بعد منجز متراكم في التأسيس لمشروع فلسفي ينزع نحو الخروج من مدارات لولوج مدار متصل بالمجال التداولي الإسلامي، يخصص طه عبد الرحمن كتابا متصلا بالتحديات التي تواجهها الأمة العربية والإسلامية، كتابا أراد أن يقارب به فلسفيا، التحديات والرهانات، وافتتح كتابه قائلا: «لم أتعود من قبل أن أتكلم في قضايا الساعة كلما استجدت، لأنني لا أتابعها عن كثب، وإنما أحب أن تفصلني عنها فترة من الزمن، حتى أتفكر فيها على مقتضى التأمل الفلسفي المبني على القيم، لا على مقتضى التكهن السياسي المبني على المصالح، ولكن أحداث الساعة اليوم ليست كغيرها من الأحداث، فالأمتان «الإسلامية» و»العربية» تتعرضان اليوم لما لم يتعرض له غيرهما من الأمم، إذ تتعلق هذه الأحداث بوجودهما ووجهتهما ومصيرهما، في عالم قلّ حياؤه، ومثل هذه القضايا الكيانية توجب تقديم النظر الفلسفي على التحليل السياسي، فواجب الفيلسوف أن يسابق إلى الاشتغال بها، حتى لا تهلك الأمم الإنسانية بما كسبت أياديها».
الكتاب حمل عنوانا مشحونا بكثافته الدلالية وهو «ثغور المرابطة»، وبيّن مدلول ذلك فكتب: «المرابطة المقدسية هي المقاومة التي تلازم ثغور الأرض المقدّسة لتتصدى لتدنيسها، وتعيد إليها قداستها، وتلازم ثغور الفطرة المؤصّلة لتتصدى لتزييفها وتعيد إليها أصالتها» و»أن المرابطة المقدسية ليست فضاء ماديا بقدر ما هي فضاء معنوي».
الكتاب يخوض، كما ذكر، في تحديات ثلاثة هي»تفريط العرب في القدس» و»تصارع الحكام المسلمين على النفوذ» و»اقتتال العرب في ما بينهم». ويبيّن من البداية وجهته فيقول: «إن خوضي الفلسفي فيها ليس كخوض غيري ممن يردون الفلسفة إلى التاريخ، أو إلى السياسة، فلا أعرف أحدا من الكتاب العرب المعاصرين تناول هذه التحديات المهلكات تناولا فلسفيا، إن بعضا أو كلا، فقد تركوا سلوك طريق التأمل الفلسفي البعيد والبديع، وانعطفوا على الدراسات غير الفلسفية، سياسية كانت أو تاريخية أو اجتماعية أو إناسية أو أقوامية، وأخذوا يمتحون منها ما استطاعوا أن يمتحوه من الفرضيات والمناهج والنتائج، ويسقطونها على هذه التحديات المهلكات، ويصوغونها في أساليب ركيكة ومستغلقة تدل على قصورهم في استيعاب ما متحوه، فضلا عن تناوله بالنقد الذي يمحّص مناسبته للموضوعات التي أسقط عليها». ثم يبيّن بأن تفلسفه يتأسس على ما نحت له اصطلاحا في كتب سابقة له، وهو النظرية الائتمانية، ويقدم تعريفا إجماليا لها في مقدمته «النظرية الائتمانية عبارة عن نظرية أخلاقية تتأسس على حقائق الإنسان التي اشتركت فيها الأديان وتتوارثها الحضارات، سواء أقرت هذه الحضارات بأصولها الدينية أو أنكرت هذه الأصول».
تفلسفه يتأسس على ما نحت له اصطلاحا في كتب سابقة له، وهو النظرية الائتمانية، ويقدم تعريفا إجماليا لها في مقدمته «النظرية الائتمانية عبارة عن نظرية أخلاقية تتأسس على حقائق الإنسان التي اشتركت فيها الأديان وتتوارثها الحضارات.
والمقاربة الائتمانية مبناها على مبدأ أساسي كما يكتب: «وهو أن لكل شيء بعدين، أحدهما الصورة، وهي المظهر الخارجي، والثاني الروح، وهي الجوهر الداخلي، بناء على أن الروح ( أو الجوهر الداخلي) هي الأصل في تفسير الصورة (أو المظهر الخارجي) وأن الصورة إنما هي تعبير عن الروح، أو إن شئت قلت، هي تصوير لها».
الكتاب تطرق إلى الصراعات الثلاثة التي ذكرها، وسعى إلى مقاربتها وفق رؤيته الفلسفية التي تشكل مشروعه الذي يشتغل عليه طيلة عقود. يركز الفيلسوف طه على القضية الفلسطينية ويقاربها انطلاقا من رؤيته التي تأسس عليها مشروعه، وهي رؤية مرتبطة باعتبار المجال التداولي الذي تتموضع فيه العقيدة موضعا محوريا، وينطلق من ائتمانية لمواجهة ما عبّر عنه ببؤس الدهرانية. يواجه الفلسطيني أذى من الأباعد والأقارب لا نظير له ولا تقدير، ومن كيان إسرائيل الذي أضحى إيذاؤه كأنه الشر المطلق. والفلسطيني له خصوصية ليست لسواه (إذ أرضه ملتقى العوالم الشهادي منها والغيبي، وإرثه ملتقى الأبعاد، الزمني منها والسرمدي، ومن كانت هذه صفاته، لا تفيد في معرفة حقيقته المقاربة التاريخية، لأنها تسقط بعده السرمدي، حتى لو لم تسقط عالمه الغيبي، كما لا تفيده، في هذه المعرفة، «المقاربة القانونية»، لأنها تسقط عالمه الغيبي حتى لو لم تسقط بعده السرمدي، ولا بالأولى، تفيد فيها «المقاربة السياسية»، لأنها تسقط عالمه الغيبي وبعده السرمدي كليهما، فتكون أبعد المقاربات، وصولا إلى معرفة حقيقة هذا الإنسان». ويضيف: «الإنسان الفلسطيني لا يمكن أن تعرف حقيقته، ولا أن تدفع أذيته، إلا بمقاربة تصل العالم الشهادي لأرضه بعالمها الغيبي، كما تصل البعد الزمني لإرثه ببعده السرمدي). وانطلاقا من المقاربة الائتمانية فإن صورة الإيذاء (تقوم على وجه الإجمال، في إيذاء الفلسطينيين من جانبين، أحدهما:إيذاء الأرض التي بارك فيها ربهم، والثاني إيذاء الإرث الذي أنتجته فطرتهم) ما يعني إيذاء الله وإيذاء الإنسان معا.
واعتمد في إيذاء الله على آية من سورة الأحزاب «أن الذين يؤذون الله ورسوله …» وايذاء الله مرتبط بخلفية تاريخية، بالذاكرة التوراتية والتلمودية التي تحفظ نقض أسلافهم لعهودهم مع الله، وعادوا إلى الإيذاء الأول بمنازعته في صفة عظمى من صفاته «هي المالك، فالحق سبحانه هو المالك المطلق» و»قد ركبوا كل الوسائل التي توصلهم إلى امتلاك الأرض المباركة» وأردوا الاستئثار بالتملك أسبابا وآثارا حتى استوى عندهم الأمران الملك والوجود». فكان الإحلال بتعدد أساليبه، الإحلال الثابت ببناء المستوطنات، والإحلال المتوسّع بطريق الضم والإلحاق، والإحلال المتدرج بتطبيق القوانين الإسرائيلية وممارسة الطقوس اليهودية، والإحلال المطلق زمانا ومكانا والإحلال المقدس بالتسلط على الأماكن المقدسة و»على قدر قدسية المكان، يكون الشعور بالملكية» ويتمثل إيذاء الإنسان في احتلال أخص ما يميزه «وهو بالذات فطرتته التي بها يصنع تراثه الأصيل، والفطرة عبارة عن الذاكرة التي تحفظ القيم والمعاني الأصلية المبثوثة في روح الإنسان منذ خلقه، نازلة من الروح منزلة الجوهر». و»الحلول هو احتلال الفطرة المؤصّلة، جلبا للقبول بتدنيس الأرض المقدسة». إفساد الفطرة يختلف باختلاف درجتي الحلول، وهما قلب القيم وهو حلول جزئي، وسلب الفطرة وهو حلول كلي.
انطلاقا من هذه الرؤية يقارب الدكتور طه عبد الرحمن القضية الفلسطينية والصراع مع إسرائيل.. مستندا إلى خلفيته الحضارية ومستثمرا لتمكنه في المنطق وفلسفة اللغة.. محاججا حجاجا يجمع المطلق والنسبي من المدركات والتمثلات.
لقد أريد بالتطبيع مع الكيان الإسرائيلي، بطريق دلالة المطابقة، الارتباط بهذا الكيان بما يجعل وجوده في فلسطين وجودا مشروعا.
ويتوقف عند ما يعتبر مؤشرا خطيرا وهو ترسيخ القيم الأضداد وهي إفساد الذاكرة وإفساد الثقة بالذات وإفساد التوجه. وفي تحليله يتوقف عند قضية التطبيع فيبيّن بأنه نوع من الحلول الكلي ويقول: «لقد أريد بالتطبيع مع الكيان الإسرائيلي، بطريق دلالة المطابقة، الارتباط بهذا الكيان بما يجعل وجوده في فلسطين وجودا مشروعا، كما أريد به بطريق الالتزام، أن هذه المشروعية توجب لهذا الكيان أكثر مما يجب لغيره من دول الجوار، بحكم تفوقه في مختلف مجالات الحضارة المعاصرة». ويبيّن بخصوص صيغة التطبيع لا تصح لأن «لفظ التطبيع تفعيل من الطبع أو الطبيعة، والطبيعة هي الجبلّة، أي الخلق الذي يتصف به الإنسان من أصـل الخلقة، بينما الارتباط بالكيان الإسرائيلي يتعلق، أساسا، بإضفاء المشروعية على كيان غير مشروع، فأدل اسم عليه هو الشرعنة ( أو قل التشريع)، والشرعنة خلاف التطبيع، فقد تمنح الشرعية لما ليس بطبيعي، كما أن الطبعية قد توجد في ما ليس بشرعي، لأن الشرع عبارة عن وضع منشؤه الأمر التكليفي، في حين الطبيعة عبارة عن خلقة منشؤها الأمر التكويني».
محاور الكتاب متعددة وتستدعي وقفات أكثر تفصيلا، ولكنها عموما إضافة أخرى نوعية للمنجز الفكري في العالم العربي والإسلامي عامة، وفي المنجز الفكري لطه عبد الرحمن. يقول كمال عبد اللطيف: «تثير المقالة الفلسفية لطه عبد الرحمن أسئلة متعددة ليس فقط لأنها تنشئ هذه المقالة بطريقة خاصة شكلا ومحتوى، بل لأنها قبل ذلك تريد أن تشكل استثناء في الدرس الفلسفي المغربي وفي الدرس الفلسفي الموصول بتاريخ الفلسفة وتوجهه الفكري، كما يذكر مسنود «بتجربة في الرياضة الروحية المتشبعة بالمنزع التخلقي والأخلاقي» ومصنفاته تتضمن مشروعا فكريا في نقد تيارات التقليد والحداثة في الفكر الغربي، مقابل مناصرة دعوة إلى الاستقلال الفلسفي المبدع، الاستقلال الذي تغذيه تجربة في الرياضة العقلية، تعتبر أن العقل العملي الصوفي هو العقل الذي يتيح صفاء السريرة، ويمنح الذات ما يهبها الرضى والقرب من طبيعة الإنسان ومعنى العالم وحقيقة الله وهل تنفع مفاهيم التجربة الصوفية في نقد ثقافة التاريخ وتجارب التاريخ؟ هذا هو الإشكال الذي تطرحه في نظرنا أعمال طه عبد الرحمن. وكتب رضوان السيد: انتظرت كل شيء إلاّ أن يخرج علينا أستاذنا طه عبد الرحمن بأُطروحة عن مقاومة الظلامية الغربية الشريرة. فطوال أكثر من ثلاثة عقود كان الشيطان الأكبر لديه هو العلمانية الفظيعة الهول. ثم عندما انتشرت ظواهر العنف باسم الإسلام، ازداد إغراق الرجل في الروحانيات، وعرض في عدة كتب مقاربة متكاملة للنزعة «الائتمانية» كما سماها، التي تُحيل الدين وقوته الناعمة إلى أخلاق تمتنع على التبعية وعلى التطرف. وذكر ما قاله له المسيري عن طه: أن الأستاذ طه مفكر عظيم، ويكفيك دليلاً على ذلك أن كلَّ زملائه اليساريين في الجامعة يكرهونه لصلابته في الوقوف مع دين الأمة وأخلاقها، لكنّ مقاربته يا رضوان غير كافية ولا تشكّل غير حلٍ فردي، إذ أن الاعتدال في الدين أو استعادة السكينة كما تحبُّ أن تقول يحتاج في إحقاقه في النفوس والمجتمعات والنصوص إلى «عدلٍ» في العالم، وفي الأمة والدولة» واعتبر رضوان ذلك من فصام الوعي والواقع لدى المثقفين العرب.
مع أن عبد الرحمن يتمتع بما أحسده عليه من القدرة على البرهنة والاحتجاج، ويستخدم عدة منطقية بكل أجهزتها وآلياتها، فضلا عن كونه يحشد ترسانة معرفية لا نظير لها عند سواه.
وسبق لعلي حرب أن كتب عن فقه الفلسفة لطه عبد الرحمن وبيّن أننا «إزاء محاولات تصطدم بما يعيقها عن التحقق. والعائق، ولا أقول الآفة، هو تحويل الأنطولوجيا إلى أنثربولوجيا، وتوظيف الفلسفة للتمترس وراء الذات أو لحراسة الهوية» ويقر حرب: «مع أن عبد الرحمن يتمتع بما أحسده عليه من القدرة على البرهنة والاحتجاج، ويستخدم عدة منطقية بكل أجهزتها وآلياتها، فضلا عن كونه يحشد ترسانة معرفية لا نظير لها عند سواه».
واعتبر الباحث عبد الملك بومنجل أن طه عبد الرحمن: مدرك الحكمة وهي توشك أن تندثر، ومسعف الفلسفة الإسلامية وهي توشك أن تموت. ويرى أن مع ظهور طه عبد الرحمن: «ظهر لون آخر من الفكر لا عهد للفكر العربي المعاصر به. وكانت السمة اللافتة لهذا الفكر أنه لا يرفع الشعار، بل يمارس العمل، ولا يزعم المزاعم بل يقيم الدليل، ولا يرسل الكلام بل يقيم البرهان، ولا يجازف في الاتهام بل يقيم الدعوى ويشفعها بالأدلة، ولا يرى الفكر أن تتعلم أفكار سواك، بل أن تنتج أفكارك بنفسك، ولا الفلسفة أن تترجم فلسفات غيرك، بل أن تترجم ما يتحرك في ذهنك ويهجس في ضميرك، ولا الإبداع أن تتبنى ما أبدعه غيرك، بل أن تجتهد بنفسك في إبداع حياتك».
وخصص طه عبد الرحمن خاتمة كتابه «ثغور المرابطة» للرد على منتقديه الذين كما قال: أغاظهم أن يأتلف في نظريتي الطرفان: الفلسفة والإيمان ائتلافا يرقى بالتفلسف إلى أفق الإبداع، لأن عقولهم لا تطيق إدراك هذا الائتلاف، لا لأنه يمتنع على إدراك الإنسان، وإنما لأنهم يعانون من»عقدة الدين» بأشد مما يعانيها أولياؤهم من الأساتذة الغربيين».
٭ كاتب جزائري