أعلن الرئيس ترامب عن حالة طوارئ ولكنه أخطأ وفشل في اختيار الهدف الذي يتطلع إلى تحقيقه من خلال هذه الخطوة الشاذة والدراماتيكية.
إذا ما حاكمنا الأمور وفقاً لمكانة الولايات المتحدة البشعة ومدى نفوذها شبه الصفري في الساحة العالمية مثلما انكشف الأمر في مؤتمر وارسو، فإن ترامب ملزم بأن يعلن على الفور عن حالة طوارئ وطنية. ليس كرد على رفض الكونغرس تخصيص المليارات له لبناء السور على حدود المكسيك، بل لغرض بذل جهد سياسي أعلى لإعادة بناء المعنى العملي، المؤثر والرائد للتواجد الأمريكي في المناسبات الدولية. معنى كان في الماضي غير البعيد مفهوماً وملموساً، ودحر إلى زاوية مظلمة بركلة تلقتها من شعار «أمريكا أولاً».
إن الولايات المتحدة هي التي بادرت ونظمت المؤتمر بهدف التجنيد لأكبر عدد ممكن من الدول في جبهة مرصوصة لصد التطلعات النووية لإيران، وبالتوازي إشراكها في الجهود لتحقيق السلام والاستقرار في الشرق الأوسط. وأشركت وزارة الخارجية الأمريكية بولندا في الاستعدادات للمؤتمر. واختار الأمريكيون وقرروا وارسو مكاناً لانعقاد المؤتمر كرسالة استفزازية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي بولندا هي كريهة نفسه فأصبحت دولة برعاية الولايات المتحدة ولتدفعه لأن ينسى محاولاته لعرقلة انخراطها في العالم الغربي. ولكن الولايات المتحدة هي التي خرجت من مؤتمر وارسو بصفتها الخاسرة وبشكل معيب تحمل لقب «قوة عظمى». فقد فشلت الجهود لرص صفوف الغرب ضد إيران. الأوروبيون وافقوا بنصف فم على أن يشجبوا، وليس صراحة، إيران كداعمة للإرهاب وكمن يهدد الاستقرار في المنطقة، ولكن الاتحاد الأوروبي الذي بعث إلى وارسو بمندوبين على مستوى منخفض، امتنع بشكل معلن واستعراضي عن التراجع عن تأييده للاتفاق النووي مع إيران. لقد رفض الاتحاد حتى إلغاء إطار التجارة مع إيران، الذي أوجده خصيصاً بهدف الالتفاف على العقوبات الأمريكية.
أما الرابح الأكبر من الحدث في وارسو فهو رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي خرج من المؤتمر كزعيم ذي مكانة دولية. والمشكلة في هذه الصورة الإيجابية هي في أنها محدودة في مجال واحد -الصراع ضد التحول النووي الإيراني. فالرضى والحماسة اللذان أبداهما نتنياهو من الاحتكاك بحاكم عمان أو بوزير خارجية اليمن كانا مبالغاً فيهما. فدبلوماسيون كبار في مركز الأمم المتحدة في نيويورك يدعون منذ زمن بأن التقارير عن التقارب بين إسرائيل ودول الخليج الفارسي ليست دقيقة وليس لها أي تعبير في ساحة الأمم المتحدة.
إن هدف التواجد في وارسو لجارد كوشنير، صهر ومستشار ترامب الكبير، كان الإثبات بأن الولايات المتحدة تشارك بشكل نشط في المساعي لتحقيق حل سياسي للنزاع، ولكن التردي الحاد في مكانتها في الساحة العالمية وضعفها كجهة مؤثرة ورائدة، يمسان باحتمالات قبول «صفقة القرن» لترامب.
شلومو شمير
معاريف 17/2/2019