مفاوضات معقدة للتحالف الدولي مع تنظيم «الدولة» في آخر معاقله في سوريا

هبة محمد
حجم الخط
0

دمشق – «القدس العربي»: تزامناً مع بروز مؤشرات على توجه واشنطن لإعلان «النصر الكامل» على تنظيم «الدولة» شرقي سوريا، وانهاء أعمالها العسكرية هناك بعدما دشنت سلسلة من الصفقات غير المعلنة، تتعلق حسب مراقبين بتسليم مخطوفين أجانب وايزديات والكشف عن أماكن أسلحة نوعية، والمبالغ الضخمة من الأموال والذهب إضافة إلى ملفات غنية بالمعلومات، مقابل ضمان حياة المقاتلين وعائلاتهم، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الولايات المتحدة طلبت من بريطانيا وألمانيا وفرنسا استعادة أكثر من 800 مقاتل في تنظيم «الدولة» اعتقلوا في سوريا بهدف محاكمتهم.
وأضاف في تغريدة عبر «تويتر» أن القوات الأمريكية ستضطر إلى إطلاق سراحهم في حال رفضت تلك الدول تسلمهم محذراً من أن ذلك سيكون خياراً سيئاً سيقود إلى تسلل هؤلاء المقاتلين إلى أوروبا، مجدداً تأكيده على أن القوات الأمريكية ستنسحب من سوريا بعد ما وصفه بـ «الانتصار الكامل» على التنظيم.

ترامب طلب من الغرب استعادة أكثر من 800 مقاتل في التنظيم

وبالرغم من عقد مفاوضات الاستسلام مع ما بقي من عناصر «الدولة» لكن محللين وخبراء يحذرون من أن سقوط التنظيم في سوريا وتراجع عملياته الخارجية لا يعنيان بالضرورة نهاية التهديدات الإرهابية، حتى وان نجحت المساعي الأمريكية في أسر فلوله ونقل جنوده الأجانب إلى بلادهم، وسط هذه صفقات السرية، التي كان آخرها امس الاحد، اذ أفرج تنظيم «الدولة» عن دفعة جديدة من المختطفين والأسرى العسكريين لديه ضمن اتفاقية عقدها مع قوات التحالف الدولي، وذلك بعد ايام من سلسلة عمليات قام بها الأخير ليلاً، عبر مروحيات عسكرية في باديتي فليطح ومركدة وأطراف بلدة الدشيشة، استهدف مستودعات مخازن اسلحة تعود في الغالب لتنظيم «الدولة».

بنود الصفقات

وعادة ما تكون بنود الصفقات والاتفاقيات مع تنظيم «الدولة» « سرية بشكلٍ كامل، لكن يمكن تقسيمها وفق الحقب الزمنية ومدى اتساع مناطق سيطرة «التنظيم»، حيث أنها كانت تتمحور سابقاً حول اعطاء التنظيم طريقاً آمناً إلى معقلٍ آخر من معاقله، وبنود اخرى تتعلق بالمخطوفين والاسلحة التي يمكن نقلها.
وفيما يخص ظروف وبنود الصفقات، يرجح الباحث المختص بأحوال الشرق السوري في مركز عمران للدراسات بدر ملا رشيد ان تدخل ضمن المفاوضات شروط جديدة، كون بلدات ريف دير الزور هي آخر معاقل التنظيم، تتعلق بمخطوفين أجانب وملف الايزديات المخطوفات، بالإضافة إلى ما يتعلق بتسليم أسلحة نوعية إن وجدت، وبنود تتعلق بتسليم عناصر التنظيم للكميات الكبيرة من الأموال والملفات المعلوماتية التي لاتزال بحوزتهم.

مصير البغدادي والأجانب

وقال لـ «القدس العربي» إن اجراء المفاوضات مع تنظيم «الدولة» في هذا الواقع أصبح أكثر تعقيداً، في آخر معاقل حضرية يمتلكها التنظيم، ونظراً لأن خيار نقلهم إلى مناطق تقع ضمن سيطرة «قسد» مستحيلة لعدة اسباب، تبقى الصحراء السورية والعراقية مطلباً أخيراً مفتوحاً أمامهم، كما تقل خياراتهم ايضاً من جهة التحالف الدولي و»قسد» لان أي عملية تتضمن اتاحة المجال امام عناصر التنظيم للمرور إلى مكانٍ آمن سيتطلب إما الاتفاق مع النظام السوري، أو الحكومة العراقية، والطرفان لا يريدان استضافة المزيد من عناصر التنظيم في مناطقهم البرية الشاسعة، كون عملية ملاحقتهم اصعب منها في المناطق الحضرية.
ونظراً للمعطيات السابقة، استبعد الخبير في ملف المنطقة الشرقية ان تكون طبيعة هذه المفاوضات شبيهة بما حدث في منبج، والرقة، والسويداء، مرجحاً ان تكون اقرب لمفاوضات الاستسلام لمعظم من تبقى من عناصر التنظيم مقابل الحفاظ على حياتهم وحياة عائلاتهم.
ويُدرك أصحاب القرار أن التنظيم لم ينتهِ إلى الآن ولن ينتهي بمجرد خسارته للسيطرة على المدن، ومن هذا المنطق أشار «الملا» إلى تصريحات مسؤولين في الإدارة الأمريكية وخصوصاً في وزارة الدفاع الذين ينقضون حديث الساسة، وكان آخر تحذير من قبل قائد القوات الخاصة الأمريكية الجنرال ريموند توماس، من إعلان «النصر» على داعش الذي ما زال يدافع عن آخر جيوبه في سوريا، وذلك خلال جلسة استماع أمام لجنة القوات المسلّحة في مجلس الشيوخ حيث سأل سناتور الجنرال توماس عن ماهية «الانتصار» في سوريا، فأجاب «أنا لا أستسهل استخدام عبارة نصر محل عبارة هدف» وأضاف «الهدف يتمثّل في تقليص التهديد في تلك المنطقة».

المنطقة الآمنة

وفي رأي المتحدث، فإن العسكريين يعلمون ان التنظيم لم ينته بانتهاء السيطرة على كُتل بشرية، ولايزال يمتلك الآلاف من العناصر المنتشرين في الباديتين السورية والعراقية، وهم موزعون بين كتلة كبيرة من العناصر المحليين، وأصغر من الأجانب، كون العناصر الاجنبية كان مصيرهم: إما القتل خلال المعارك، أو الأسر أو التسليم كما حدث خلال الايام القليلة الماضية من تسليم المئات من عناصر التنظيم نفسم للتحالف وقوات قسد، حيث يرغب معظم هؤلاء العناصر الاجانب بالعودة لبلدانهم، خصوصاً من ذوي الدول الأوروبية، لادراكهم بان النظام القضائي وطبيعة السجون ستكون لصالحهم.
وتسير شائعات إلى إمكانية وجود رأس تنظيم «الدولة» بين المحاصرين في بلدة الباغوز شرقي الفرات، الا ان المتحدث استبعد ذلك قائلاً ان «البغدادي بعد خطبته المشهورة في الموصل، لم يقم بإعطاء أي خيوط تشير إلى بقائه في أي مكان، بل فضل الترحال بين مناطق سيطرة التنظيم، وحالياً بادية سوريا والعراق خيارٌ افضل بالنسبة له من حصر نفسه في بلدات صغيرة يمكن تتبعه فيها».
وتستعد واشنطن لمناقشة مقترح مع القادة الأوروبيين حول ملء الفراغ على ضفة الفرات الشرقية، حيث قال السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، ان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سيطلب من قادة الدول الأوروبية إرسال قوة عسكرية لأجل إنشاء منطقة عازلة شمالي سوريا، وذلك خلال كلمة ألقاها غراهام، في منتدى ميونيخ للأمن الجمعة.
وأكد غراهام، أنه في حالة موافقة الدول الأوروبية على هذا المقترح، سيُبقي ترامب على عدد من الجنود الأمريكيين في سوريا للغرض نفسه، لافتاً إلى أن هذا المقترح يأتي في إطار «استراتيجية ما بعد تنظيم «الدولة»» في سوريا.
وبنظر مراقبين، لم تتغير الوقائع كثيراً منذ اعلان ترامب سحب قواته من سوريا فيما يخص موضوع المنطقة الامنة، وذلك بعد ان أدرك الجميع أن الفراغ الذي يمكن أن يحدثه انسحابٌ سريع لن يكون في صالح أية جهة، وتركيا من بين هؤلاء.
وتحاول تركيا حسب الباحث لدى مركز «عمران للدراسات» أن تصل مع روسيا وايران لأكبر قدرٍ ممكن من النقاط لصالحها، فهي مدركة ان الفراغ الناشئ عن انسحاب امريكا يمكن ان تملأه روسيا مع صيغة تؤدي للحفاظ أو إحداث نوع جديد من الإدارات الذاتية، مشيراً إلى تطرق الرئيس الايراني لذكر «الأكراد» في البيان الختامي لمؤتمر سوتشي، مفسراً ذلك برغبة طهران في ان يكون لها دورٌ شرق الفرات، وهي رسالة لتركيا.
من جهة ثانية قال المرصد السوري لحقوق الإنسان ان التحالف الدولي يحاول بمشاركة قوات سوريا الديمقراطية اعتقال نحو 300 عنصر وقيادي لتنظيم «الدولة» من جنسيات غربية، متواجدين في مخيم بمزارع قرب نهر الفرات، بهدف نقلهم إلى معتقلاته واستكمال عملية التمشيط، مؤكداً رفض «العناصر والقادة الأجانب من التنظيم تسليم أنفسهم بعد أن استعادت قسد 10 من أسراها لدى التنظيم مقابل صفقة».
وتحاول قوات سوريا الديمقراطية والتحالف، التأكد من خلو المنطقة بشكل كامل من أي متوارين أو خلايا للتنظيم، والاستيلاء على أسلحته وامواله، حيث وثق المرصد السوري خلال الـ 24 ساعة الأخيرة تنفيذ التحالف الدولي عمليات نقل لصناديق «تحتوي على كميات الذهب والأموال التي كانت بحوزة التنظيم خلال فترة انحساره وانتهائه في شرق الفرات»، مستبعداً ان تكون الحمولة أسلحة وذخيرة يمكن تسليمها لقوات سوريا الديمقراطية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية