سؤال الى المجلس الأعلى للقوات المسلحة: هل رؤساء تحرير الصحف القومية أهم من مبارك؟

حجم الخط
0

محمد عبد الواحد

رغم تحفظي على وصف القومية، الا انني مضطر لاستخدامه اليوم فقط، حتى أوضح نوعية الصحف والمجلات التي أعني، كذلك فرضت ثورة 25 يناير القوات المسلحة كسلطة ـ أرجو أن تكون مؤقتة ـ أخاطبها كصحافي في ‘الأهرام’ لا يعرف من المسؤول سياسيا الان عن الصحافة القومية بعد أن احترق المجلس الأعلى للصحافة.

لكن المهم هو أن مؤسسة الاهرام حتى كتابة سطوري تشهد بصورة أو بأخرى ما شهدته شوارع مصر بعد 25 يناير الماضي، مع فوارق بسيطة تستبدل فيها اللكمات والشتائم البذيئة بقنابل المولوتوف وأسلحة معركة الجمل والجحش، لكن رئيس تحرير ‘الأهرام’ والمحيطين به مازالوا لا يعرفون أن الثورة قامت والدنيا تغيرت، وردود أفعاله حتى الآن تؤكد صدق تفوقه في حفظ خطب الرئيس السابق المعنية بالتعامل مع الثورة على أنها مجرد ‘قلة مندسة’. ويتصور رئيس التحرير والمحيطون به ان استبدال شعار ‘تحيا الثورة’ بـ’يحيا مبارك’ كاف ليكون مستمرا في عمله، متصورا أن الأمر مجرد تغيير لمحل الإقامة أو نوع المهنة في بطاقة الرقم القومي، لقد سقط مبارك وهو لم يكن مجرد شخص، بل كان نظاما تقوم على خدمته وسائل إعلام وتعذيب ونهب وسلب، وبالتالي لا يصح ان يتصور رؤساء تحرير الصحف القومية أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة سيقوم بدور كانت تقوم به وزارة الداخلية السابقة ومندوبوها في تلك الصحف لحماية النظام السابق ورؤساء تحريره، وإرهاب زملائهم في تلك الصحف، وقد كان مشهدا مريبا ان أدخل الى صالة تحرير ‘الاهرام’ أمس فأجده محاصرا بحوالى 20 فردا من جنود الشرطة العسكرية في حال تأهب وأسلحتهم تعيق مرور المحررين في الممرات الضيقة حول صالة التحرير، وسرت أقاويل كثيرة مفادها أن رئيس التحرير استدعى تلك القوات لحماية ممتلكات المؤسسة من القلة المندسة التي تطالبه بالتنحي، وأن الشرطة العسكرية هي التي حضرت من تلقاء نفسها لمنع خروج وثائق ومستندات مسؤولين في ‘الأهرام’ يحاولون تهريبها منعا لاستخدامها ضدهم، على خلفية ما حدث يوم الجمعة الماضية، حيث حاول رئيس التحرير تهريب عدد من صناديق الكرتون الخاصة به، فتم منعه من جانب عدد من محرري الجريدة وتشكلت لجنة كنت عضوا فيها لفحص تلك الصناديق، ووجدنا بها أوراقا ومستندات تخص المؤسسة وغيرها من مؤسسات النظام السابق، وحضرت الشرطة العسكرية على الفور وحاصرت مبنى ‘الأهرام’ ومنعت خروج الصناديق، وفي اليوم التالي التقى بعض أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة بعدد من رؤساء تحرير الصحف وجرى حديث عن ملكية الصحف القومية في الوقت الحالي، وطرح سؤال حول الجهة التي يمكن لرؤساء تحرير ومجالس ادارات الصحف القومية أن يقدموا اليها استقالاتهم، وكان رد المجلس ان تسيرالامور حاليا كما هي عليه حتى تتضح الصورة، ويظهر مجلس الشورى وتوابعه، وفهم من أراد أن يفهم خطأ من رؤساء التحرير ان المجلس الأعلى للقوات المسلحة يساندهم، وأراد مسؤولو ‘الاهرام’ تأكيد الرسالة بإحضار الشرطة العسكرية لتنتشر في الطابق الرابع ـ فقط – من مبنى ‘الاهرام’ الذي يوجد به مكتب رئيس التحرير وصالة التحرير ليعرف المحررون ما هي القوة الموجودة على أرض ‘الأهرام’ الآن.

على الجانب الآخر لم يظهر رئيس التحرير ليوضح لزملائه سر هذه الغزوة المفاجئة من الشرطة العسكرية لمكاتبهم، فضلا عن تجاهله ـ على طريقة مبارك ـ احتجاجات المئات منهم على سياساته، ولم يحضر اي اجتماع عقده المحتجون داخل المؤسسة، رغم حضور العديد من زملاء أقدم منه في الأهرام لتلك الاجتماعات لكن المهم الآن ان:- اسامة سرايا سيرحل والعشرات ممن كانوا حوله سيتبرأون منه، وبعضهم بدأ مبكرا.- ورئيس مجلس ادارة ‘الأهرام’ طرح استقالته ويبحث عن الجهة التي يمكنه تقديمها اليها. .. والسؤال: ماذا بعد؟

فما يحدث الآن في ‘الأهرام’ مؤسف وينذر بأن يتحول الأمر من حديث في السياسة التحريرية الى اشتباكات بالأيدى، وبدلا من توقيع بيانات لها علاقة بالأفكار والمستقبل سيتم توقيع كشوف طبية بالجروح والكسور التي أسفرت عنها مشاجرات لتقديمها لأقسام الشرطة، وهي نفس الطريقة البائسة التي أراد بها قادة ‘معركة الجمل’ ان يدافعوا عن مصالحهم في مواجهة الثورة، ستحدث، وقد حدثت بحضوري ومدير تحرير ‘الأهرام’ منذ يومين، أعمال بلطجة داخل ‘الأهرام’، وسيسقط مصابون باللكمات والكلمات الجارحة، وذلك لنفس السبب الذي أوقع شهداء الثورة وهو، التباطؤ الممل في حسم ما هو محسوم. وسؤالي للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، هل، رؤساء تحرير الصحف الحكومية والقومية أهم وأقوى من الرئيس السابق حسني مبارك؟ بمعنى ان المجلس أعلن منذ البداية مساندته للشعب وثورته ومطالبته بتنحي مبارك، وساعده في تحقيق هذا الهدف المرحلي المهم، فهل ابقاء المجلس على تلك القيادات الصحافية التي كانت تخدم مبارك ضد الشعب ـ وبشهادة مقالاتهم المنشورة- يعني ان المجلس يرى فيهم مركز قوة من الصعب تنحيته الآن، وسؤالى أضعه في سياق ان الشرعية الحالية هي للثورة وصاحب الثورة هو الشعب وهذا يعني ان هذا الشعب مالك كل تلك المؤسسات الصحافية، ولسنا في وقت يسمح بسذاجة السؤال عن أوضاع قانونية ثبت أنها إجرامية ويحاكم بسببها مسؤولون سابقون، ويقبع بعضهم في السجون الآن، وأقصد ان مجلس الشورى كان يملك كل المؤسسسات الحكومية بموجب الدستور والقانون. وبالتالي لا يعرف المجلس الآن الى من يسلم تلك المؤسسات، لكنني متأكد أن المجلس يعرف، لكنه لا يريد ان يتدخل، وإن كان الواقع يقول انه تدخل وأصبح طرفا، وإلى أن يتم تحديد صورة ملكية الشعب لهذه المؤسسات الصحافية التي كانت مملوكة لمجالس صفوت الشريف، لابد من وجود إعلان ـ نوايا على الأقل- من جانب المجلس، يؤكد أن الثورة أسقطت النظام في هذه المؤسسات.

اما التحجج بسير العمل ومرحلة انتقالية، وعدم وجود خطة لدى المعترضين على بقاء موظفي النظام السابق في تلك المؤسسات لإدارتها في حال تنحيهم، فاعلن ما يعرفه الجميع في الوسط الصحافي و’الأهرام’ خاصة، ان تلك القيادات لم تكن لها علاقة يوما بالعمل الصحافي الفعلي منذ تسلمت كراسيها، وربما كتب بعضهم خبرا أو تحقيقا عندما كان محررا صغيرا، أما اليوم فلكل مسؤول عشرات ممن يتنافسون لكتابة مقالات يشرفهم بوضع اسمه وصورته عليها، ومن يدير العمل الفعلي في ‘الاهرام’ إن لم يكن مع الثورة فهو ليس ضدها، لأنه لم يكن معنيا بالشأن العام، فقد نجح النظام السابق في تحويل المسؤولين عن دولاب العمل الصحافي الرسمي في مصر الى موظفين علاقتهم بشؤون الحضور والانصراف اليومي في صحفهم أهم متابعاتهم، والدليل انهم تصورا أن مجرد حديثهم عن ‘تنظيف مصر’ برحيل مبارك كاف لأن ينسي الناس أنهم أول من يجب ان تطبق عليهم قوانين النظافة العامة التي لا يعرفون عنها شيئا.

ايها الزملاء البائسون تحت تراب مبارك، افيقوا يرحمكم الله، واعلموا أن تنظيفكم لا تكفيه مجرد غرفة تخلعون فيها بدلة مبارك وتخرجون بملابس رياضية ثورية، تنظيفكم لا يكفيه أقل من أن تغسلوا أجسادكم وعقولكم بعيدا عنا، وليلزم كل منكم حمامه القديم الى الابد.

كاتب وصحافي من مصر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية