قضية النازحين السوريين مسمار في العلاقة بين عون والقوات: هل تريد دمشق عودتهم أم تطبيع العلاقة مع بيروت فقط؟

سعد الياس
حجم الخط
0

بيروت-“القدس العربي”: عاد موضوع النازحين السوريين ليحتل صدارة الاهتمام هذا الأسبوع في لبنان مع قيام وزير الدولة لشؤون النازحين صالح الغريب بزيارة رسمية إلى دمشق للتداول في سبل توفير العودة الآمنة واعتراض وزراء القوات اللبنانية على هذه الزيارة انطلاقاً من خرقها لمبدأ النأي بالنفس وتشكيلها وجهاً من وجوه التطبيع مع النظام السوري.

ويستند وزراء القوات ومعهم وزراء الحزب التقدمي الاشتراكي وضمناً وزراء تيار المستقبل إلى أن ما يجري على ظهر النازحين السوريين هو عملية غش كبيرة وعدم ثقة بنظام كيف له بعد أن هجّر شعبه أن يؤمن عودة النازحين إلى حيث سيلقون المصير المشؤوم؟ يترافق ذلك مع اعتبار رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع “أن مقاربة من هذا النوع لا يمكن ان تقنع أي عاقل، ولا تعدو كونها ذر رماد في العيون، وحيلة لم تعد تنطلي على اللبنانيين، وليست تالياً إلا مجرد نافذة يحاولون فتحها لجرّ لبنان إلى التطبيع مع سوريا”.

ورداً على هذه الموقف، اتُهمت القوات من قبل خصومها بالعمل لابقاء النازحين السوريين في لبنان، وأنها تتماهى مع أجندة المجتمع الدولي الرافضة لعودتهم إلى بلدهم ولو أدّى ذلك إلى توطينهم وضرب البنية الديموغرافية الدقيقة للبلد. ويستغرب خصوم القوات ما سمّوه “النفَس القواتي” في جلسة مجلس الوزراء حيث أن زيارة الغريب إلى سوريا كانت بعلم رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس الحكومة سعد الحريري وبتنسيق مباشر مع رئيس التيار الوطني الحر وزير الخارجية جبران باسيل وهذا ما يفسّر ملازمة الرئيس الحريري الصمت خلال الجلسة الوزارية طيلة فترة النقاش.

على هذه الاتهامات ترد مصادر وزارية في القوات اللبنانية بقولها “هل اعترضت القوات حين عاد آلاف النازحين السوريين إلى بلادهم بتنسيق مع الأمن العام اللبناني؟ فالقوات أول من طالبت بعودة النازحين إلى سوريا اليوم قبل الغد، ولكن هناك حملة تضليلا وابتزازا يتعرّض له لبنان من النظام السوري الذي يريد فرض شروطه”. وسألت “من يمنع عودة النازحين ويجبر بعضهم على التجنيد الإجباري والتحقيق معهم واعتقالهم أو اخضاعهم لكي يكونوا موالين للنظام؟”.

وإذا كان بديهياً أن يدافع الثنائي الشيعي عن العلاقة مع سوريا، إلا أن اللافت هو تولّي ​رئيس الجمهورية​ العماد ​ميشال عون تفسير وجهة نظره من موضوع النأي بالنفس الذي طالب وزراء القوات بعدم خرقه حيث قال “إن ​النأي بالنفس​ حسب مفهومنا هو عما يحصل في ​سوريا​، وليس عن مليون ونصف مليون نازح سوري يعيشون في ​لبنان​، ما ألحق تداعيات اقتصادية واجتماعية وانمائية وأمنية أثرت على أوضاعنا، خصوصاً مع تلاحق الأزمات الاقتصادية الخارجية والداخلية التي أحاطت بنا”. وأضاف “أتذكّر قولاً لنابوليون يقول فيه: السياسة​ ابنة التاريخ، والتاريخ ابن الجغرافيا، والجغرافيا ثابتة لا تتغيّر. وبالتالي، فإن أي بلد مجاور مثل سوريا، لا بدّ أن نقيم معه علاقة خاصة. من هنا، فإن علاقتنا بسوريا غير علاقتنا بتركيا أو ​إيران​ مثلاً”.

وأكد عون أن “الدول الخارجية لا تريد أن تستضيف نازحين ولا تسمح لنا بأن نعيدهم إلى وطنهم. كيف يكون ذلك وبأي حق؟ وأنا لا أقبل بأي شيء يؤذي مصلحة لبنان ولقد استضفنا النازحين لأسباب إنسانية وتحمّلنا أكثر مما نستطيع أن نتحمّل” معتبراً انه “ما من دولة استقبلت نازحين مثلما استقبلنا، ولا نستطيع أن نستمر هكذا. أنا أقول لكم وللبنانيين، لقد أقسمت اليمين على ​الدستور​ على المحافظة على السيادة والقوانين. ولا أقبل بأن يكون على أرض وطني هذا العدد الضخم من النازحين” مشيراً إلى “أن اللجوء السياسي يكون لمضطهدين في ​السياسة​، وليس للهاربين من ويلات الحرب وبداعي الحاجات المفقودة، ومتى عاد الاستقرار فإن على هؤلاء أن يعودوا ولقد رحّب الرئيس السوري ​بشار الأسد​ بالنازحين العائدين، وإني أتساءل كيف ننسّق انتقال قرابة مليون ونصف مليون نازح من دون التواصل والتنسيق مع ​الدولة السورية​ التي تجري بها دول عربية عدة اتصالات لإعادة علاقاتها معها فيما نحن مختلفون على مصلحة لبنان العليا، وأنا أعرف مصلحة لبنان العليا وأنا أحدّدها”.

وإثر هذا الكلام الرئاسي، تلقّى الرئيس عون غطاء مارونيا من رأس الكنيسة المارونية البطريرك مار بشارة بطرس الراعي الذي أكد “أن الرئيس هو حامي الدستور وحامي الشعب وموقفه في مجلس الوزراء كان مشرّفا” نافيا أن يكون تعدّى على صلاحيات رئيس مجلس الوزراء، وداعياً إلى “فصل الشأن السياسي في ما يخصّ العلاقات مع سوريا عن مسألة عودة النازحين وعدم انتظار الحلّ السياسي للأزمة السورية لتأمين عودة النازحين إلى بلدهم لئلا يحصل ما حصل في الملفّ الفلسطيني”.

وإذا كان رئيس الحكومة عازماً على الانصراف إلى العمل والإنتاجية بدل الدخول في سجالات سياسية، وإذا كان رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط رغم موقفه المعروف من النظام السوري وخوفه على النازحين السوريين تمنى “ان يخرج هذا الموضوع من سجال المزايدة وان يكون موضوعياً بعيداً عن العنصرية البغيضة الرائجة” فلا يبقى في الساحة إلا القوات اللبنانية التي إذا بقيت على موقفها من هذه القضية معتبرة أنها مدخل إلى التطبيع مع دمشق، ستصطدم برئيس الجمهورية كما حصل في آخر جلسة لمجلس الوزراء وستكون لهذا الوضع تداعيات على العلاقة بين أكبر حزبين مسيحيين، وستؤسس لمسمار جديد يُدقّ في نعش اتفاق معراب.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية