المعركة على ليبيا: صراع في الجنوب والحل يبدأ من البلدية

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

تعاني ليبيا منذ الحملة الأمريكية – الناتو للإطاحة بنظام معمر القذافي عام 2011 من حالة فوضى وتنافس دولي وإقليمي لدعم الوكلاء المحليين، وحكومتين واحدة في الشرق وأخرى في الغرب ونزاع مستمر على المصدر الرئيسي والوحيد لاقتصاد البلاد وهو النفط، وخطر نابع من الجماعات الجهادية التي حاولت بناء حضور لها كما فعلت في العراق وسوريا وخلفت وراءها دمارا وفوضى كما هو الحال في مدينة سرت ودرنة.  وفوق هذه الخلطة من الأزمات تواجه البلاد تحدي الميليشيات التي شاركت في الانتفاضة ضد القذافي حتى قتله في تشرين الأول (أكتوبر) 2011. وهذه تسيطر على حصة في البلاد ولديها أتباعها المسلحون وأقامت شبه إمارات حرب. وفي الوقت نفسه ظلت جهود الدول الخارجية مقتصرة على احتواء الأزمة الليبية بحيث لا تؤدي فوضاها إلى عبور المهاجرين الذي اتخذوا من ليبيا معبرهم إلى جنوب أوروبا أو مكافحة الإرهاب بحيث لا يصل إلى المدن الأوروبية وملاحقته في المدن الليبية. وهناك دول مثل روسيا تحاول العودة إلى ليبيا من خلال استعادة مصالحها التي خسرتها بعد ثورة عام 2011 وهذا يفسر تبنيها الجنرال المتقاعد الذي انشق عن القذافي في الثمانينات خليفة حفتر الذي يدير ما يطلق عليه الجيش الوطني الليبي ويدعم حكومة الشرق. وبالنسبة لدول إقليمية أخرى مثل مصر والإمارات، فليبيا هي ساحة أخرى لمواجهة الإسلام السياسي. وفاقم تضارب المصالح الخارجية الوضع الداخلي بحيث أثر على عمل الحكومة المعترف بها دوليا وهي حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج وهي الحكومة المعترف بها شعبيا. ويبدو هم المبعوث الدولي للأزمة الليبية غسان سلامة هو بناء إجماع وطني وتعديل الوضع السابق بحيث يسمح بإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية هذا العام. إلا أن العنف المندلع وبشكل مستمر واستمرار الدول الخارجية فرض قراراتها على القرار الوطني وتعامل الولايات المتحدة مع ليبيا كساحة من ساحات مواجهة الإرهاب، خاصة بعد مقتل السفير الأمريكي في إيلول (سبتمبر) 2012 تماما كما تفعل في دول الساحل والصحراء والصومال والنيجر، يعني استمرار التنافس وصراع الإرادات الليبية.

عملية في فزان

وهو ما بدا واضحا في المعارك الأخيرة في الجنوب التي أرسل حفتر قواته إليها للسيطرة على حقول النفط فيها خاصة حقل الشرارة والفيل. فيما يراه المحللون محاولة منه لإحكام السيطرة على الثروة الوطنية بعد سيطرته على ما يعرف بالهلال النفطي. وبالتالي موضعة نفسه بشكل قوي في المحادثات المقبلة التي ترعاها الأمم المتحدة. وكعادة حفتر فقد برر انتقاله إلى الجنوب لمكافحة الإرهاب وملاحقة جماعات تشادية قال إنها اتخذت الجنوب كمركز لنشاطاتها المعادية لنظام إدريس ديبي. وذكرت صحيفة “الغارديان” (8/2/2019) أن الطيران الفرنسي شارك في عمليات قوات حفتر، ونقلت عن مصادر في المتمردين التشاديين قولهم إنهم كانوا هدفا للغارات. وقالت الخارجية الفرنسية إن الهجمات التي قام بها الجيش الوطني الليبي استهدف إرهابيين والعملية ستمنع بشكل دائم عملية تهريب المهاجرين إلى أوروبا عبر ليبيا. وتعني سيطرة حفتر على معظم القطاع النفطي الذي ظل المؤسسة الوحيدة الفاعلة في البلاد تمسكا بأوراق القوة. فقد حاول الدبلوماسيون الأجانب ولأسابيع المناقشة والتفاوض مع حفتر لعدم تحويل الموارد المالية من منطقة الهلال النفطي للحكومة الصغيرة في الشرق ونقلها لشركة النفط الوطنية في طرابلس. وهددت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات على حفتر والتوقف عن شراء النفط الليبي. ولم يتجاوز معدل الإنتاج النفطي عن مليون برميل في اليوم. وأدى توقف الإنتاج في حقل الشرارة في كانون الأول (ديسمبر) إلى حرمان سوق النفط من ثلث الإنتاج إي بمعدل 315.000 برميل في اليوم بالإضافة لتوقف الإنتاج في حقل “الفيل” الذي يعتمد على حقل الشرارة لتزويده بالكهرباء وينتج يوميا 73.000 برميل. وبات حفتر يسيطر على حوض سرت، الذي يحتوي على معظم احتياط النفط الليبي وعلى راس لانوف حيث يتم تصدير النفط الليبي عبره. ويعتبر النفط الليبي مهما في ظل العقوبات التي تعاني منها إيران والفوضى التي تعيشها فنزويلا.

صناعة المال

وترى مجلة “إيكونوميست” في عددها الأخير أن سيطرة حفتر على النفط تعني سلطة على حكومة الوفاق الوطني التي لا تسيطر إلا بالكاد على العاصمة طرابلس. وأشارت المجلة إلى مشكلة فزان في الجنوب الليبي حيث انتقل إليها النزاع الحالي بين الشرق والغرب. وتعاني فزان تقليديا من تناحرات قبلية وعرقية. وسيطرت قوات حفتر على مدينة سبها التي يسكن فيها خمس سكان المنطقة. ورغم تأكيد قوات حفتر على أنها لا ترغب بالسيطرة على مناطق جديدة بل وتريد الحد من نشاطات المرتزقة والتهريب، إلا أن الجيش الوطني الذي يزعم قتال الجماعات الأجنبية يتحالف نفسه مع قوات أجنبية من دارفور، وهي فصائل من جيش تحرير السودان وانشقت بعد توقيع اتفاقية سلام مع الخرطوم عام 2006. وترى المجلة أن التحالف بين هذه الفصائل قائم على المصلحة وليس الأيديولوجيا، فالجنوب الليبي يمثل فرصة للهروب وصناعة المال. وتقول إن الجماعة الجهادية الرئيسية في بنغازي تدفع 3.000 دولار مقابل تجنيد المقاتل الأجنبي، فيما يتم بيع اللتر (10 دولارات) من النفط المدعوم والمهرب إلى تشاد بعشرة أضعاف سعره. ومنذ الإطاحة بنظام القذافي كان تهريب النفط إلى دول الجوار واحدا من طرق الحصول على المال لسكان الجنوب بالإضافة لتهريب الأفارقة إلى الشمال. ويضاف إلى هذا تهريب المخدرات. ووسط هذه الفوضى وجدت جماعات المتمردين في تشاد والسودان الجنوب الليبي ملجأ أمنا. وفي الوقت الحالي ضرب معارضو ديبي بالطيران الفرنسي أما متمردو دارفور فهم منشغلون بشراء سيارات الدفع الرباعي ربما لاستخدامها ضد حكومتهم. وحتى لو استطاع حفتر السيطرة على الجنوب ومعظم ليبيا فهل يعني توقف الحرب في البلاد؟ والجواب لا، خاصة أن الجنرال نفسه يظل محلا للجدل، فقد يكون مخلصا وقوة استقرار في نظر أنصاره ولكنه يظل جزءا من المشكلة لا الحل، خاصة منذ إعلانه حملة الكرامة عام 2014 فقد ارتكبت جماعته جرائم حرب ودعم جماعات سلفية لا تختلف في نظرتها عن الجماعات المتشددة الأخرى.

الحل

وقد يقول البعض إن الحل بعودة الدور الأمريكي الفاعل في ليبيا، وهو الدور الذي توقف بعد مقتل السفير كريستوفر ستيفنز في القنصلية في بنغازي. ولم تعد ليبيا جزءا مهما في السياسة الخارجية للإدارة الحالية. وقد يرى البعض الحل بالمصالحة الوطنية وفرض صيغ مثل التي انتجها مؤتمر الصخيرات عام 2015 وما يواصله المبعوث الدولي لليبيا، سلامة، أي محاولة جمع الأطراف وتهيئة الأجواء لانتخابات برلمانية وربما رئاسية، وهو ما كان يفترض عمله العام الماضي. وهذا هو مجمل ما يطرح لحل الأزمة الليبية التي تبدو مستعصية في ظل التناحر الداخلي. وتظل في السياق العام صعبة التحقيق نظرا لتمسك كل طرف في النزاع بمكاسبه وما يراه أحقية في حكم ليبيا الممزقة.

وتظل ليبيا مهمة لا لنفطها أو موقعها الإستراتيجي بل بسبب الفوضى التي تعيشها، فلم تعد المقولة المعروفة “ما يحدث في ليبيا يبقى في ليبيا” قائمة، وطالما فشلت المصالحات ولم ينجح حل الانتخابات في تحويل البلد الذي عاش ديكتاتورية إلى ديمقراطية فما هو الحل إذا؟ يرى تقرير أعده معهد بروكينغز وصدر في 11 شباط (فبراير) 2019 تحت عنوان “تقوية اللامركزية: استراتيجية أساسها المدينة لإعادة لبناء ليبيا” من 22 صفحة أن الحال محلي ومن القاع. وحلل المشاركون في التقرير مشاكل البلاد الرئيسية التي أشرنا إليها في البداية، بما في ذلك التدافع الدولي القائم على مصلحة كل طرف لا مصلحة الليبيين واقترحوا سلسلة من التحركات لحل مشكلة السلطة في ليبيا. ويرى الباحثون أن ليبيا لا تزال في حالة من الفوضى ومصدرا ممكنا للإرهاب مع مخاطر لزيادة التأثير الروسي بمرور الوقت وعدم وجود ضوء في نهاية النفق المظلم والمحادثات التي تقودها الأمم المتحدة. ويجب أن يقرأ التقرير على أنه استراتيجية مقترحة لكيفية تعامل الولايات المتحدة مع ليبيا، فالدور الأمريكي في توحيد الفصائل المتناحرة مفقود. ومنذ ان عبر باراك أوباما عن ندمه بشأن الوضع في ليبيا لم يجر أي تحرك أمريكي ذا معنى. وحتى يتحول الموقف الأمريكي من مجرد الكلام الجيد لدعم المهمة التي تقوم بها الأمم المتحدة، على واشنطن أن تبدأ خطوات عملية لتأكيد حضورها على الأرض من خلال تعيين سفير أمريكي في طرابلس. فوجود السفارة مهم للتفاعل الأمريكي مع الليبيين من كل المناطق والقبائل والعمل من خلالها على برامج اقتصادية وتنموية عدة. وبدلا من التركيز على ما يسمى بالعملية السياسية، يدعو الباحثون لتجاوز اللاعبين الحاليين والتركيز على مناطق الحكم المحلي-المجالس القروية والبلدية. فمن خلال الأمم المتحدة والدول الأخرى والليبيين العمل مع البلديات المنتخبة والميليشيات الداعمة المستعدة للتخلي عن نشاطاتها غير الشرعية والالتزام بقواعد السلوك العام. وهذا لا يعني تناسي المؤسسات الحيوية مثل تعاون الدول الأخرى على بناء قوى مثل خفر السواحل الموكلة حماية المؤسسات الحيوية للبلاد. وبالترافق مع هذا يجب أن تعمل الولايات المتحدة على بناء إجماع إقليمي ودولي يحدد من التدخل في الشؤون الداخلية لليبيا ودعم جهود الأمم المتحدة. ويرى الباحثون أن معيار “المدينة” ليس تحولا جذريا ولا محاولة للتحايل على القوى الموجودة-حكومة، ميليشيات، تكنوقراط وأفراد آخرين – بل يتساوق مع الواقع الليبي واحتياجاته. ويدعو النموذج للتركيز في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية على عشرات البلدات و15 مدينة كبيرة. والمعيار للتعامل يقوم على أحقيتها من موارد النفط والدعم الدولي. ولتجنب الفساد وسوء استخدام المال يرى الباحثون إنشاء هيئة رقابية مشكلة من التكنوقراط الليبيين والخبراء الأجانب. ويقولون إن الميليشيات المسلحة لا تملك تلك الأيديولوجية الخطيرة التي تعبر عن الجماعات الجهادية، فهي فصائل مسلحة قام بعضها على بعد قبلي لحماية حقوقها والحصول على حصتها من ثروة البلاد، مما يعني إمكانية دمجها في النموذج المقترح، هذا إن تعهد بالالتزام بشروطه ومعاييره. ويعتقد الباحثون أن بناء المؤسسات المحلية وتعزيز دور البلديات قد يؤدي يوما ما لبناء المؤسسات الوطنية. وما يقترحه التقرير هو عملية بناء من أسفل لأعلى لا العكس. ولو طبق فلا حاجة للتعجيل في الانتخابات رغم أهميتها ولعدم وجود أي بديل لإنشاء حكومة وطنية. ولا يمكن إنجاز هذا النموذج بالضرورة بدون السعي للمصالحة وتحقيق الأمن وبناء مؤسسات موحدة ومستقلة للأمن والمؤسسة العسكرية وغير ذلك من الأمور. وفي النهاية يجب أن تكون الجهود ليبية وبأيدي الليبيين. على الأقل هذا ما يقوله الباحثون.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية