أكد وزير الثقافة والاتصال “الإعلام” المغربي، محمد الأعرج، أن النهوض بالثقافة لا يمكن أن يحصل بدون سياسة ثقافية. وأشار إلى أن وزارته تتعامل مع المبادرات التي تقدم إليها وفق قاعدة الاستحقاق والقانون، حيث تمر عبر لجان مستقلة ووفق “دفاتر تحملات” (كراسات شروط).
وفي حوار مع “القدس العربي” استبعد الوزير المغربي أي اعتبار حزبي في التعامل مع المشروعات الثقافية المقترحة، قائلا: “إننا نتعامل مع كل المبادرات على قدم المساواة بفحص مضامينها بكل تجرد، ولا نعرف غالبا حتى الانتماءات الحزبية لأصحابها، لأن ما يهمنا هو سداد الفكرة أو المبادرة أو الفعل الثقافي، بغض النظر عن أي انتماء كيفما كان نوعه لأصحابها، خارج انتماء المواطنة”.
وأشار إلى أن وزارة الثقافة والاتصال تعتمد مقاربة تشاركية تقوم على الإنصات إلى ملاحظات الشركاء واقتراحاتهم، وذلك في أفق إخراج الصناعات الثقافية المغربية، وخاصة منها ما يتعلق بالكتاب والفنون، من وضعية الارتباك والهشاشة إلى مرحلة التعزيز، عن طريق اعتماد مبدأ نيل الدعم مقابل الجودة والمهنية.
ونفى الوزير محمد الأعرج أي تعثر في عملية الدعم المالي الذي تقدمه الحكومة للقنوات التلفزيونية العمومية، مؤكدا أن هذه الأخيرة تتوصل سنويا بالدعم المبرمج ضمن الميزانية المخصصة للقطاع. وأفاد أن عائدات الإعلانات التلفزيونية لدى القنوات المغربية شهدت تراجعا خلال السنين الأخيرة نتيجة تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية ونتيجة توجه الإعلانات نحو الفضاء الرقمي.
وفي ما يلي نص الحوار:
* ما هي الأولويات الكبرى التي تضعونها في برنامج عملكم في وزارة الثقافة والاتصال؟
**أولوياتنا الكبرى في المجال الثقافي يمكن إجمالها في ثلاثة محاور كبرى: الأول، مجال المحافظة على التراث الثقافي وتثمينه وذلك عبر الأشكال الحمائية المادية والقانونية. وفي هذا الإطار، فقد عرف مجال التراث الثقافي تدخلات مهمة سواء في مجال جرده وتسجيله في لائحة التراث الوطني أو في مجال ترميمه وتأهيله وتثمينه من أجل جعله جزءا لا يتجزأ من عناصر التنمية الشاملة، وكذا من أجل الارتقاء به إلى مستوى التسجيل في اللائحة التمثيلية للتراث العالمي للإنسانية. كل ذلك يكون مرفقا بجهد تعريفي وتوعوي، نظرا لكون العناية بتراثنا الوطني مسؤولية تقع على عاتق مختلف الفاعلين. وفي هذا الإطار، قدمت الوزارة إلى مسطرة المصادقة مشروعا جديدا يعزز المسار التشريعي المغربي في مجال التراث الثقافي، وسيشكل بدون شك نقلة نوعية في التعاطي مع مجال التراث الثقافي من خلال تعزيزه للمقتضيات المتعلقة بحمايته وتثمينه وملاءمة إطارها القانوني مع المعايير الدولية بتوافق مع الالتزامات الأممية للمغرب، كما يدمج المشروع المفاهيم الجديدة المعترف بها دوليا فيما يتعلق بالتراث الثقافي.
أما المحور الثاني، فيتمثل في مجال الكتاب والقراءة العمومية، وذلك انطلاقا من كون تعزيز أسس مجتمع المعرفة يمر بالضرورة عبر توسيع مجال تداول الكتاب وجعل القراءة سلوكا عاديا لأوسع شرائح المجتمع. في هذا الإطار، تولي الوزارة اهتماما كبيرا لإنتاج الكتاب ونشره من خلال آلية الدعم ومختلف الجوائز التي تمنح في المجالات المرتبطة به، وكذا من خلال التظاهرات الجهوية والوطنية والدولية التي تنظم حول الكتاب وإنتاجه واستهلاكه.
يتطلب تداول الكتاب رسوخ تقاليد القراءة على نطاق واسع. وإدراكا من الوزارة لهذا المعطى، فإنها وضعت عدة تدابير لبلوغ هذا الهدف تضم توسيع شبكة المكتبات والمكتبات الوسائطية وتسخيرها لتلبية حاجيات مختلف أنواع القراء، سواء منهم ذوو الحاجيات العادية أو الاحتياجات الخاصة من مختلف الأعمار. كما تضم هذه التدابير البرنامج الوطني للتنشيط الثقافي الذي يعرف الآن مراجعة من أجل مزيد من الجودة والتعرف على الحاجيات الحقيقية لرواد هذه المراكز من خلال بطائق الانخراط التي ستتوج بجوائز وتشجيعات للمنخرطين الأوفياء للقراءة. تمنح الوزارة كل سنة، أيضا جائزة للقراءة، فضلا عن إطلاق أنشطة مختلفة للتحفيز على القراءة وجعلها سلوكا يوميا، نذكر منها إعادة إصدار مجلة “الثقافة المغربية” ومجلة “الفنون” واتخاذ تدابير إصدار مجلة موجهه للأطفال هي مجلة “اقرأ”.
ويتعلق المحور الثالث بمجال الصناعات الثقافية، إذ يحتاج النهوض بالثقافة إلى إخضاعها لمنطق الصناعة وذلك بالنظر إلى قدرة المبادلات الثقافية على تحقيق نسب كبيرة في الناتج الداخلي الخام ودعم الميزان التجاري للعديد من الدول. لذلك، تواصل الوزارة تخصيص دعم سنوي لمجالات الثقافة من كتاب ونشر ومسرح وموسيقى وفنون تشكيلية وتظاهرات وجمعيات ثقافية وذلك لتمكينها من إنتاج وترويج المضامين الثقافية والفنية، وذلك من خلال طلبات عروض مشاريع بناء على “دفاتر التحملات”.
كل هذه الأوليات ترتكز بطبيعة الحال على الاستمرار في التغطية بالبنيات التحتية الثقافية مع إحداث مؤسسات مهيكلة كبرى في المدن الكبرى، تعكس إشعاع بلادنا الحضاري والثقافي. كما ترتكز على تأهيل وتوسيع مؤسسات التكوين في المجالات الفنية وذلك من أجل توفير الأطر والخبرات الضرورية لمواكبة التنمية الثقافية.
* تردد منذ عدة شهور، أنكم تعتزمون تقوية تجربة الدعم المالي الحكومي للثقافة والفنون، والذي يشمل الكتاب والنشر، المسرح والفنون الاستعراضية والكوريوغرافية، الموسيقى والأغنية، التشكيل والفنون البصرية، الجمعيات، التظاهرات والمهرجانات الثقافية، أين وصلتم في هذا المشروع؟
**لا شك في أن أي تجربة تدبيرية وميدانية تحتاج بعد حين من تنزيلها إلى وقفة تأمل، لتقييم نتائجها، وفحص نجاعتها، بما يساعد على تعزيز إيجابياتها، وفي الوقت نفسه، على معالجة مظاهر القصور التي تظهر خلال الممارسة، من أجل المرور إلى مرحلة جديدة.
من هذا المنطلق، وجدنا أنفسنا مدعوين إلى هذه الوقفة، من خلال مقاربة تشاركية تقوم على الإنصات إلى ملاحظات شركائنا واقتراحاتهم، واعتمادا على تقارير المجلس الأعلى للحسابات وتقارير المفتشية العامة للمالية وعلى الممارسة اليومية لتدبير ملفات الدعم في مختلف مجالاته، وذلك في أفق إخراج الصناعات الثقافية المغربية ــ وخاصة منها ما يتعلق بالكتاب والفنون ــ من وضعية الارتباك والهشاشة إلى مرحلة التعزيز، عن طريق إعمال مبدأ نيل الدعم مقابل الجودة والمهنية، وهو ما لا يتحقق في نظرنا إلا بتحيين “دفاتر التحملات” وتحديث آليات الرصد والمتابعة والتقييم، بغية ترشيد الإنفاق الحكومي على المجال. ومن شأن هذه التدابير أن تترك آثارا إيجابية على مستوى مؤشرات النجاعة والأداء، وتحقق الأهداف المشتركة بين الفاعل الحكومي وشركائه المهنيين والاجتماعيين.
وعمليا، فقد تم إحداث لجنة لهذه الغاية، تجتمع منذ تشرين الأول/أكتوبر الماضي، حيث عملت على تعديل “دفتر التحملات” الخاص بالمسرح بما يضمن المزيد من الحكامة والشفافية، وتجري حاليا مراجعة “دفاتر التحملات” المتعلقة بمجالات الموسيقى والكوريوغرافيا والفنون التشكيلية والبصرية والكتاب والنشر ودعم الجمعيات والتظاهرات الثقافية والفنية.
* وكيف هي علاقتكم مع هيئات المجتمع المدني الفاعلة في قطاعي الثقافة والاتصال؟
** علاقة شراكة وتعاون وإنصات متبادل. لقد كان انفتاحنا كليا على كل الجمعيات الفاعلة في القطاع الثقافي بدون استثناء وعلى قدم المساواة، وفق مبدأ يسري على الجميع هو الاستجابة لكل الشراكات التي يمكن أن تساهم في تعزيز جهود النهوض بالثقافة في بلادنا، تطبيقا للمقاربة التشاركية التي اعتمدتها الحكومة. نحن ننصت للجميع، ونستجيب للجميع، وفق ما تتيحه الإمكانيات المتوفرة، وفي ظل الاحترام التام للاختصاصات وللقوانين الجاري بالعمل. كما نحرص على تشجيع مبادرات الجميع بمختلف أنواع الدعم الممكنة، وكذا بالحضور الشخصي التشجيعي المتواصل قدر الإمكان. وقد تم في شباط/فبراير 2018 إحداث لجنة مختصة بتتبع الاتفاقيات والشراكات، تعنى باستقبال ودراسة ملفات طلب الشراكة والتعاون المقدمة من طرف مختلف فعاليات المجتمع المدني العاملة في قطاع الإعلام والاتصال، حيث يتم التوقيع على مجموعة من اتفاقيات الشراكة بين قطاع الاتصال ومجموعة من الجمعيات العاملة والنشيطة في ميادين الصحافة والسينما والإعلام السمعي البصري، وفق شروط ومعايير دقيقة تكرس مبادئ الحكامة الجيدة والشفافية.
تعزيز بنيات القراءة
*هل من حلول عاجلة لمعضلة تدني القراءة واقتناء الكتاب في المغرب، سواء في إطار وزارة الثقافة والاتصال أو بشراكة مع قطاعات حكومية أخرى؟
**بغض النظر عن كون حكم تدني القراءة يجب أن يؤخذ بكثير من النسبية، فإننا نعرف جميعا التحديات التي تواجه قضية القراءة العمومية في ضوء التغييرات العميقة والمتسارعة التي ترتبت عن التطور التكنولوجي الذي أحدث تحولات واضحة في الوسائط والدعامات المرتبطة بالمعلومات والمضامين وكذا في اهتمامات وعادات الانسان، وفي صدارتها اكتساح الحوامل الإلكترونية لزمننا اليومي، وما ينتج عنها من استهلاك مفرط للصورة على حساب الكتاب، ورقيا كان أم رقميا.
ووعيا منا بهذا الأمر، فإن مساعينا تتجه نحو تحقيق الشروط الموضوعية التي تؤمن حدا مقبولا من التوازن، وتحفظ للكتاب مكانته واستمرارية أدائه لدوره في إسناد مشاريع التنمية البشرية والتثقيف العام. ولهذه الغاية، فإننا معنيون بأن تكون تدخلاتنا مرافقة لمختلف حلقات سلسلة الكتاب، بدءا من النشر والعرض والإتاحة العمومية. فبالنسبة للنشر، فإن استراتيجية دعم النشر والكتاب قد حققت طفرة كمية على مستوى المشاريع التي تقدمت بها المقاولات الخاصة والجمعيات المدنية لنيل دعم وزارة الثقافة والاتصال، والتي بلغت خلال موسم 2018 ما عدده 552 مشروعا، موزعا على مجالات نشر الكتاب، ونشر المجلات الثقافية، والمشاركة في معارض الكتاب الوطنية والدوليةـ، وإحداث وتحديث وتنشيط مكتبات البيع، وجهود التوعية بالقراءة العمومية.
في السياق نفسه، قمنا، كما سلف الذكر، بإطلاق نشر مجلتي “المناهل” و”الثقافة المغربية” بعد احتجاب دام لسنوات، ونفس الشيء بالنسبة لمجلة “الفنون”. ونعمل حاليا على مباشرة التدابير من أجل إطلاق مجلة خاصة بالطفل، لإيماننا بأن القراءة مثل الغرس، وأن من يقرأ صغيرا يقرأ كبيراً. أما بالنسبة لحلقة العرض، فإن الوزارة تنظم سنويا 18 معرضا جهويا وإقليميا للكتاب، بالإضافة إلى المعرض الدولي للنشر والكتاب بالدار البيضاء، هذا المعرض الذي حج إليه في دورته 25 التي اختتمت قبل أيام ما يفوق 560 ألف زائر، مما يثبت أن علاقة المغاربة بالكتاب متينة، وتحتاج منا فقط إلى توفير شرط القرب. وبذكر القرب يأتي ذكر بنيات القراءة.
*يشتكي العديد من المثقفين المغاربة من ضآلة الحيز المخصص للإبداع الأدبي وللنشاطات المتعلقة به في وسائل الإعلام العمومية، ولاسيما التلفزيون، هل من مبادرة لتدارك هذا النقص، لاسيما وأنكم تشرفون على القطاعين معا؟
** يمثل الإعلام المغربي رافعة للثقافة، وله دور طلائعي في إبراز المنظومة الثقافية بمختلف مكوناتها ومجالاتها المتعددة، كما أنه يساهم في التثقيف والتوجيه والحفاظ على الخصوصيات الثقافية المغربية وعلى الذاكرة الوطنية، فالإعلام يخدم الثقافة من خلال ما تقدمه وسائل الإعلام من برامج وإنتاجات ثقافية تسعى من ورائها الاستجابة لحاجيات المواطن المغربي في ميادين الإخبار والثقافة والتربية والترفيه.
وفي هذا الإطار، نص “دفتر تحملات” قنوات القطب العمومي على أن القنوات “الأولى” و”تمازيغت” و”الثقافية” تبث برنامجا أسبوعيا لا تقل مدته عن 26 دقيقة يكون مخصصا لتاريخ المغرب وأعلامه وإشعاعه الحضاري بمشاركة فاعلين وأخصائيين في هذا المجال. إضافة إلى برامج حوارية لمدة لا تقل عن 52 دقيقة مخصصة للتعبير الأدبي المغربي من إنتاج مغربي، وكذا إنتاج وتوثيق قناة “العيون” للتراث الحساني المغربي في مجال الموسيقى والغناء والأدب والشعر، بمعدل لا يقل عن 50 أغنية ونص في السنة.
أما “الإذاعة الوطنية” فتبث برنامجا أسبوعيا بصفة منتظمة، مخصصا للتعبير الأدبي وللسينما وللموسيقى وللفنون التشكيلية وللمسرح، بمشاركة فنانين ونقاد ومهنيين ومهتمين بالمجال. كما تبث أسبوعيا على الأقل، وبصفة منتظمة، نشرة إخبارية تعنى بالإخبار وتقديم ومناقشة أهم المستجدات الأدبية والمواعيد الثقافية والفنية في المغرب.
* وجهت مآخذ عديدة لطريقة تشكيل المجلس الوطني للصحافة، وللنتائج المتمخضة خلال ميلاده، ما السبيل لجعل هذه الهيئة تحظى بإجماع ورضى كل الفاعلين في قطاع الإعلام، خصصوا وأنه يفترض فيها أن تكون هيئة للحكماء الذي يلجأ إليهم للفصل في قضايا الممارسة الإعلامية بالمغرب؟
** تصدرت عملية إخراج المجلس الوطني للصحافة إلى حيز الوجود، أولويات تنزيل مقتضيات “مدونة الصحافة والنشر” وأولويات قطاع الاتصال خلال هذه الولاية الحكومية، ومرجعيتنا في ذلك البرنامج الحكومي الذي دعا إلى “تنزيل مقتضيات قانون المجلس الوطني للصحافة باعتباره مرجعا أساسيا لتنظيم المهنة واحترام أخلاقياتها” حيث عمل قطاع الاتصال على تسريع وتيرة تفعيل مقتضيات القانون رقم 90.13 القاضي بإحداث المجلس الوطني للصحافة، وباقي مقتضيات مدونة الصحافة والنشر والتي تم الاشتغال عليها بشكل متواز، ووفق مقاربة تشاركية تراعي انتظار جميع الفاعلين والمهنيين على الخصوص.
وقد تم تعيين لجنة الإشراف على انتخابات ممثلي الصحافيين المهنيين وناشري الصحف في المجلس الوطني للصحافة، وهي لجنة مستقلة يرأسها قاض منتدب من قبل المجلس الأعلى للسلطة القضائية، هذه اللجنة خول لها القانون مهمة الإعداد التقني واللوجيستي لعمليات الانتخاب وحصر لوائح الهيأة الناخبة وتلقي الترشيحات وتنظيم جميع مراحل الانتخاب إلى غاية الإعلان النهائي عن النتائج، وأيضاً تحديد موعد إيداع الترشيحات ومكان إيداعها وتسجيلها أو رفضها وموعد انطلاق عملية الانتخاب وانتهائها، ومقرات مكاتب التصويت وتوزيع المرشحين على مختلف أصناف الصحافة والإعلام مراعاة لتمثيلية مختلف الأصناف، حيث أصدرت بهذا الخصوص قرارها رقم 1.18 بتاريخ 02 نيسان/أبريل 2018 والذي تضمن جميع الضمانات القانونية الكفيلة بتنزيل سليم لمقتضيات القانون المحدث للمجلس وبإنجاح عملية تشكيله.
وقد شكلت هذه الإجراءات خطوةً مؤسسة لإرساء وتفعيل التزام التنظيم الذاتي لمهنة الصحافة، ووفاءً لأحد أبرز الالتزامات الواردة في البرنامج الحكومي، حيث سيتولى هذا المجلس من بين المهام المخولة له تطوير الحكامة الذاتية لقطاع الصحافة والنشر بكيفية مستقلة وعلى أسس ديمقراطية، وكذا ممارسة دور الوساطة والتحكيم في النزاعات القائمة بين المهنيين، ثم النظر في القضايا التأديبية التي تهم المؤسسات الصحافية والصحافيين المهنيين ووضع ميثاق أخلاقيات المهنة.
*كثيرا ما أثير إشكال السياسي والحزبي في تدبير القطاع الثقافي في المغرب، وسجل على وزراء بعينهم محاباة المثقفين والجمعيات الثقافية القريبة من انتمائهم الحزبي. كيف تحرصون على تفادي هذا المأخذ؟
** إن أخلاق الثقافة تنبذ ما ذكرتموه من السلوكيات التي لست على بينة منها ولن أخوض فيها. لكن، على مستوى التدبير لابد من اليقظة والحرص لقطع الطريق على كل السلوكيات التي لا تلتزم بالمساواة وتكافؤ الفرص أمام الجميع. إن الثقافة لها ارتباط وثيق بالحضارة، والحضارة لا تبنى على قواعد فئوية أو مصلحية ضيقة، بل تتماهى مع العام والشمولي، وتنسب في آخر المطاف إلى الكل. لكن، لا بد من الإشارة إلى أن السياسي والحزبي يربط في كثير من الأحيان بالسلبي، في حين أن النهوض بالثقافة لا يمكن أن يحصل بدون سياسة ثقافية، كما أن الأحزاب هي فاعل أساسي في نظامنا السياسي. لذلك، فتدبير الثقافة بالسياسة وبالحزب وضع طبيعي. المرفوض هو أن تسند الشراكة أو أي نوع من العلاقات أو التدابير الثقافية خارج قاعدة الاستحقاق والقانون، وهذا أمر غير وارد في التدبير الثقافي لأننا نتعامل مع كل المبادرات على قدم المساواة بفحص مضامينها بكل تجرد ولا نعرف غالبا حتى الانتماءات الحزبية لأصحابها، لأن ما يهمنا هو سداد الفكرة أو المبادرة أو الفعل الثقافي بغض النظر عن أي انتماء كيفما كان نوعه لأصحابها خارج انتماء المواطنة. وفي كل الأحوال، تبقى هذه المآخذ غير واردة، لأن كل أشكال الدعم التي تثار فيها هذه الشكوك، تم تقنينها ويتم تدبيرها من خلال لجان مستقلة وبناء على “دفاتر التحملات”.
*يبدو أن الحكومة المغربية مترددة في موضوع تحرير الإعلام السمعي البصري، فحتى القنوات التلفزيونية الجديدة تبث انطلاقا من بلدان أخرى غير المغرب. هل صحيح أن ثمة توجسا من الترخيص لقنوات مغربية حرة؟ أم أن الأمر مرتبط بإشكالات قانونية وسياسية؟
** ليس هناك أي تردد في موضوع تحرير الإعلام السمعي البصري في بلادنا، بل على العكس من ذلك تماما، فقد عملت الحكومة على تحرير الفضاء السمعي البصري الوطني منذ إنهاء احتكار الدولة لهذا المجال وإحداث الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري سنة 2002 حيث تعتبر هذه الأخيرة المؤسسة المخول لها بموجب القانون بمنح التراخيص للإذاعات والتلفزيونات الخاصة.
أما مسألة الاستثمار في المجال السمعي البصري فهي راجعة بالأساس للمبادرة الحرة. ويبقى النموذج الاقتصادي الذي تقوم عليه، والذي يعتمد أساسا على المداخيل الإشهارية (عائدات الإعلانات التلفزيونية) هو العامل المحدد في المبادرات الاستثمارية في هذا المجال، مع العلم أن المداخيل الإشهارية عرفت تراجعا بفعل تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية، وكذلك نتيجة لتوجهها نحو الفضاء الرقمي.
ومن جهة أخرى، فإن الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري على استعداد لدراسة الطلبات التي تتوصل بها وفق ما ينص عليه القانون المحدث لها والقانون 03-77 المتعلق بالاتصال السمعي البصري، علما أن هذه الأخيرة قد منحت خلال سنة 2018 الترخيص لخدمتين تلفزيونيتين، وخدمة إذاعية. أما بالنسبة للقنوات التي تبث انطلاقا من بلدان أخرى، فذلك راجع لاختيارات أصحابها الاستثمارية في هذا المجال.
*سال مداد غزير حول موضوع صفقات الإنتاج المتعلقة بالإعلام السمعي البصري، حيث إنها كرست شركات الإنتاج الكبرى التي تحظ بنصيب الأسد في البرامج. كيف ستعملون لجعل صفقات الإنتاج التلفزيونية تقوم على مبدأ تكافؤ الفرص والعدالة والإنصاف بين جميع الفاعلين في هذا المجال؟
** تندرج صفقات الإنتاج الخارجي والمشترك في إطار الحكامة وفق ما نص عليه الدستور، حيث تخضع مسطرة طلبات العروض الخاصة بإنتاج البرامج السمعية البصرية لمقتضيات “دفتر التحملات” المتعلق بصفقات الإنتاج الخارجي والمشترك، حيث تقوم لجنة مستقلة بانتقاء البرامج بناء على معايير الإنصاف والشفافية في التعامل مع المنتجين وتشجيع المنافسة الحرة وتكافؤ الفرص في قطاع الإنتاج السمعي البصري. وتتم هذه العملية من خلال مرحلة أولى لدراسة الملفات الإدارية، ثم في مرحلة ثانية تتم دراسة المشاريع من الناحية التقنية والفنية، حيث يتم انتقاء الشركات التي تتوفر على القدرة المهنية والتقنية والمالية للقيام بالإنتاج موضوع طلب العروض.
ومن جهة أخرى، ستواصل الحكومة العمل على عقلنة وتقوية الحكامة المعتمدة في تسيير مكونات المشهد السمعي البصري الوطني وتعزيز أوجه التعاون والتكامل فيما بينها عبر متابعة تحيين مسطرة طلبات عروض الإنتاج الخارجي أو المشترك للبرامج السمعية البصرية، إضافة إلى الإعلان عن البرنامج التوقعي للإنتاج الخارجي والمشترك برسم كل سنة لكل من الشركتين الوطنيتين للاتصال السمعي البصري.
*ما الذي يجعل الدعم المالي الحكومي للقنوات التلفزيونية المغربية يشهد نوعا من التعثر، مما يتقوى معه خطاب الأزمة الذي يثير مخاوف حول مستقبل قنوات بعينها؟
** لا يوجد أي تعثر في عملية الدعم المالي الذي تقدمه الحكومة للقنوات التلفزيونية العمومية، وبالتالي لا يمكن الحديث عن أزمة من أي نوع، فتلك القنوات تتوصل سنويا بالدعم المبرمج ضمن الميزانية المخصصة للقطاع.