أتذكرون الخطة الكبرى لترامب لإلغاء الاتفاقات التجارية مع كندا والاتحاد الأوروبي؟ تبقى منها بضعة تعديلات صغيرة في صيغة الاتفاقات القائمة التي كانت ستتم في كل الأحوال، كما هو دارج في الدبلوماسية الاقتصادية. أتذكرون الإعلان عن خروج الولايات المتحدة من سوريا؟ هي لن تخرج، حالياً. والسور على الحدود مع المكسيك؟ حتى ثمنه لن يبنى. ترامب بالكاد ينفذ 5 في المئة مما وعد به.
مصير مشابه ينتظر أيضاً «صفقة القرن» لترامب. فالخطة كان يفترض أن تعرض منذ العام الماضي، ولكنها تأجلت المرة تلو الأخرى، تارة بحجة أن «نحن لا نزال نعمل عليها» وتارة أن «ليس هذا هو الوقت المناسب». معاذير، معاذير.
أما الحقيقة فمحرجة أكثر. لرجال سر ترامب، الذين أودعت في أيديهم مهامة عقد «صفقة القرن»، يعوزهم الإبداع والفكر المنظم ومعرفة الحقائق التاريخية الضرورية لتنفيذ المهامة. ولهذا فإنهم يتراكضون بين عواصم الشرق الأوسط على أمل أن يسمعوا شيئاً ما جديداً ومنعشاً.
منذ صيغة السلام المفصلة للرئيس بيل كلينتون ـ التي أقرتها حكومة إسرائيل مع التحفظات ورفضتها السلطة الفلسطينية ـ لم تنتج هنا خطة بديلة حقيقية. كانت أحاديث، كانت صياغات غامضة، بل كان هناك انسحاب أحادي الجانب من قطاع غزة، ولكنه لم يولد أي حل جديد لتسوية النزاع. كل شيء عاد، في نهاية المطاف، إلى كلينتون وصيغته، التي يصعب اليوم ألف مرة أن يرى فيها خياراً حقيقياً. أمريكا غارقة في حرب أهلية سياسية، وبريطانيا حفرت لنفسها حفرة كبرى في شكل البريكزت، وفي القارة الأوروبية تتعزى قوى شعبوية ـ قومية متطرفة لا يهمها الشرق الأوسط إلا بالقليل. وإذا لم يكن هذا بكاف، فإن روسيا بوتين تظهر على حدودنا، وهي غير معنية ولا مصلحة لها في أن ترى سلاماً أمريكياً هنا.
جدير بالذكر أن التحقيق في العلاقات بين ترامب وأبناء بيته وبين محافل روسية، من شأنه أن يؤدي إلى اتهامات كهذه أو تلك ضد صهره الشاب وعديم التجربة العالمية جارد كوشنير، الذي يتبجح في أن خطته «هو» سرية لا مثيل لها. سرية بحيث إنه مشكوك في أن يكون هو نفسه يفهم ما كتب فيها.
منذ 1967 تصطدم في إسرائيل مدرستان سياسيتان متعارضتان، الأولى تعتقد بأن إسرائيل يمكنها أن تتعزز رغم تحكمها بملايين الفلسطينيين. والثانية تعتقد بأن حكم الفلسطينيين سيؤدي إلى وقف المعجزة الإسرائيلية وإلى أزمة وطنية شاملة. معظم رؤساء الوزراء (اشكول، رابين، بيرس، باراك، شارون، اولمرت) تبنوا المدرسة الثانية، ولهذا فقد سعوا إلى الحوار مع الفلسطينيين. قلة منهم، مثل غولدا وشمير، تبنوا المدرسة الأولى التي بموجبها يمكن احتواء الحكم للفلسطينيين. نتنياهو هو الآخر يؤمن بذلك، من كل قلبه. وكما يبدو، فإن ترامب وكوشنير أيضاً؛ ويشهد على ذلك نيتهم لأن ينفضوا الغبار عن التعبير المهمل «السلام الاقتصادي». نوصي إذن بأن تروا «صفقة القرن» للبيت الأبيض بلا أوهام. قول آخر عديم الاحتمال لرئيس أمريكي لا يتحكم بلسانه.
سيفر بلوتسكر
يديعوت ـ افتتاحي ـ 26/2/2019