الذيـل والتكملـة

حجم الخط
0

الذيـل والتكملـة

العياشي أبو الشتاءالذيـل والتكملـةتتأمل الكتابة ذاتها وتتخذ ذاتها موضوعا للتأمل والتعليق والتحشية والتذييل متي وكيف؟ أما متي، فقد حدث ذلك في القرن السابع عشر، حينما ألف سرفانتس الجزء الأول من روايته دون كيخوطي دي لامانشا، ومن وقتها دشنت الكتابة والكتابة الروائية بالذات طريقا حديثا سارت فيه وعليه حتي الرواية الحديثة التي ان كان يميزها شيء فهو تأمل ذاتها وانعطافها نحو مسار اتخاذ جسدها الكتابي متعة للدعك والتمسيد والتأمل والمحاورة، اذن فهذا الميسم الحداثي في الرواية الحديثة ينحدر غورا عميقا في أخاديد الكتابة حتي رواية دون كيخوطي دي لامانشا، وأما كيف حدث ذلك، فانه لما كانت رواية الكيخوطي تنتمي، أسلوب كتابة وبناء معمار، الي القرن السابع عشر، فهي تقع في قلب العصر البروكي، فجاءت كتابتها ذات حمولة تتغذي علي هذا الاتجاه الجمالي الذي اكتسح الفترة وانطبعت به الحياة، فتجلي في المعمار والبناء واللباس والموسيقي وباقي تجليات وممارسات الثقافة التي صدر عنها انسان العصر البروكي، في اسبانيا وغيرها من الدول الاوروبية وأمريكا اللاتينية. وفيما يخص رواية الكيخوطي، فانها جاءت متعددة المستويات، لنقل جاءت مثقلة شأنها شأن الابداع البروكي، حيث استغل فيها سرفانتس تقنيات منحدرة من أجناس الرواية المختلفة، خاصة في الجزء الأول منها، ففيها من الرواية الرعوية والرواية الشعورية والمورسكية والشطارية والرواية النموذجية، كما فيها من رواية الفروسية، ومن حيل ومقالب الكتابة الفنية المستعملة في السرديات بداية القرن السابع عشر في اسبانيا التي بدأت آنذاك تبتعد شيئا فشيئا عن النزعة الهيومانية.لنقل ان رواية دون كيخوطي هي تركيب وتمثل واع محبوك لكل تلك الأنواع والأجناس من أساليب القول الروائي علي ذلك العهد، بل انها مختارات ومنتخبات، اذا صح القول من تلك الأنواع صاغها المؤلف في قالب سردي يحكي مغامرات الكيخوطي وتابعه في خرجاتهما الي براري مقاطعة لا مانشا لاقامة العدل ورفع الظلم، بل ان أنماطا من أنواع السرد والقص تلك نجدها مدرجة في نسيج الرواية لدرجة أننا لو قلنا ان ذلك الادراج هو بمثابة تحشية أو تذييل أو محاكاة وتحريف ساخر لما جانبنا الصواب، لا بل انه عين الصواب وميسم من الروائية في الكيخوطي، ثم أليست التحشية والتذييل والمحاكاة الساحرة أشياء هي بمثابة تكميل وملء للفراغ وسد النقص، وتسويد للبياض الذي يلاحظ علي الأصل، والأصل هنا هو مجموع أشكال وأنماط الرواية التي حاورها المؤلف، ولنأخذ واحدا من تلك الأجناس الروائية، وليكن رواية الفروسية، أليست التأملات التي يسوقها سرفانتس عن هذه الرواية، هي بمثابة تأمل وتحشية تذييل علي هذا النوع من الرواية التي ازدهرت في القرن السابع عشر وما قبله، بل الأكثر من ذلك انها تأمل حول الكتابة وتقويم لها ورصد لنقص يلاحظ ينبغي اتمامه وتداركه وعيوب من الأجدر تلافيها من تلك اللغة التي كتبت بها تعابير تلك الرواية، وهي تعابير تتوسل الغموض أداة والحذلقة أسلوبا والتقعر والتراكب والمعاطلة نهجا، والكيخوطي الذي أدمن قراءة روايات الفروسية حيرته تلك التعابير فسهر الليالي في محاولة لفهمها، حاول وأعاد فما استطاع شيئا أمامها لغموضها لدرجة أن أرسطو لو استفاق من قبره لما استطاع فك ألغازها، وهكذا فالتنويعات التي يسوقها سرفانتس عن لغة رواية الفروسية، وعن بناء بعض نماذجها التي يذكرها بالاسم، هي نقد وسخرية وهي تكميل لنقص حاصل في الأصل يتم تداركه بالتنبيه عليه من خلال رواية تتأمل ذاتها يكتبها المؤلف، والمحاكاة التي يلجأ اليها سرفانتس، أليست نوعا من الحوار والمحاورة لنماذج من أشكال السرد تفاعلت معها رواية الكيخوطي، أليست اللغة التي يجريها سرفانتس علي لسان سانشو تابع الكيخوطي هي لغة الرواية الشطارية كما نجدها في الرواية الشطارية المعروفة لاثر يودي طورمس، تلك اللغة الغارقة في أوحال البيئات الفقيرة المطرزة بالأمثال والحكم والأقوال السائرة، في نفس الآن نجد اللغة المتدفقة علي لسان الكيخوطي، لغة عاملة موغلة في التأنق والتصنع والحذلقة. انها لغة شخصيات الرواية الفروسية التي يتأملها سرفانتس في الرواية، وهكذا فرواية دون كيخوطي التي ألفها سرفانتس بعد أن طوف في الافاق وخبر الأسر وعاني من سوء الحظ وسوء الطالع، تحاور التجربة الغنية لمؤلفها، وقبل ذلك تحاور أنماط وأشكال السرود التي تناهت الي سرفانتس واطلع عليها هو فتمثلها وتأملها.كاتب وشاعر من المغرب 0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية