واشنطن-“القدس العربي”: اضطرت النائبة المسلمة في الكونغرس، إلهان عمر، إلى الاعتذار للمرة الثانية عن التغريدات، التي تم الزعم بانها “معادية للسامية” ووفقا لمصادر عديدة. فقد قدمت البرلمانية من أصول صومالية، اعتذارها في اجتماع مغلق مع منظمات يهودية.
وقالت إلهان إنها تكرر اعتذارها الصادق عن أي أذى حاضر تسببت فيها كلماتها، مشيرة إلى أنها على علم بأن الكثير من الناس قد عبروا عن دعمهم في محاولة القول إن هذا ليس معاديا للسامية أو لا ينبغي النظر إليه على هذا النحو.
وأشارت إلى أن الأمر يعود إلى الطائفة اليهودية لتحديد معاداة السامية، وقالت بإنها لا تريد إعطاء مساحة أو طاقة لأي شخص يريد تقليل الأذى.
ومن بين المنظمات التي حضرت هذا الاجتماع، رابطة مكافحة التشهير، المجلس الديمقراطي اليهودي في أمريكا، منظمة مساعدة اللاجئين، منظمة “أمريكيون من أجل السلام” والجماعة التقدمية “بيند ارك”.
وقد تعرضت إلهان عمر لحملة عنيفة من الانتقادات في وقت سابق من هذا الشهر بسبب تغريدات تشير إلى أن المشرعين الأمريكيين كانوا مدفوعين بالمال للدفاع عن إسرائيل.
وعلى الرغم من توضيحها في البداية أن تغريداتها تشير إلى جماعات ضغط قوية، مثل لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية “ايباك” إلا أن الحملة ضدها اعتمدت على أن التصريحات تتذرع بالقوالب النمطية الضارة عن اليهود. وقالت في بيان عقب رد الفعل العنيف: “لا أريد أبدا أن أسيء إلى الناخبين، ويجب أن نكون دائما على استعداد للتراجع والتفكير في النقد، مثلما أتوقع أن يسمع الناس مني عندما يهاجمني الآخرون من أجل هويتي، ولهذا السبب أعتذر”.
وأضافت أنها تعارض التأثير الذي تمارسه جماعات الضغط، وقالت إنها تعيد التأكيد على الدور الإشكالي الذي تلعبه جماعات الضغط في السياسة الأمريكية، سواء كانت “ايباك” أو “أن ار ايه” أو صناعة الوقود الأحفوري، وقالت: “لقد مضى وقت طويل للغاية، ويجب أن نكون مستعدين للتصدي له”.
تعليقات عمر حركت القليل من المياه الراكدة بشأن نفوذ جماعات الضغط اليهودية في واشنطن، التي سارعت بدورها لتحويل الانتباه عن قضية النفوذ وسياسة إسرائيل إلى موضوع آخر تماما هو معاداة السامية. ووفقا لما ذكرته مجلة “نيو ريببلك” فقد حاول ستيفن والت وجون ميرشايمر، مناقشة الضغط المؤيد لإسرائيل قبل أن تأتي إلهان عمر إلى المسرح، ولكن صراخهما ذهب أدراج الريح في حين كانت هناك تداعيات واضحة لتغريدات عمر. وقد نشر والت وميرشايمر مقالا في مجلة “لندن ريفيو أوف بوكس” في 2006 جاء فيه أن الدعم الأمريكي الكبير لإسرائيل، التي تتلقى المزيد من المساعدات العسكرية الأمريكية أكثر من أي دولة على هذا الكوكب، لم يعد له معنى في سياق ما بعد الحرب الباردة، والذي لم تعد إسرائيل فيه “رصيدا استراتيجيا حيويا”. ولاحظ الباحثان أن هناك استمرارية لا عقلانية لهذا الاتجاه، الذي يوجه السياسة الخارجية الأمريكية وجهة واحدة مؤيدة لإسرائيل.
وبالنسبة إلى أي شخص لديه خبرة في السياسة الانتخابية الأمريكية، فإن الإجماع القريب من دعم السياسيين لإسرائيل لم يكن ناتجاً عن تعاطف صهيوني فطري، بل تنظيما وتأثيرا، بما في تأثير ذلك المال، وقوبل البحث بضجة شرسة، واصطف النقاد لمهاجمتهم دون نقاش حقيقي.
وقال الصحافي غلين غرينوالد، تعليقا على الهجوم الذي تعرضت له عمر والنائبة الفلسطينية رشيدة طليب، إنه أمر مذهل، كل هذا الوقت الذي مضى، والزعماء السياسيون الأمريكيون يدافعون عن دولة أجنبية حتى لو كان ذلك يعني مهاجمة حرية التعبير للأمريكيين.
وانتقدت رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بلوسي تعليقات عمر، وكذلك فعلت تشيلسي كلينتون وعدد كبير من السياسيين الأمريكيين. وطالب الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، باستقالتها ودعا نائبه مايك بنس، إلى معاقبتها، واختار العديد من الانتهازيين موقفا غير واضح يتضمن القول إن كلمات عمر كانت غير مدروسة، وفي الوقت نفسه، تجرأ بعض اليساريين للدفاع عن عمر وقالوا إن اتهامها بمعاداة السامية كان انتهازيا وسخيفا. وركز بيتر بينارت على “ازدواجية المعايير” وفي نهاية المطاف، حاول زعيم “ايباك” اسكات النقاش وكل الانتقادات الموجهة إلى السياسات الإسرائيلية ووصفها بانها “معادية للسامية”.
المهم في الأمر، أن النقاش بدأ بغض النظر عن “الخطوط الحمراء الوهمية” وعلى سبيل المثال، ناقش مجلس العلاقات الخارجية مسألة النقاش بحد ذاتها تحت عنوان” كيف نتحدث أو لا نتحدث عن اللوبي الإسرائيلي؟” مع خلفية حول نظريات تأثير المال اليهودي والشك في ولائهم الوطني والمحرقة وغير ذلك.
المشكلة كما أوضح تقرير الشؤون الخارجية، هي استخدام حجة معاداة السامية كسلاح سياسي لإسكات الخطاب ضد إسرائيل. وفي الواقع، لا يمكن نفي وجود سلسلة كبيرة من المنظمات والجماعات اليهودية المؤثرة على الحياة السياسية الأمريكية مثل ايباك وغيرها ولا يمكن أيضا، تجاهل حقيقة النفوذ المالي لبعض الشخصيات اليهودية مثل حاييم سابان وشيلدون، على النشاط السياسي، وعلى حد تعبير المجلس، فان الدستور الأمريكي يكفل حرية التعبير، وهو يعني أن أي أمريكي يريد التنظيم والضغط من أجل سياسات معينة يمكن أن يفعل ذلك في نطاق القانون. ولا تختلف المجموعات المتعددة التي تشكل اللوبي الإسرائيلي عما تفعله جمعية البنادق الوطنية أو “بيغ فارما” ولا يوجد أي ما هو تآمري أو غير شرعي حول هذا الموضوع، فنظام الحكم في الولايات المتحدة يعمل وفق هذا الأسلوب.
واتضح من هذا التقرير إضافة إلى مقالات ليبرالية أخرى تتناول الموضوع، أن هناك نية لوضع خطوط حمراء للنقاش في الوسط الذي يتقبل حرية التعبير ولا يمانع من انتقاد إسرائيل، وهي عدم التحدث عن “اللوبي اليهودي” ككتلة واحدة تحت زعم انهم ليسوا كتلة موحدة، ولا توجد قيادة مركزية لهم، وانهم يختلفون حول قضايا محددة على الرغم من اتفاقهم على “العلاقة الخاصة” بين الولايات المتحدة وإسرائيل، كما تمت المطالبة بمنع تعريف اللوبي الإسرائيلي من خلال دين أعضائه أو أصولهم، بل من خلال جدول أعماله السياسي، وعدم التركيز على عنصر واحد فقط من الاستراتيجيات والتكتيكات التي يستخدمها اللوبي اليهودي في واشنطن.
وحدثت صدامات بين بعض أعضاء الحزب الديمقراطي و”ايباك” في أكثر من مناسبة، بما في ذلك الخلافات حول الصفقة النووية الإيرانية، ومن غير المحتمل أن تنتهي هذه الصدامات في وقت قريب، بل أنها ستفتح معارك جديدة تحت اسم “معاداة السامية” بسبب التحولات في الحزب الديمقراطي.
وقد اُصيب الوسط السياسي الأمريكي بالمفاجأة من جرأة النائبة طليب، وهي تقول إن العديد من المشرعين الذين يؤيدون معاقبة حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها قد نسوا أي بلد يمثلونه.
ورأى الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي أنه كان بإمكان إلهان عمر صياغة تغريدة بطريقة لا تؤدي بالخطأ إلى فتح “الإثارات الثقافية” ولكن التيار أكد أنه لا يمكن السماح ببساطة بانتقاد “وول ستريت” والتبرعات الكبيرة و”بيغ فارما” و”بيغ اويل” ولا يمكن الحديث عن “ايباك”.