المسيحية خارج جبل لبنان وزحلة التي حضر فيها تسونامي ميشال عون نتيجة الالتفاف المسيحي حوله بعد شعور مسيحي بأن التحالف الرباعي بين تيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي وحزب الله وحركة أمل ولو مطعّماً بحزبي الكتائب والقوات هو تحالف يستكمل تهميش المسيحيين منذ عام 1990.
وجاء الرهان من قبل بعض قوى 14 آذار على “لبننة” حزب الله في غير محله، حيث بدأ في مرحلة لاحقة يستعيد أنفاسه، مستفيداً من تفاهمه مع التيار الوطني الحر ومن صموده في حرب تموز/يوليو 2006 إلى أن انقضّ على القوى الاستقلالية في 7 أيار/مايو 2008 من خلال اجتياح بيروت وفرض الثلث المعطّل في اتفاق الدوحة فتطيير حكومة سعد الحريري ودعم تكليف الرئيس نجيب ميقاتي وتخويف النائب جنبلاط الذي نفّذ انعطافة سياسية.
وهكذا فإن الوصاية السورية استبدلت بوصاية حزب الله الذي صادر قرار الحرب والسلم، وانتقل إلى سوريا من أجل القتال إلى جانب النظام، وأخذ يفرض في الداخل مشيئته معطّلاً انتخابات رئاسة الجمهورية إلى حين التوافق على العماد عون رئيساً بعد تفاهم بين عون ورئيس القوات سمير جعجع وبعد تسوية بين عون والرئيس سعد الحريري. وتوالت التغييرات من خلال قانون الانتخاب على أساس النسبية الذي اعتبرت طهران أنه أوصل أغلبية موالية لها، ومن ثم من خلال تأليف الحكومة التي يطلق عليها البعض تسمية “حكومة حزب الله” لأنه نال ما أراد من تمثيل للشيعة وحجّم تمثيل القوات اللبنانية ومنع الثلث المعطّل عن التيار الوطني وفرض تمثيل سنّة 8 آذار.
انطلاقاً من كل هذه الوقائع، يسأل بعضهم أين سعد الحريري اليوم من مكانة والده؟
عن هذا السؤال يجيب مطلعون أن رفيق الحريري كان ابن ظرفه وسعد الحريري هو أيضاً ابن ظرفه. وما كان يواجهه الحريري الأب يواجهه اليوم الحريري الابن. وكما ظلم رفيق الحريري وشُوّهت صورته كذلك يُظلم سعد الحريري وتُشوّه صورته. وكما اختار رفيق الحريري المساكنة مع حزب الله والانصراف إلى مشروعه الإنمائي والاقتصادي كذلك اختار سعد الحريري المساكنة مع حزب الله والانصراف إلى تطبيق مشاريع “سيدر” الاقتصادية والإنمائية.
ويدرك سعد الحريري كما أدرك والده أن المساكنة مع حزب الله لا ترضي شارع “المستقبل” لكنّه يحاول تأمين أكبر قدر من الاستقرار في البلد وتفادي حصول اضطرابات إلى حين توافر ظروف مؤاتية تمكّن من رسم توازنات جديدة. وكان سعد الحريري واضحاً في الذكرى 14 لاغتيال والده بقوله “أعرف سلفاً أن هناك قضايا خلافية لن تشطب بجرّة قلم من حياتنا. والبيان الوزاري أجرى مقاربة لكثير من القضايا، على قاعدة تدوير الزوايا، ووجدنا مخارج في النص لعناوين خلافية عديدة” مضيفاً “الوجع معروف، والعلاج معروف” وختم “إما نأخذ البلد إلى فرصة إنقاذ حقيقية، وإما أن نترك البلد يغرق في الجدل البيزنطي حول جنس الحلول”.