‘أنثى السراب’ لواسيني الأعرج: قصة حب ومصائر متشابكة!

حجم الخط
0

باريس ـ من الطيب ولد العروسي: يعرف الروائي الجزائري واسيني الأعرج بغزارة إنتاجه في ميدان الرواية، إذ صدر له ما يقرب من 20 عملا إبداعيا، وزعها على موضوعات مختلفة منها ما هو تاريخي، بحيث خصص للأندلس مجموعة أعمال إبداعية، كما خصص للجزائر عدة أعمال. نذكر منها روايتين الأولى حول الأمير عبد القادر والثانية بعنوان ‘البيت الأندلسي’ الذي تكلم من خلالها عن الحياة في الجزائر العاصمة، كما عالج في روايات أخرى مجموعة من الهموم الإنسانية، مثل رواية ‘سيدة المقام’، ورواية ‘أنثى السراب’ الصادرة في بيروت، عن دار الآداب، وتقع في 554 صفحة من الحجم الكبير. هذه الرواية تتعمق في الذات الإنسانية، ذات المتكلم/ الأنا، لأنها بمثابة سيرة ذاتية، وقد كتبها بأسلوب يتداخل فيه الحاضر بالماضي، إلا أنه وإن كان بأسلوب مفكك ومشتت، وهو ما يعتبر من بين أصعب أساليب كتابة الرواية، إلا أنه في روايته يريد عبر عمله نقل تلك التجربة المؤلمة، مما يبين سيطرة الكاتب على هذا الأسلوب وإتقانه له إلى درجة تجعل القارئ يغوص مع الروائي في أدق التفاصيل وأعمق الرموز التي يريد إيصالها إلى القارئ، فتشده إلى درجة الاندماج في الأحداث، بحيث تتم عملية الحكي عبر رسائل متبادلة بين الحبيبين، (سينو، وليلى/ مريم)، ولذا فإننا عند قراءتنا للرواية، نجد أنفسنا نتأرجح بين الأزمنة والأمكنة، وبين علاقات الراوي المتنوعة، بداية من وجع (أو جرح) الذات الذي يعتبر نقطة انطلاق إستراتيجية لرسم معالم الرواية، فبعد الوعكة الصحية التي أصيب بها واسيني خلال سنة 2008، والتي اضطرته للدخول إلى أحد المستشفيات الباريسية، وأجبرته على البقاء في مكان واحد، مع عدم القدرة على التنقل، فقد بدأ أثناء إقامته في المستشفى في رواية الكثير من الأحداث المتصلة بهذه المعاناة، موظفا ساعة الحائط بدقائقها وثوانيها، إضافة إلى تبلور وتطور الأحداث يوما بعد آخر، وهو يعانق حلم الخروج من الوجع الذاتي الذي كان يتألم منه، متذكرا أحلى أيامه وأمرها.

في هذه العجالة أريد أن أتكلم عن أربعة من ضمن المحاور التي تطرق إليها الكاتب في روايته، وبما أننا تحدثنا عن وجع الذات، فلقد تطرق الراوي إلى استشهاد والده خلال حرب التحرير الجزائرية، وتركه طفلا صغيرا مع والدته وإخوته، وقد عرف اليتم وهو طفل صغير، كما عرف ‘ظلم ذوي القربى’ من خلال معاناة والدته من أقرب الأقربين إليها، وعن تساؤل الجيش الفرنسي الدائم عن غياب الوالد المجاهد أثناء مرورهم بالقرية التي كانت تسكن فيها الأسرة، فهذه المعاناة انعكست على الراوي شخصيا وهو طفل صغير، أخذ المعاناة واليتم يكبران معه، خاصة مع وفاة أخ قريب منه، هذا الأخ الذي كان بالنسبة إليه بمثابة الصديق والأنيس والأخ، مات وهو في العقد الرابع من عمره منذ سنوات قليلة، بعد صراع مرير مع المرض، وترك وراءه أولادا،’هكذا إذن تنسحب من الدنيا بصمت مثلما جئتها، بدون ضجيج، على إيقاع خافت لأم دفنت منذ أربعين عاما زوجها وابنتها وانتظرت شرف النوم الأخير بين يدي الابن الوحيد الذي رفض أن تبدد حنينه مغريات المدن الخادعة، وبقي بجانبها كما اشتهته أن يكون’ (ص.432 من الرواية). كل هذه الجروح الذاتية والأسرية أثرت كثيرا في ‘سينو’ ـ بطل الرواية – وتركته يتقبل الواقع بنوع من الحنكة والفلسفة.

المحور الثاني، وهو الذي تدور حوله معظم أحداث الرواية، والذي يتمثل في كون ‘سينو’ يعيش محاصرا أو متدحرجا بين زوجته وبين حبيبته، فكيف يوفق بين الحياتين أو بين الواقعين؟ هذه هي العملية التي يحاول المؤلف شرحها أو التحدث عنها بكل شجاعة، وهو لا ينسى أن يتكلم عن تلك اللحظات الرائعة التي كان يعيشها مع الحبيبة، هذه الفتاة التي أحبها منذ صغره، لكن الظروف فرقت بينهما، لتتزوج هي برجل غني، ويتزوج هو امرأة أخرى، وهي علاقة إنسانية استثنائية، لأنها تتطلب الكثير من الصبر، كما تتطلب الكثير من التحديات الاجتماعية والنفسية، لأنها من نظرة المجتمع السائدة تعتبر علاقة مدنسة، علاقة غير متوازنة، ولذا نرى تعايش الغريب ما بين المدنس والمقدس، إذ كيف يتعايش الراوي مع وقائع لا تنسجم مع معطيات الحياة في مجتمعاتنا، وكيف تتعانق هذه الأشياء المتعارضة؟ رجل متزوج لديه أولاد، مع امرأة هي الأخرى متزوجة وأم لطفل- والذي يبدو ما بين سطور الرواية أنه ابن الراوي- فهذه الثنائية تتطلب الكثير من الشجاعة، والكثير من التحايّل والمثابرة، لاسيما أن الراوي ظل يتعايش مع الممنوعات والمحرمات في عرف المجتمع والدين، وهنا يبدو أنها لعبة من واسيني الأعرج، الذي أدخل في سيرته هذه المغامرة المميزة والغريبة في الوقت نفسه، وهي تدعو إلى التأمل والحيرة، إذ نلاحظ لدى قراءتنا للإهداء المثبت في بداية الرواية، نرى الكاتب يخاطب ابنته ريم، والذي يشير فيه بأن هذه المرأة هي امرأة من ورق، امرأة ليست ككل النساء، امرأة ورقية تريد أن تسترجع هويتها ليعرف كل الناس عذاباتها وهي التي تعيش في الظل، ولكي تثبت لهم بأنها ليست امرأة ورقية، بل امرأة حقيقية، وهي هنا تقرر تأليف كتاب عن علاقتها مع رجل يتأرجح بين الموت والحياة.. تعايش معها الراوي وهي تظهر تارة باسم ليلى وتارة أخرى باسم مريم، والجدير بالذكر أن اسم أغلب بطلات رواية واسيني تحمل اسم مريم، وحتى أن هناك رواية له تحمل عنوان ‘مصرع أحلام مريم الوديعة’ التي نسج المؤلف من خلالها، خيالات مريم وعشقها وحكاياتها، ومن ‘بؤبؤ عينيها ومسحة قلبها الصوفي عالما من الكلمات’، ونجد هذه الشحنة من الأحداث حية في تبادل الرسائل بين مريم/ ليلي، وبين سينو، ومن خلال هذا العمل نحس بتلك الإنسانية المتألقة، وهي علاقة فيها الكثير من العطاء والنمو الإنسانيين عبر عدة فضاءات للقاء، فنادق، مقاه، شوارع في الكثير من مدن العالم، وتأتي في مقدمتها الجزائر ثم باريس التي يخصها الكاتب بأوصاف رائعة وجميلة.

فنحن أمام عوالم يملأها الحب والعطاء والتحديات، ولكل شيء ثمن، نرى ذلك عندما تقتل الحبيبة برصاصة طائشة، حيث يقول واسيني ‘وفي اللحظة التي تفكر فيها ليلي عن طريق لحظة غيرة أو ارتداد إلى النفس أو خيبة في القتل، فإنها تقتل نفسها، لأنها تقتل صورة لها مساحة أكبر منها، وهي صورة الأدب، ففي النهاية تقتل ليلى نفسها بغباء، لأنها دخلت في رهان لم يكن مفروضا أن تدخله نهائيا’ ‘1’. وهنا نلاحظ أيضا أن العاشقين تناولا في الرواية فكرة الحب الذي يتأجج ويستمر خارج مؤسسة الزواج، ورغم ذلك فالبطلة تلومه على عدم اقترانهما ‘أحملك الخراب الذي لحق بسعادتنا. ماذا لو تزوجنا؟ ستقول لي بفلسفتك الوجودية المعهودة: لم نتفق على تقييد حرياتنا؟’ ‘ص.72 من الرواية’. تتمحور النقطة الثالثة حول لقاء الكاتب مع الإبداع، وذلك عندما بدأ يفك الحروف في قريته وهو طفل صغير، عندما بدأ بتعلم أبجديات القراءة، كان يقرأ كتابا ذا صفحات صفراء، فكر بأنه القرآن، ولكنه مع مرور الأيام تبين أنه كان يحفظ في بعض من ليالي ‘ألف ليلة وليلة’ مما فتح ذهنه مبكرا على السرد، والاطلاع على المسكوت عنه، وعلى عوالم شهرزاد وشهريار، أي أنه ارتكب وهو طفل، ذلك المدنس الغامض الذي لم يكن يعيه، إن صح التعبير، من دون أن يدري أو يشعر، بيد أن هذا النص فتح له عوالم الإبداع وربما كان هو السبب الكامن في أعماق الأديب فتفتقت موهبته ليصبح على ما هو عليه الآن أديبا وروائيا مميزا. إذ يقول في لقاء حول كتاب ألف ليلة وليلة ‘ألف ليلة وليلة غيرت مسار حياتي، حتى صرت وأنا طفل صغير أقرأ بحواسي وبالخيال، قرأت آلاف الكتب في حياتي من كتب وروايات ونصوص، لكن النص المؤسس بالنسبة لي هو ‘ألف ليلة وليلة’ والتي كانت سببا رئيسا في أن أعشق اللغة العربية’ ‘2’النقطة الرابعة، تتلخص في الأحداث التي عاشتها الجزائر خلال العشرية السوداء، وموقف المثقف منها، هذا المثقف الذي استثمر في حياته العلمية ليعود إلى بلده للقيام بالتحديات المنتظرة، نراه غير مرغوب فيه في وطنه، ويرى جزائره قد داهمها الألم وغزاها شبح الموت، مما دفع ببعض هؤلاء المثقفين إلى التشتت في المنافي، وهنا يروي المؤلف مسارات لبعض المثقفين الجزائريين الذين كانوا يتعايشون مع الألم يوميا، وهو واحد منهم، كما تكلم على بعض من أدوا بحياتهم ثمنا لهذه الأوضاع المحيرة والمجنونة في الوقت نفسه.

هكذا نجد أنفسنا في عوالم رواية ‘أنثى السراب’ في أجواء من الوجع والألم والحب والتحديات والذكريات، وهي تلخص بشكل أو بآخر تحديات ومعاناة المثقف، وتحديات الإنسان في عالم الممنوعات والمحرمات، في عالم المسكوت عنه، الذي فجره الروائي بكثير من الحكمة وبكثير من الصراحة. والرواية مكتوبة بأسلوب وحركية تأخذ بلب القارئ ومشاعره وتجعله لا يتوقف عن قراءتها، حتى يعرف أو يلمس نهاية مصائر الأشخاص المتشابكة والمتعانقة في زحام الأحداث والإرهاصات المرسومة أو المثبتة في سيرورة وتطور الحكي.1 و2 راجع اللقاء الذي أجراه الكاتب مع مجلة ‘المجلس’ الصادرة عن مجلس الشعر العماني، عدد 7 شباط/فبراير 2010.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية