بيروت-“القدس العربي”: مستلقية في حضن سلسلة جبال لبنان الشرقية وشامخة على مشارف جبل حرمون جبل الشيخ حيث يأنس لها القمر في بدره الوضاء، إنها راشيا الوادي العابقة برائحة الكرامة والعنفوان والشاهدة على بزوغ فجر الاستقلال اللبناني من قلعتها الأثرية التي احتضنت رجالات الاستقلال في العام 1943 الذين احتجزوا في داخلها أحد عشر يوما على يد الجيش الفرنسي. هي لؤلؤة البقاع التي تسحرك بجمالها الطبيعي والتراثي من خلال سوقها الأثري العتيق الذي يضرب في عمق التاريخ وأحيائها وشوارعها التاريخية وبيوتها القرميدية.
موقعها وتسميتها
تتميز راشيا الوادي بموقع استراتيجي فريد من نوعه فهي تحاذي جبل الشيخ الذي تقع فيه أعلى قمة في سلسلة جبال لبنان الشرقية المحيطة بالغابات والأشجار وتطل على جبال لبنان شمالا وتلال جبل عامل غربا وشمال فلسطين المحتلة جنوبا، وتحاذي أيضا حدود تسع بلدات مجاورة لها وعبرها يمتد النظر بعيدا إلى بحيرة طبريا وسهل الحولة والجليل الأعلى وقلعة الشقيف وجبل الريحان وتومات نيحا.
تعتبر راشيا الوادي المركز الإداري لقضاء راشيا في محافظة البقاع وترتفع عن سطح البحر 1200 متر وتبعد عن العاصمة بيروت 85 كلم ويمكن الوصول إليها عبر شتورا المصنع المنارة متجها نحو الجنوب لمسافة 27 كلم أو عن طريق مرجعيون – حاصبيا متجها نحو الشمال الشرقي لمسافة 33 كلم.
أما تسميتها فتعود إلى اللغة السريانية وهي تعني القمة، تماشيا مع موقعها الجغرافي المنحدر فوق هضبة عالية، ودعيت براشيا الوادي نسبة إلى وادي التيم.
كذلك فإن راشيا تتمتع بتنوع بيئي طبيعي ومناخي مميز، حيث تبدأ أراضيها بارتفاع يبلغ ألف متر عن سطح البحر وتنتهي في قمة جبل الشيخ التي يبلغ ارتفاعها 2814 مترا، ويرجح البعض ان يكون اسمها لفظة آرامية مركبة من كلمتين “رأس أيا ” و”ايا” هو إله المطر والعواصف عند البابليين وللتسمية هذه علاقة أكيدة بتاريخ حرمون.
أما كلمة “الفخار” فهي تعريبٌ للاسم السرياني “Pahhara” التي تعني الخزاف أو الفخار الذي اشتهرت به راشيا الذي كان يصدر منها إلى سوريا وفلسطين وأنحاء لبنان بواسطة قوافل المكاريين وغالبيتهم كانوا من أهالي راشيا.
ونظرا لموقع جبل الشيخ بين الصحراء السورية والبحر المتوسط والذي يبعد عنه خمسين كيلومترا كانت راشيا محطة استوطنها الرومان ومن بعدهم الصليبيون وما تلاهم من تعاقب لحكام وممالك أبرزهم على الإطلاق حكم الأمراء الشهابيين لمنطقة وادي التيم الذين استقروا فيه منذ سنة 1183 تقريبا وكان معقلا لحكمهم في العهدين الصليبي والمملوكي. والأمير بشير الشهابي الأول هو من راشيا وهو ابن اخت الأمير احمد المعني الذي توفي دون ان يترك ولدا ذكرا.
وقد اكتسبت منطقة وادي التيم أهمية في عهد الأمير فخر الدين الثاني وأصبحت معقلا من معاقله. وفي عهد الأمير بشير الثاني، وبعد دخول الجيش المصري إلى لبنان قاومت منطقة وادي التيم الجيش المصري وكبدته خسائر فادحة.
أما خلال عهد القائمقاميتين والمتصرفية فقد أصبحت المنطقة في غالبيتها خارج حدود الجبل وأتبعت إلى ولاية الشآم ثم اعيدت إليه بعد سنة 1920 إبان الانتداب الفرنسي وما أعقبه من اندلاع الثورة السورية الكبرى سنة 1925 وصولا إلى حقبة الاستقلال.
معالمها
يصف البعض بلدة راشيا الوادي بأنها بلدة تراث وتاريخ تيمنا بمعالمها التراثية التي تزخر بها وأبرزها قلعتها التاريخية المعروفة بقلعة الاستقلال أو قلعة حصن 22 تشرين الثاني/نوفمبر وهي قلعة أثرية يعود تاريخ بنائها إلى القرن الحادي عشر حين اهتم الصليبيون ببناء برج لحماية قوافل التجار الآتين من فلسطين نحو بلاد الشام ونقطة مراقبة وحماية لمواكب الحجاج والمسافرين عبر وادي التيم من دمشق إلى القدس في فلسطين.
وتنتصب قلعة راشيا حول البرج الصليبي الذي يعلو نحو 1400 م وعلى مساحة تبلغ 8000 متر وتحيط به المنحدرات من ثلاث جهات وتواجه الجهة الرابعة قمة حرمون، ويعود بناء القلعة إلى أربع مراحل:
-أولا بناء وآثار رومانية منها دهليز بطول 1500 متر يصل إلى عين مري القريبة من حارة الشرفة، وكان يستعمل لحركة المقاتلين وتأمين التموين في حالات الحصار.
-ثانيا أبنية وآثار صليبية وآبار منحوتة بالصخر ردمت اليوم باستثناء بئر واحد صالح للاستعمال، والأقبية السفلى للقلعة وهي القاعة الأثرية الكبرى، مخزن من الجهة الشمالية الشرقية، والبرج من الجهة الغربية الجنوبية وهو أعلى نقطة في القلعة.
ثالثا- أبنية وآثار شهابية: في العام 1370 تولى الأمير أبو بكر الشهابي ولاية حاصبيا، وكان يأتي برفقة زوجته وابنته إلى راشيا للصيد والقنص، فبنى له منزلا داخل القلعة. كما بنى الشهابيون مدخل القلعة والسور، والقناطر من الجهة الجنوبية الغربية، وفي صدرها لوحة حجرية منقوشة بدقة
– رابعا السوق الشرقي الذي بناه الفرنسيون في عام 1920 بعد دخولهم القلعة مستخدمين حجارة المنازل المحيطة بها بعد تهديمها وعمدوا لاحقا إلى مسح معالمها الأثرية عن طريق ترميم الجدران وطليها بالإسمنت، وأسماء اصحاب المنازل لا تزال موجودة على مدخل القسم الشمالي من القلعة.
أحداث عدة شهدتها قلعة راشيا وأبرزها على الإطلاق المعركة الشهيرة التي حصلت في 22 تشرين الثاني/نوفمبر 1925 حين اقتحم المقاتلون في الثورة السورية الكبرى بقيادة سلطان باشا الأطرش أسوار القلعة لتحريرها من الحامية الفرنسية وقد سقط العديد من الشهداء من أبناء راشيا والجوار في تلك المعركة، وفي الساحة العامة للقلعة تنتصب اليوم لوحتان تحمل إحداهما أسماء القتلى الفرنسيين والثانية أسماء شهداء منطقة راشيا.
والحدث الآخر البارز والذي صادف أيضا بتاريخ 22 تشرين الثاني/نوفمبر 1943 هو اليوم الذي شهد تاريخ بزوغ فجر استقلال لبنان، ففي ذلك اليوم شهدت قلعة راشيا خروج كل من الرئيس بشارة الخوري والرئيس رياض الصلح ووزير الخارجية والأشغال العامة سليم تقلا ونائب لبنان الشمالي عبد الحميد كرامي ووزير التموين والتجارة والصناعة عادل عسيران ووزير الداخلية كميل شمعون وذلك بعد اعتقالهم من قبل السلطات الفرنسية لمدة 11 يوما في غرف منفردة لا تزال قائمة حتى اليوم.
وبعد جلاء القوات الفرنسية عام 1946 تمركزت في القلعة قوات من الدرك اللبناني وبعض الإدارات الرسمية، ثم تسلمها الجيش اللبناني في 1 -9 -1964 ولا تزال في عهدته حتى اليوم. وقد أدرجت القلعة مؤخرا على لائحة الأماكن السياحية في لبنان وأنارتها وزارة السياحة ويؤمها السياح من لبنان وخارجه.
ومن المعالم الأثرية أيضا لبلدة راشيا الوادي: العين، وكنيسة الروم، وملجأ، ومعصرة للعنب قديمة، وخربة العتيقة.
وتعتبر كنيسة القديس جاورجيوس التي تمتاز بشموخ قبابها العظيمة قديمة العهد وبنيت منذ مئات السنين في معبد وثني قديم، تؤكد ذلك حجارتها الأثرية الضخمة، المرتفعة عند أعلى هضبة في البلدة، والمشرفة للوافدين إلى راشيا من كل جهة.
ومن معالمها الدينية أيضا مقام الشيخ الفاضل في عين عطا وهو من الأماكن الدينية الخاصة بأحد أولياء الموحدين الدروز، أقيم بالقرب من موقع أثري قديم وتوجد عند مدخله آثار لنقوش مصورة وكتابات رومانية ومجسم محفور في الصخر لنسر يهم بالتحليق.
السوق الأثري
يقع السوق الأثري وسط البلدة وهو محاط بنحو 36 بناء من الأبنية القديمة، وهو مرصوص بالحجارة بشكل هندسي متقن وطوله مئتان وخمسون مترا، ويعود تاريخه إلى القرن السابع عشر وقد تم رصفه عام 1927 بإشراف السلطات الفرنسية من قبل المعلم الشويري شكري عبد الأحد، وقد اهتمت وزارة السياحة بإعادة ترميمه وإنارته عام 1997 ويصنف من الأسواق الأثرية وهو السوق التراثي الوحيد في منطقة البقاع.
مميزاتها ومقوماتها
تمتاز بلدة راشيا الوادي، التي تستقطب السياح للتمتع في رحاب استراحة الحديقة العامة عند مدخلها وتذوق أشهى مأكولاتها اللبنانية في مطاعمها، ببيوتها التراثية المعمارية المبنية بالحجر والمسقوفة بالقرميد الأحمر وبقناطرها الحجرية التي تزين واجهاتها.
كما تمتاز بخصوبة أراضيها الزراعية، ويتفاءل أهل البقاع الغربي أثناء مرورهم في راشيا ولا يغادرونها إن لم يمروا على شجرة النذور أو الأمنيات ليزرعوا نذرا وأمنية. وللشجرة روايات عدة تختلف باختلاف الزمن، إلا أن الكل يجمع على أنها تحقق أمنيات الصادقين لأن أغصانها لا ترمي العقد التي تعقد فيها رغم العواصف والثلوج والأمطار التي تهب على البلدة. فتشهد شجرة الأمنيات الكثير من القطع التي يربطها المتمنون ويعودون لزيارتها في فترات تالية ويجدونها معلقة ما يزيد آمالها.
وتشكل سفوح حرمون والمناطق الحرشية في راشيا مراعي طبيعية واسعة للنحل الذي يجني من زهور ونباتات حرمون وخاصة زهرة الشنديب أجود أنواع العسل الصيفي الذي يضاهي في جودته مثيله الأوروبي بالنظر لنوعية المراعي وارتفاعها التي تصل إلى حدود قمم حرمون، وتشتهر بزراعة الكرمة التي تحتل مكانة أساسية في إنتاجها الزراعي منذ مئات السنين وهذا ما تشهد عليه آثار عشرات المعاصر الخمرية القديمة بين الكروم، وبزراعة الزيتون أيضا حيث تشتهر بجودة إنتاجها من الزيت والزيتون الممتاز جدا والحائز على شهادات تقدير عدة.
بيوتها القرميدية
منازل راشيا تراثية ومزدانة بالقرميد ويعود تشييدها إلى عام 1850 إبان فترة الإرساليات الأجنبية إلى لبنان وتحديدا الفرنسية منها، والنمط المعماري لمنازل القرميد بدأ عندما جاءت إحدى البعثات ودعت إلى بناء منزل كمقر صيفي للمفوض السامي، ثم أخذ هذا النمط المعماري بالتكاثر مع معلمي الشوير ولا يزال القرميد الفرنسي يغطي معظم منازل راشيا حتى يومنا هذا.
وفي الختام إذا شاء التاريخ أن تكون بلدة راشيا الوادي مسرحا لأحداث كبيرة ونموذجا للعيش المشترك منذ أن بزغ فجر الاستقلال من قلعتها وكان لوقفات أبنائها الكثير من المعاني والعبر في صناعة الصمود والتحدي والعنفوان، لا بد من ان تحظى هذه البلدة باهتمام رسمي من الوزارات المعنية لتفادي الاهمال الكبير اللاحق بها وخصوصا الاستثمار السياحي الذي يمكن أن يشكل مردودا كبيرا للأهالي لو تم تنظيم هذا القطاع والاهتمام به بشكل جدي.