استمرار التصعيد العسكري في إدلب تصفية حسابات دولية وتباين بين الروسي والتركي

هبة محمد
حجم الخط
0

دمشق – «القدس العربي»: على وقع التباين في المواقف تجاه ملف إدلب الأكثر جدلية، حيث يرغب الروس في نية علنية بإعادتها إلى سيطرة النظام السوري، والحصول من خلالها على مكاسب في العملية السياسية واللجنة الدستورية، فضلاً عن رغبة موسكو بالضغط في إدلب من اجل التدخل بالتفاهمات الأمريكية – التركية حول منطقة شمال شرقي سوريا، وفق الرؤية التي طرحتها والقائمة على بروتوكول أضنة، بينما ترغب انقرة بترسيخ اتفاق التهدئة وتأمين حدودها أمنياً واعتبار ذلك حقاً طبيعياً لها، شدد الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، على أهمية إدلب التي تحتضن مئات الآلاف من السوريين، وما يشكلون من عبء تعجز بلاده عن استيعابه في حال هجرة هؤلاء إليها، وقال إنّ تركيا قطعت شوطًا هامًّا في المباحثات مع روسيا وإيران، لجعل محافظة إدلب «آمنة تماماً».
ولفت اردوغان في مقابلة مع وسائل محلية أن بلاده تعمل على ضمان الهدوء في منطقة إدلب بالتعاون مع روسيا وإيران، بينما يرى مراقبون وخبراء ان هذه الشراكة الأخيرة التي تحدث عنها الرئيس التركي يعتريها بعض التناقضات والتشنجات، وسط تعقد وتأزم الملفات المتداخلة فيها، فيما تدفع ادلب والمدنيين فيها، من الأهالي والمهجرين ثمن الخلافات الدولية والإقليمية.

مقتل 39 مدنيًا بينهم 12 طفلاً و13 امرأة خلال الأسبوعين الأخيرين

وقال وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف في مقابلة مع «التلفزيون الفيتنامي» وتلفزيون الصين المركزي، و«فينيكس» قبل زيارته للصين وفيتنام «نحن لا نخطط لأعمال عسكرية مشتركة بين روسيا وتركيا وإيران على الأراضي السورية» مشيراً إلى ان معظم المناطق في سوريا تشهد وقفًا لإطلاق النار، في الوقت الذي تبقى فيه مشكلة إدلب، حيث من الضروري الفصل بين «المعارضة المسلحة والإرهابيين».

«دوريات مشتركة»؟

ويتحدث مراقبون لـ «القدس العربي»: عن ضغط روسي مكثف من اجل حصة موسكو شرقي الفرات، ومحاولتها اقناع انقرة بتسيير دوريات مشتركة داخل خطوط التماس في المنطقة منزوعة السلاح، بينما ترفض الأخيرة العرض الروسي وتقف عند تسيير دوريات أحادية لكل طرف داخل مناطق نفوذه. وفي الأثناء، تتواصل الخروقات في ادلب والارياف المحيطة بها، المشمولة باتفاق سوتشي للمحافظات الأربع، حيث استهدفت قوات النظام بلدات إدلب الجنوبية الشرقية، ومدينة خان شيخون في القطاع الجنوبي ما أسفر عن مقتل مدني وسقوط جرحى، كما تعرضت قرى «ياقد العدس ومعارة الأرتيق» بريف حلب الشمالي، لقصف مماثل واسفر ذلك عن ارتفاع اعداد الضحايا إلى 39 مدنيًا بينهم 12 طفلاً و13 امرأة، قتلوا جميعهم في الفترة الممتدة ما بين التاسع من شهر شباط / فبراير الجاري والرابع والعشرين منه. وقال المرصد السوري لحقوق الانسان ان 297 على الأقل قتلوا منذ تطبيق اتفاق سوتشي، بينهم 131 مدنياً و 51 طفلاً و26 سيدة، جميعهم قتلوا في قصف من قبل قوات النظام والمسلحين الموالين لها على محافظة ادلب والارياف الأربعة الملاصقة، في حماة وحلب واللاذقية.
لم يعد ما يحدث في إدلب والشمال من قصف وقتل وتدمير، مرتبطاً بملف إدلب فقط، بل الأمر أعقد من ذلك، حسب رؤية القيادي في المعارضة السورية المسلحة مصطفى سيجري حيث وصف إدلب بأرض تصفية الحسابات التي تدفع ثمن الخلافات الدولية.
وأوضح رئيس المكتب السياسي في «لواء المعتصم» التابع للجيش السوري الحر، في حديث مع «القدس العربي» ان المنطقة تستخدم فيها كل أساليب الضغط السياسي ولكن بطرق عسكرية واجرامية، لافتاً إلى أن تركيا ما تزال تدفع وبقوة باتجاه وقف الجرائم في إدلب «وتقف سدا منيعا في وجه أي محاولة للتقدم البري وشن عمل عسكرية». وبالرغم من القصف المتواصل لقوات النظام السوري، بتوجيه روسي، اعرب المتحدث عن ثقته بقصور النظامين الروسي والسوري ومعهما إيران على البدء بأي عملية عسكرية برية على إدلب ومحيطها في ظل تواجد القواعد العسكرية التركية.

أسباب التصعيد

وحول القواعد العسكرية التركية في المنطقة استبعد سيجري سحب أي منها «ما لم تفض الجهود الدبلوماسية إلى تحقيق حل سياسي يعيد فيه للشعب السوري حقه في تقرير مصيره، وما لم ينعم أهلنا وشعبنا بالأمن والأمان والاستقرار، ويتم تطهير المنطقة من الجماعات الإرهابية وعلى كامل الحدود السورية التركية» وأكد أنه في حال تقرر سحب القوات العسكرية الأجنبية فلن يكون إلا سحب جماعي، بما في ذلك القوات الأمريكية والروسية والإيرانية».
وفسر القيادي في الجيش الحر المدعوم من انقرة ان التوجيه الروسي بقصف ادلب ومحيطها، يقف وراءه مجموعة قضايا، أهمها العملية السياسية واللجنة الدستورية، إضافة إلى التفاهمات الأمريكية – التركية حول منطقة شمال شرق سورية، وأيضا سيطرة تنظيم جبهة النصرة على المنطقة، الامر الذي عزز الموقف الروسي والإيراني.
ووجّهت روسيا وإيران مؤخراً في أكثر من مناسبة رسائل سياسية إلى تركيا تحمل تصعيداً نسبياً في الخطاب إزاء التغيرات التي حصلت في محافظة إدلب وسيطرة هيئة تحرير الشام على أبرز مفاصل القوة والثروة فيها، ويُمكن الاعتقاد أن هذا التصعيد يحمل عدة جوانب.
وحول أسباب التصعيد قال الباحث السياسي عبد الوهاب عاصي، ان روسيا تريد الضغط على تركيا من أجل الوصول إلى تفاهم معها حول شرق الفرات وفق الرؤية التي طرحتها والقائمة على بروتوكول أضنة 1998. إضافة إلى سبب آخر، اذ تريد روسيا الضغط على تركيا لإعادة صياغة اتفاق جديد في الشمال السوري وفق نموذج يتناسب مع مصالحها الاستراتيجية ووجودها الاعتباري، لأن اتفاق خفض التصعيد وملحقه الخاص بالمنطقة منزوعة السلاح لم يكن ليلبي جميع مصالح روسيا في سوريا ومكانها كفاعل رئيسي، إنما يستجيب لأهداف مؤقتة. وبطبيعة الحال تتخذ روسيا من ملف هيئة تحرير الشام ثغرة للضغط على تركيا، لأن هذه الأخيرة ملتزمة بإيجاد حل لها يتناسب مع تطبيق اتفاق خفض التصعيد والحل السياسي.
وبيّن المتحدث باسم الجيش الوطني الرائد يوسف حمود موقف المعارضة من التصعيد الروسي على المنطقة، في ظل وجود الضامن التركي حيث اكد وجود نقاط خلافية بين الجانبين التركي والروسي فيما يخص ملف محافظة ادلب والاشراف النهائي عليها، وقال ان هذه النقاط تتمحور حول «آلية تنفيذ الاتفاق وانهاء ملف هيئة تحرير الشام».
وقال حمود ل« «القدس العربي»، ان القصف لم يتوقف من بداية دخول روسيا في العدوان إلى جانب النظام السوري، لكن ما حدث هول تبدل شكله، حيث اسندت مهام القصف المدفعي لقوات النظام، كبديل للقصف الجوي الروسي، مؤكدا ان ذلك دليل «على وضع ملف محافظة ادلب على الطاولة التركية حيث تعهدت الأخيرة بانهاء اي شكل من اشكال الإرهاب».
واستبعد المتحدث ان يقوم النظام باي عمل عسكري تلقائي، حتى على مستوى تكتيكي، وقال «منذ دخول الروسي والإيراني كطرف ضامن له، هو فقط ينفذ تعليمات الطرفين وهو منقسم على نفسه من خلال مراعاة ومحاولة التوفيق بين الاوامر الروسية والإيرانية في المنطقة، فالنظام وبأوامر من حلفائه إيران وروسيا ينفذ عمليات القصف من اجل وتهجير المدنيين في اتجاه الحدود السورية التركية الامر الذي من شانه تشكيل ضغط على الجانب التركي بخصوص التفاهمات الدولية المقبلة».

«دوريات متوازية»

من جانب آخر تحدث مصدر مسؤول عن مجموعة أسباب متداخلة للتصعيد الروسي على محافظة ادلب، أكدها هشام سكيف المسؤول في المكتب السياسي للواء السلام التابع للجيش الوطني، و»أولها الضغط روسي على تركيا للقبول بالدوريات المشتركة بينما وافقت تركيا على الدوريات الموازية، اذ يريد الجانب الروسي تسيير دوريات مشتركة داخل خطوط التماس في المنطقة منزوعة السلاح، بينما وافق الاتراك على تسيير دوريات متوازية لكل طرف من داخل منطقة نفوذه، تركيا من خط المعارضة وروسيا من خط النظام».
وقال سكيف لـ «القدس العربي» ان السبب الثاني هو ضغط موسكو على انقرة من اجل حصة في شرقي الفرات، اما السبب الأخير فهو رغبة إيران في عملية عسكرية تخرب من خلالها الاتفاق التركي – الروسي، كونها اكبر الخاسرين مما يجري «فهي تتقهقر سياسياً والعقوبات تكاد تنهي سيطرتها على الميليشيات الطائفية فتريد معركة تخلط فيها الاوراق وتفاوض عليها».
وحول موقف «الضامن التركي» قال سكيف ان النقاط التركية هي نقاط مراقبة وليست نقاط تمركز حيوي أي أنها ليست ذات مهام هجومية بل ترد على مصدر النيران في حال تعرضت للنار، ومن جانب آخر فإن الضامن التركي يبلغ عن الخروقات، معتقداً ان تشهد الايام المقبلة هدوءاً نسبياً لا سيما بعد انقضاء قمة سوتشي مضيفاً «لقد تعودنا على التصعيد قبيل كل اجتماع لاستانة وقد انهى الاجتماع اعماله وحدد موعد له في آذار لذلك ستكون هناك مواقف تركية قوية في اجتماع اسطنبول في آذار/مارس المقبل».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية