بعد عامين من التراجع والمشاكل والانسحابات… عودة حثيثة للاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى افريقيا وتوقعات بالمزيد

حجم الخط
0

نيويورك – د ب أ: حركة الاستثمارات الدوارة تكشف صعوبة الرهان على عائد الاستثمار في قارة أفريقيا. فبعد عامين من التراجع، سجلت الاستثمارات الأجنبية المباشرة المتجهة إلى القارة نموا ملموسا خلال العام الماضي بفضل تجدد اهتمام المستثمرين الأجانب بجنوب أفريقيا، ومناخ الاستثمار الأكثر استقرارا في مصر.
وأشارت وكالة بلومبرغ للأنباء الاقتصادية إلى أن تقلبات الاهتمام الأجنبي بالاستثمار في أفريقيا، تؤكد المصاعب التي تواجه جهود دول القارة لجذب الاستثمارات الأجنبية طويلة المدى. وفي حين زاد الاستثمار الأجنبي في أفريقيا ككل خلال العام الماضي، قلصت مجموعة الاستثمار المالي الأمريكية العملاقة «بلاكستون غروب» استثماراتها في القارة بعد أقل من 5 سنوات من دخولها إليها. كما حول بوب دايموند، الرئيس التنفيذي السابق لمجموعة «باركليز» المصرفية البريطانية والرئيس الحالي لمجموعة «أطلس مارا» للاستثمار، اهتمامه عن القارة بعد نحو ست سنوات من جهود مضنية لإنعاش مشروعه المصرفي.
ويقول ويليام أتويل، رئيس إدارة أبحاث منطقة جنوب الصحراء الأفريقية في شركة «دكر فرونتاير» الاستشاراتية في لندن «إن حجم الرهان الضخم وسوء الفهم بالنسبة لحجم وطبيعة مطالب العملاء في أسواق جنوب الصحراء الأفريقية، والتوقعات المبالغ فيها، كل هذا أدى إلى أخطاء»، مضيفا أن «نهج انتهاز الفرص لا يكفي» للتعامل مع قرارات الاستثمار في أفريقيا.
وحسب مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «أونكتاد»، كانت أفريقيا والاقتصادات النامية في آسيا فقط هي المناطق التي جذبت المزيد من الاستثمار الأجنبي المباشر خلال العام الماضي.
ومع وجود 54 دولة تمتد في منطقة تزيد مساحتها عن مساحة الولايات المتحدة والصين والهند ومناطق من أوروبا واليابان معا، فإن اتجاهات الاستثمار الأجنبي المباشر في هذه الدول غير موحدة.
فقد أشارت وكالة بلومبرج إلى أن نيجيريا، وهي أكبر دولة أفريقية من حيث عدد السكان، وصاحبة أكبر اقتصاد في القارة، سجلت تراجعا في ما يتعلق بتدفق الاستثمار الأجنبي المباشر على مدى 3 سنوات متتالية، نتيجة تفشي الفساد والسياسات المتقلبة، وتراجع أسعار النفط وانتشار الفقر في البلاد.
ووفقا للتقديرات، جذبت أفريقياخلال العام الماضي استثمارات أجنبية مباشرة قيمتها 40 مليار دولار، تمثل جزءا ضئيلا للغاية من حركة الاستثمارات في أنحاء العالم، والتي بلغت 119 مليار دولار، وهو ما يخلق فجوة بالنسبة لهؤلاء الذين يريدون التعامل مع التحديات القائمة في القارة السمراء والناجمة عن التغيير في أنظمة الحكم، وضعف نظم جمع الضرائب، واضطراب أسواق الصرف، ونقص العمالة الماهرة.
وربما أسهم انهيار «مجموعة أبراج» الإماراتية، والتي كانت واحدة من أكبر شركات الاستثمار في الأسواق الصاعدة، سلبا في الحد من التدفقات الاستثمارية إلى القارة.
في الوقت نفسه، فإن مجموعة «كارليل غروب» الاستثمارية الأمريكية، والتي أغلقت في عام 2014 صندوق استثمارها في جنوب الصحراء والذي كان رأسماله وصل إلى 700 مليون ودلار، مازالت تعقد صفقات في المنطقة، حتى بعد أن تضررت جراء صفقة شراء بنك نيجيري. وقد استثمرت مؤخرا 40 مليون دولار في شركة السياحة والسفر عبر الإنترنت «وانو دوت كوم ليميتد».
وهذا التوجه من جانب «كارليل» يختلف عن توجه منافستها في نيويورك «بلاكستون» التي خرجت من جميع استثماراتها في أفريقيا في سبتمبر/أيلول الماضي.
في المقابل، يسعى بنك «سوسيتيه جنرال» الفرنسي الذي يعمل في 19 دولة أفريقية إلى مضاعفة إيراداته من المنطقة إلى 10%.
وقال الملياردير المصري نجيب ساويرس، رئيس مجلس إدارة «أوراسكوم القابضة للاستثمار»، في مقابلة مع تلفزيون بلومبرغ أنه متفائل للغاية بالنسبة لأفريقيا، وبخاصة فيما يتعلق بخدمات التمويل الاستهلاكي. ويعتزم الملياردير المصري دفع إدارة فرع شركة «ثروة كابيتال» للخدمات المالية، المملوكة له، إلى تقديم قروض للأفراد والمشروعات الصغيرة في باقي دول القارة.
وعن المخاطر السياسية التي تواجه الاستثمار في هذه الدول، قال ساويرس «الآن إذا قارنت بين أفريقيا والفوضى الأوروبية والموقف الأمريكي، فإن أفريقيا في موقف جيد». وتدرس شركة صناعة السيارات الفرنسية «ريون» إقامة مصنع لتجميع سياراتها في غانا بالاشتراك مع «فولكسفاyن» الألمانية و»سينوتراك إنترناشيونال» الصينية.
وفي العام الماضي، تفوقت غانا على نيجيريا باعتبارها صاحبة أكبر قدر من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في غرب أفريقيا، في حين أن حجم اقتصاد نيجيريا يصل إلى ستة أمثال اقتصاد غانا. كما تعتزم شركة «مرسيدس بنز» الألمانية لصناعة السيارات استثمار 600 مليون يورو (676 مليون دولار) في مصنعها في دولة جنوب أفريقيا، في حين مازالت مجموعة «موانئ دبي العالمية» تدرس فرص الاستثمار في القارة حتى بعد تأميم أحد الموانئ التي كانت تديرها في جيبوتي.
وفي جنوب أفريقيا، يبدو أن الرئيس سيريل رامافوسا، الذي يستهدف جذب 100 مليار دولار استثمارات جديدة إلى بلاده بعد سنوات من التراجع خلال سنوات حكم سلفه جاكوب زوما، لا يراهن على الشركاء التقليديين لبلاده مثل الولايات المتحدة وبريطانيا.
ومؤخرا تعهدت السعودية باستثمار 10 مليارات دولار في جنوب أفريقيا، والصين باستثمار 15 مليار دولار. كما أعلنت شركة النفط الفرنسية العملاقة «توتال» الأسبوع الماضي أول كشف نفطي في المياه العميقة لجنوب أفريقيا.
ويقول روناك جوبالداس، مدير شركة «سيغنال ريسك» لتقييم المخاطر الاقتصادية، ان أمام «الحكومات الأفريقية الكثير من الخيارات، وشركاء الاستثمار الأجنبي المباشر يتغيرون. فالهند واليابان تبديان اهتماما متزايدا بالاستثمار في القارة السمراء، وتبحث الشركات الأمريكية عن الفرص هناك رغم سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي ترفع شعار: أمريكا أولا». ويقول تقرير «أونكتاد» ان التقدم نحو توقيع اتفاق للتجارة الحرة بين الدول الأفريقية مع زيادة التركيز على إحياء عمليات التصنيع، يؤدي إلى تسارع وتيرة الاقتصاد الأجنبي المباشر.
وقد تلقت جنوب أفريقيا جزءا كبيرا من الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي وصلت إلى جنوب الصحراء الإفريقية عام 2018 حيث بلغت حصتها حوالي 7.1 مليار دولار مقابل 1.3 مليار دولار في 2017.
لكن في المقابل، فإن نقص إمدادات الكهرباء والانقطاع المتكرر للتيار من جانب شركة كهرباء «إسكوم» يهدد تعافي الاستثمار في البلاد، حيث قالت مؤسسة «موديز» للتصنيف الإئتماني ان نقص الكهرباء في جنوب أفريقيا يمثل خطرا كبيرا على التصنيف الإئتماني للبلاد.
وفي نيجيريا، تراجعت قيمة الاستثمار الأجنبي المباشر العام الماضي بنسبة 36% إلى 2.2 مليار دولار، ولكن مشروعات النفط والغاز الطبيعي الجديدة يمكن أن تؤدي إلى تعافي الاستثمارات خلال العام الحالي، حسب «أونكتاد». يذكر ان معدل نمو الاقتصاد في نيجيريا، وهي أكبر منتج للنفط في القارة، بلغ 1.93% خلال العام الماضي، مقابل 0.8% في عام 2017، حسب بيانات مكتب الإحصاء الوطني النيجيري.
وتراجع الاستثمار الأجنبي المباشر في إثيوبيا خلال العام الماضي بنسبة 24% إلى 3.1 مليار دولار، لكنها ظلت أكبر وجهة استثمارية في شرق أفريقيا.
وقال الخبير الاقتصادي أتويل ان النظرة المستقبلية للقارة في 2019 إيجابية بدرجة طفيفة، بفضل الزيادة المطردة في الطلب الاستهلاكي والإنفاق الحكومي والاستثمار، ولكن المخاطر مازالت قائمة في ظل تباطؤ الاقتصاد العالمي.
فهذا النمو غير المستقر يجعل الشركات أكثر تركيزا حيث توجد أكبر الفرص المتاحة في جذب العملاء من بين الفئات الأقل دخلا في الدول التي بها معدل تضخم منخفض، حسب أتويل، الذي أشار إلى أن كينيا تحظى باهتمام كبير من جانب المستثمرين الأجانب.
ويقول ستيفن سيمث، المحلل في شركة «غلوبال إيفليوشن فَندس» التي تتابع الأسواق الصاعدة منذ نحو 30 عاما، ان توجه المستثمرين نحو أفريقيا لن يتوقف إذ «لا يوجد تراجع في الاهتمام بالتوسع في القارة».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية