نجح الجيش الوطني بقيادة المشير حفتر من الاستيلاء على حقل الشرارة أكبر حقول النفط في البلاد، إلا أن رئيس المؤسسة الوطنية للنفط رفض رفع حالة القوة القاهرة عن الحقل، وهو ما يؤكد وجود صراع بين حفتر والسراج على حقول النفط، وسيزيد هذا الأمر من تعقيد الأزمة الليبية وإطالتها، ويبدو أن حفتر يتجه إلى الاستيلاء أيضا على حقل الفيل، وبذلك يكون قد استولى على معظم حقول النفط في البلاد، بعد سيطرته على الهلال النفطي، وطرد قوات إبراهيم الجضران الآمر السابق لحرس المنشآت النفطية. كما أن المساحة التي يسيطر عليها حفتر في الشرق والجنوب، تجعله مسيطرا على معظم مساحة البلاد، إلا أن غرب البلاد يظل أهم من بقيتها فهو يضم 72 في المئة من عدد سكان البلاد، ولا يستطيع حفتر عسكريا السيطرة على المنطقة الغربية، التي تملك مدنها وقبائلها وخاصة مصراتة قوات عسكرية أكبر من قواته.
تحول حفتر من أسير سابق في حرب تشاد، إلى رقم صعب في المعادلة الليبية، فبعد أن رقاه رئيس الحكومة السابق علي زيدان من رتبة عقيد إلى رتبة لواء وأحاله على التقاعد، ها هو يسيطر على معظم النفط الليبي وعلى مساحة تزيد على مساحة ايطاليا وفرنسا، اللتان تؤججان الصراع في ليبيا، فمن الواضح أن فرنسا هي من طلب من حفتر السيطرة على الجنوب الليبي، وقدمت له المساعدات العسكرية والاستخبارية، وطلبت منه إنهاء وجود المعارضة التشادية في الجنوب، وتمكنت قوات حفتر من طرد المقاتلين التشاديين، بينما تولى سلاح الجو الفرنسي تدمير أرتالهم على الحدود مع تشاد. ولكن قوات حفتر لها خبرة في حرب المدن وليست لها خبرة بحرب الصحراء، وتستطيع المعارضة التشادية المتمرسة في حروب الصحراء تكبيده خسائر فادحة إذا اعتمدت على الهجمات المباغتة، مثلما حدث في الحرب التي خاضها الجيش الليبي في تشاد، وخاصة الهجوم على القاعدة العسكرية المحصنة في وادي الدوم، والهجوم المباغت على معطن السارة داخل الحدود الليبية عام 1987. وحفتر لا ينسى ذلك طوال حياته، فهو من قاد الجيش الليبي الذي تعمد القذافي تدميره هناك بعد أن توالت المحاولات الانقلابية، كما أن قبائل التبو لن تنسى لحفتر ما فعله بهم، بعد أن اتهموه بالإبادة العرقية وخاصة في أبوباري، والتبو خبراء في حرب العصابات وسيستعينون بقبائل التبو في تشاد والنيجر، وسيغرق حفتر في تلك الرمال المتحركة.
يسجل لحفتر أنه سلم الهلال النفطي للمؤسسة الوطنية للنفط بعد طرد قوات الجضران، وهو ما مكن حكومة الوفاق من دفع رواتب الليبيين واستيراد الأغذية والأدوية، ولكن أهدافه لا تزال غامضة في الجنوب، وبالتأكيد سيتعرض لضغوط دولية لإجباره على تسليم حقول نفط الجنوب إلى المؤسسة الوطنية للنفط.
وكان المبعوث الأممي غسان سلامة قد أعلن أنه سيجري محادثات مع السراج وحفتر ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح، وبالتأكيد فأن التطورات الأخيرة ستصعب مهمة سلامة المحفوفة بالمخاطر، ولا يستبعد أن يفشل مثلما فشل المبعوثون السابقون، لأن الأزمة الليبية لا يملك فيها الليبييون إلا أوراقا بسيطة، بينما يملك الفرقاء الإقليمون والدوليون معظم الأوراق، ويبدو أنهم يريدون إطالة الأزمة أطول وقت ممكن لأسباب غير واضحة، ولأنها لا تزال في أدراج المخابرات.
استولت قوات حفتر على حقل الشرارة دون أن تطلق طلقة واحدة، على عكس ما فعلت في الهلال النفطي، فبعد مفاوضات مع حراس الحقل دخلت إلى الحقل سلميا، وكان حراس الحقل قد أغلقوه وطردوا منه العاملين قبل أكثر من شهرين، مطالبين حكومة الوفاق الوطني بعدة طلبات بعضها تخصهم وأخرى تخص سكان الجنوب، ومعظمها طلبات خدمية كتوفير الكهرباء والوقود وغاز الطهي والسيولة النقدية والأدوية وغيرها. والأزمة الليبية انعكست سلبا على سكان الجنوب أكثر من غيرهم، فحتى ما توصله شركة البريقة لتسويق النقط لا يصل إلى محطات توزيع الوقود، وإنما تستولي عليه العصابات المسلحة ليهرب إلى دول الجوار، وخاصة أن الوقود في ليبيا هو الأرخص في العالم، فثمن لتر من الماء يساوي عدة لترات من البنزين ويدر على العصابات المسلحة أرباحا هائلة، وبالتأكيد بعد استيلاء قوات حفتر على الجنوب ستتحسن أحواله ويستتب الأمن، وتعود قوات الأمن إلى سابق عملها، وما كان حفتر ليستطيع الاستيلاء على الجنوب لولا التحالفات القبلية التي كانت وراءها فرنسا، فعبد المجيد سيف النصر زعيم قبيلة أولاد سليمان، الذي له ولعائلته علاقات وطيدة مع فرنسا منذ أن كانت تحتل الجنوب الليبي بعد الحرب العالمية الثانية، خاضت حربا ضروسا ضد التبو وحلفائهم من قبيلة القذاذفة في سبها، وتمكنت فرنسا من اقناعها بالتحالف مع حفتر، كما أن قبيلة القذاذفة لم تمانع في قدوم قوات حفتر الذي له علاقات واسعة مع أنصار النظام السابق وخاصة مع أحمد قذاف الدم، وهكذا قدم الجنوب على طبق من ذهب إلى حفتر، وكانت العقبة الوحيدة هي قبيلة التبو والمعارضة التشادية.
لن يتمكن السراج من استعادة الجنوب بسهولة ما لم تتغير التحالفات القبلية، فحتى بعد تعيين الفريق علي كنة آمرا لمنطقة الجنوب لم يستطع أن يفعل شيئا، وهو أيضا من أنصار النظام السابق وقاتلت قواته إلى آخر يوم في عمر النظام، بل أنه استعان باعتباره من قبائل الطوارق بطوارق الجزائر ومالي، وبالتأكيد فالطوارق سينظرون إلى مصالحهم العليا ولن ينجروا وراء ابنهم في مغامرة محفوفة بالمخاطر، فإذا كانت لايطاليا اليد العليا في طرابلس، فلفرنسا اليد العليا في جنوب ليبيا وفقا لمعطيات الجغرافيا والتاريخ.
وكان رئيس أركان قوات حفتر الفريق عبد الرازق الناظوري قد أعلن أنهم سيسلمون حقل الشرارة إلى المؤسسة الوطنية للنفط، إلا أن رئيس المؤسسة المهندس مصطفى صنع الله رفض رفع حالة القوة القاهرة عن الحقل، بحجة أن قوات حفتر تفرض حظرا على الطيران، والعاملون في الحقل لا يستطيعون الوصول إليه، ويتوقع أن يرفع الحظر قريبا.