اللاسامية في أوروبا تصب الماء على طاحونة الدعاية الإسرائيلية

وديع عواودة
حجم الخط
0

الناصرة-“القدس العربي”: كما في مرات سابقة تسارع إسرائيل لاستغلال كل موجة معاداة للسامية في العالم للتذكير بخطاب الضحية وعقدة الذنب والاحتجاج لدى الحكومات الأوروبية وفي الوقت نفسه استخدامها لدفع المزيد من المهاجرين الجدد لها لاسيما أن ينبوع الهجرة يكاد ينضب منذ الهجرة الروسية الكبرى عقب سقوط الاتحاد السوفييتي. على خلفية مظاهر ما يعرف بـ “اللاسامية” بعث الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين برسالة عاجلة إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، عبر فيها عن مخاوفه من الأوضاع في فرنسا، على ضوء موجة الاعتداءات اللاسامية الأخيرة في أوروبا عموما وفي فرنسا خصوصا. وعن ذلك قال ريفلين: “أكتب اليك كصديق لي على المستوى الشخصي وأيضا باسم إسرائيل، حتى أعبر عن تقديري لزيارتك إلى المقبرة اليهودية شرق فرنسا وفي نصب المحرقة في باريس”. لافتا إلى أن تدنيس القبور اليهودية مع رموز نازية، يشكل تذكيرا بوجود اللاسامية ويتابع “للأسف، هذا ليس حادثا وحيدا، حيث شهدنا في الآونة الأخيرة اعتداءات لاسامية أخرى، مخيفة ومقلقة تشكل إهانة للشعب اليهودي، والجمهورية الفرنسية ولكل الإنسانية”. وطلب ريفيلن من ماكرون اتخاذ موقف قوي، حازم وواضح حيال هذه الأحداث، مذكرا إياه بالتزامه وتعهده أمامه خلال اجتماعه الأخير معه في فرنسا بمحاربة اللاسامية. يشار إلى أن أكثر من نصف أعضاء الحكومة الفرنسية بينهم رئيسها والعديد من النواب شاركوا الثلاثاء الماضي في تجمعات مناهضة لتزايد الأعمال المعادية للسامية بما في ذلك استهداف المفكر آلان فينكيلكرو على هامش حركة “السترات الصفراء”. وقد أحصت فرنسا في الإجمال 541 عملا معاديا للسامية في 2018 وهو رقم ازداد بنسبة 74 في المئة في عام واحد، لكنه لا يزال أدنى من أرقام سجلت في 2014 (851) وفي 2004 (974). وجاءت التظاهرات تلبية لنداء وقعه حوالي عشرين حزبا، بمبادرة من رئيس الحزب الاشتراكي اوليفييه فور. كما ذكر توجه ماكرون إلى نصب المحرقة أيضا لينضم إلى فيران ولارشيه وجاء ذلك قبل الإعلان عن “تدنيس حوالي 80 قبرا” في المقبرة اليهودية في كاتسنايم في الالزاس. من جانبه وفي كلمته أمام رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية ساوى رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، بين “معاداة الصهيونية” و”معاداة السامية”. وادعى أن “معاداة الصهيونية هي الطريقة الجديدة لمعاداة السامية” وقال إن “هناك مشكلة نواجهها، وأنتم، أيضا، ترونها، وهي معاداة السامية… نرى ذلك في الاتهامات الخاطئة تجاه اليهود، ونرى ذلك في محاولات قتل يهود بواسطة أيديولوجيات راديكالية، ومنذ قيام دولة إسرائيل نرى نوعا جديدا من معاداة السامية”. كعادته دأب نتنياهو على استخدام لغة التضخيم والتهويل وقال إن “ميليشيات تحاول محو دولة اليهود واليهود وفقط هم” وأضاف “يجب علينا أن ندعو ذلك ببساطة وبشكل واضح: معاداة الصهيونية هي الطريقة الجديدة لمعاداة السامية، بغض النظر عن مصدرها. يجب على الجميع إدانة ذلك”. وجاءت تصريحات نتنياهو على خلفية الأزمة المتفاقمة مع بولندا، والتي أدت إلى إلغاء قمة “فيشغراد” بمشاركة كل من بولندا والمجر والتشيك وسلوفاكيا، في إسرائيل الثلاثاء المنصرم. وقرر رئيس الحكومة البولندية، ماتيوش موافيسكي، عدم إرسال مندوب إلى المؤتمر في أعقاب تصريحات القائمة بأعمال وزير الخارجية الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، الذي اقتبس تصريحات رئيس الحكومة الأسبق، اسحق شامير، الذي قال “إن البولنديين رضعوا معاداة السامية من حليب أمهاتهم”.

كذلك، فإن تصريحات نتنياهو الأخيرة وردت في مؤتمر يشارك فيه أكثر من 100 من زعماء نحو 53 منظمة يهودية أمريكية مختلفة. يشار إلى أن مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية هو تنظيم يهودي صهيوني ينشط في الولايات المتحدة، ويوحد كل المنظمات اليهودية في تنسيق وتوجيه مواقفهم ونشاطاتهم في القضايا اليهودية مقابل الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية وهيئات سلطوية أخرى. وقد انضم عدد من الوزراء الإسرائيليين لتوظيف الأعمال المعادية لليهود في بعض دول أوروبا من أجل مكاسب دعائية، فدعا وزير التعليم نفتالي بينيت المتبقين من اليهود في فرنسا للهجرة إلى إسرائيل باعتبارها دولة اليهود وأفضل ملجأ لهم في العالم لاسيما أن المخاطر ما زالت محدقة بهم في كل العالم.

و”اللاسامية” مصطلح متعارف عليه في أوروبا وهو كراهية اليهود وملاحقتهم على يد حكومات أو فئات من شعوب أوروبية وذلك بسبب انتماء اليهود للشعب السامي المختلف عن الشعوب الأوروبية. ولقد عُرِفت ظاهرة اللاسامية في العصور القديمة واللاحقة أيضاً ولكن مصطلح اللاسامية ذاته ظهر في الربع الأخير من القرن التاسع عشر من خلال كتاب نشره فيلهلم مار بالألمانية عام 1879 تحت عنوان “انتصار اليهودية على المسيحية”. وتؤكد مديرة المركز الفلسطيني للشؤون الإسرائيلية “مدار” دكتورة هنيدة غانم، إن هدف اللاسامية هو إظهار اليهود كعنصر منفرد وغريب وله مميزات خاصة به دون سواه من الشعوب الأخرى في العالم. وتتابع “تم توظيف اللاسامية كمفهوم لأهداف سياسية من قبل الصهيونية، وتم توظيفه من أجل إسكات أي صوت انتقادي للصهيونية وممارساتها بحق الشعب الفلسطيني، عبر تعميمه حيناً وتحريفه أحياناً أخرى. وتم استخدام المفهوم للابتزاز في السياقات السياسية والأكاديمية ما أخرج المفهوم عن سياقه وجعله اشكالياً ومثيراً للجدل”. وحسب “مدار” يمكن ارجاع ظهور اللاسامية لعدة عوامل منها العامل الديني: وهو عبارة عن نظرة مسيحيين أوروبيين إلى اليهود على أساس أنهم سببوا موت السيد المسيح، فعقاباً على فعلتهم هذه يجب أن يبقوا في أسفل الدرجات الاجتماعية والسياسية وغيرها. ويعزى لرجال الكنيسة الكاثوليكية لعب دور بارز في اذكاء نار هذا العامل ونشره في الأوساط المسيحية. كما تشير للعامل الاقتصادي: دخل اليهود إثر إتّباع سياسة التحرر والمساواة في عالم التجارة والاقتصاد والثقافة والمهن الحرة، فتحسنت أحوالهم الاقتصادية والمعيشية والمهنية، ما أدى لتبوؤ عدد منهم بعض المهام المركزية في الحياة السياسية والاقتصادية في بعض الدول الأوروبية. ولهذا وجهت التهم إليهم بأنهم يقومون باستغلال المجتمعات المسيحية التي يقيمون فيها. وبهذه الطريقة تحول نجاح اليهود في المجال الاقتصادي إلى عامل كراهية فعّال داخل الدول الأوروبية.

أما العامل القومي فهو في رأيها مرتبط بظهور الحركات القومية في مختلف أنحاء القارة الأوروبية في أواخر القرن التاسع عشر، وظهور أحزاب وحركات سياسية اهتمت بالعنصر والقومية، واتهمت اليهود بأنهم ليسوا أمناء للبلاد التي يقيمون فيها، ويرفضون دائماً الاختلاط بالمجتمعات، وأنهم عملوا دائماً على قلب أنظمة الحكم والسيطرة على العالم.

كذلك العامل الاجتماعي: إن مظهر اليهودي ودينه وعاداته وتقاليده هي عبارة عن أمور غريبة عن المحيط الذي يعيش فيه. فاليهودي يرفض الاندماج مع المجتمع المسيحي، وهكذا فإنه يُشكّل عائقاً أمام التقدم الاجتماعي في المجتمعات الأوروبية التي تواكب التقدم والتطور بكل أشكاله. وتشير غانم لدور العامل العنصري: كراهية الأوروبي لليهودي بسبب عنصره السامي وذلك في ميزاته الجسدية والأخلاقية والروحية الغريبة والبعيدة عما هو الحال السائد في أوروبا. ولا تستثني العامل السياسي: قامت بعض الأحزاب والحركات السياسية في أوروبا في القرن التاسع عشر بجذب الناخبين إلى تأييدها بواسطة استغلال إثارة كراهية اليهود لكونهم أصحاب رأس مال قوي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية