جانب من عملية إخراج المدنيين من الباغوز شرق الفرات في دير الزور أمس
دمشق – «القدس العربي» : في إشارة إلى اتفاق غير واضح المعالم بين واشنطن وحليفها الاستراتيجي انقرة، في طريق إعادة بناء الثقة المتزعزعة بين الجانبين، بحث الرئيسان التركي رجب طيب اردوغان والأمريكي دونالد ترامب، عملية الانسحاب الأمريكي والمنطقة آمنة شمال شرقي سوريا، خلال مكالمة هاتفية اعقبها اعلان البيت الأبيض ترك واشنطن 200 جندي من قواتها لحفظ السلام بعد إتمام عملية انسحابها من سوريا، وذلك بعد سلسلة تفجيرات جعلت القيادة الأمريكية على يقين بحاجتها إلى كوادرها الخاصة لحماية مواقعها الاستراتيجية في سوريا كأولية أساسية لها.
الأكراد يشيدون بالقرار الأمريكي الذي اعتبروه لصالحهم
وناقش الرئيسان قضايا أبرزها الأزمة السورية، معلنين عن لقاءات قريبة بين مسؤولين أمريكيين واتراك تشمل وزير الدفاع الأمريكي بالوكالة باتريك شاناهان، ورئيس الأركان الأمريكي جوزيف دانفورد، مع نظيريهما التركيين، في واشنطن، الأسبوع الجاري، لمناقشة الملفات العالقة.
وفي شارة إلى مساعي واشنطن وأنقرة لحل كافة القضايا العالقة بينهما والتي تخصّ مسار العلاقات الثنائية على نحو متوازن يلقى قبولاً لدى كلّ منهما، بيّن اردوغان خلال الاتصال رغبة بلاده في مواصلة علاقاتها الوثيقة مع شريكها الاستراتيجي حيث اتفق الرئيسان حسب وكالة الاناضول التركية على تنفيذ قرار الولايات المتحدة الانسحاب من سوريا، بما يتماشى مع المصالح المشتركة دون الإضرار بالأهداف المشتركة.
كما ذكر البيت الأبيض إن الرئيس الأمريكي ونظيره التركي اتفقا على مواصلة التنسيق فيما يتعلق بإنشاء منطقة آمنة محتملة في سوريا، جاء ذلك في بيان نشره البيت الأبيض حول الاتصال الهاتفي الذي جرى بين ترامب واردوغان، مساء الخميس.
وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض سارة ساندرز «ستبقى مجموعة صغيرة لحفظ السلام من نحو 200 في سورية لفترة من الوقت» وهو ما ترجمه مراقبون على انه رسالة لطمأنة قوات قسد التي تقودها وحدات الحماية الشعب الكردية، الامر الذي من شانه تبديد مخاوفها النابعة من تخلي الولايات المتحدة الأمريكية عنها ويقلل من فاعلية الاجتماعات بين النظام السوري ووحدات الحماية.
وحسب مراقبين فإن هذا القرار مرتبط بإعادة تقييم للآليات اللازمة لحماية المصالح الأمريكية وفقاً لاستراتيجية الأمن القومي في المنطقة، وعلاقة ذلك بالحلفاء المحليين في سوريا والإقليميين الذين تنظر إليهم واشنطن كجزء من استراتيجيتها.
واعتبر الباحث السياسي نوار أوليفر ان قرار ترامب بالانسحاب الكامل من سوريا كان قراراً متسرعاً، حيث تغير القرار على مراحل عدة، أولها كان عبر التصريح بإبقاء عدد من الخبراء ثم عدم التخلي عن التنف في منطقة البادية الشامية وآخرها كان الإبقاء على 200 جندي أمريكي، وبيّن المتحدث لـ»القدس العربي» إن الـ200 جندي الذين تحدث عنهم البيت الأبيض، بحاجة اكيدة إلى فريق خدمي لذا من الطبيعي ان يكون عدد الكوادر الأمريكية أكثر من 200.
القرار بإبقاء قوة أمريكية صغيرة «لحفظ السلام» لفترة من الوقت في سوريا عقب الانسحاب منها، جاء حسب أوليفر بعد تفجيرات عدة استهدفت عناصر امريكية تبناها «داعش» في كل من منبج والشدادي، ومع فشل الذراع الأمنية لقوات «قسد» في تأمين المنطقة، حيث أيقنت القيادة الأمريكية أنها بحاجة إلى كوادرها الخاصة لحماية بعض المواقع الاستراتيجية لها كأولية أساسية وعلى التوازي من هذا الامر تأتي معضلة المنطقة العازلة حيث تدرك امريكا بأن أي تأخير إضافي على البت بالموضوع قد يؤدي إلى انفجار الوضع على الحدود بالقرب من تل أبيض فضلاً عن توسيع التعاون التركي – الروسي في منبج.
وفي سياق سياسة الاسترضاء الأمريكية، ما كان على واشنطن إلا طمأنة حليفيها المحلي والدولي، حيث كانت طمأنة الجانب التركي بإظهار الجدية الأمريكية «بإنشاء المنطقة العازلة وبنفس الوقت، فإن وجود عناصر أمريكية سوف يكون سبباً رئيسياً لطمأنة قوات «قسد» الحليف المحلي للقوات الأمريكية» في سوريا.
ويُمكن القول إن واشنطن أعادت النظر بطبيعة العلاقة مع الحلفاء ضمن آليات حماية المصالح الأمريكية، وإن قرار إبقاء مجموعة من الجنود مؤشر على اتفاق غير واضح مع تركيا على اعتبار أن الطرفين يعملان على إعادة بناء الثقة المترنحة بينهما.
الاتفاق التركي – الأمريكي في المنطقة هو اتفاق إيجابي لكلا الدولتين وعلى المحاور كافة حسب الباحث السياسي أوليفر الذي رأى في حديث لـ»القدس العربي» ان الاتفاق سيضمن ضبط الحدود من دون تكلفة عسكرية من قبل الاتراك كما سيوطد العلاقة الأمريكية – التركية ويقلل من فرص التعاون التركي-الروسي في المنطقة وكما ذكرنا سابقاً بان قرار ابقاء الـ200 جندي وكونهم جزءاً من المنطقة العازلة يعتبر رسالة امريكية واضحة لطمأنة قوات وحدات الحماية الكردية وبالتالي يختفي الشعور بأن أمريكا تخلت عنهم ويقلل من فاعلية الاجتماعات بين النظام السوري و»الوحدات».
ورحبت الإدارة التي يقودها الأكراد وتدير مساحة كبيرة من شمال سوريا بقرار الولايات المتحدة إبقاء 200 جندي أمريكي في سوريا بعد سحب قواتها، قائلة إن ذلك سيحمي منطقتهم وقد يشجع دولاً أوروبية على أن تبقي قواتها أيضاً.
وقال عبد الكريم عمر أحد مسؤولي العلاقات الخارجية في المنطقة التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة لرويترز «نقيّم قرار البيت الأبيض بالاحتفاظ بمئتي جندي لحفظ السلام في المنطقة… إيجابياً».
وقال المسؤول الكردي «ويمكن أن هذا القرار يشجع الدول الأوروبية الأخرى وخاصة شركاءنا في التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، أيضاً (على) الاحتفاظ بقوات في المنطقة» معتقداً ان «بقاء عدد من الجنود الأمريكيين وعدد أكبر من قوات التحالف وبحماية جوية، سيلعب دوراً في تثبيت الاستقرار وبحماية المنطقة أيضاً».