إذا الشعب يوما أراد الحياة.. فلا بد أن يستجيب القدر. هذه الروح الشاعرية الخالدة التي كانت تتأجج في نفس شاعر الثورة إبّان الاستعمار، هي التي تحرّكت في نفوسنا اليوم فأشعلت فيها معاني البسالة والتضحية التي جمعتنا على كلمة واحدة، وموقف واحد تمثل في إسقاط دكتاتور بسط علينا نفوذه كما شاء، فكانت الثورة العارمة عليه وعلى نظامه أصدق تعبير نطمئن به روح الشاعر الخالدة أبو القاسم الشابي، ونفي به لأرواح شهدائنا الأبرار الذين سقطوا منذ تاريخ إعلان صعوده السلطة إلى يوم الناس هذا من أيام الثورة المباركة في 14/1/2011 وما تلاها من صدامات، حتى بعد فراره من كل تبعية، حيث ترك البلاد تموج في جحيم من الصراعات ضد المندسين الذين تركهم من خلفه لترويع العباد، في محاولة يائسة لجبرهم على الركوع والخضوع، ناسيا وزمرته أن هذه الإرادة الشعبية لم تكن لتستمد شعاراتها من هنا أو هناك، من هؤلاء الدخلاء أو الفوضويين أو ممن يستجدون لقمة العيش الرخيص. إنها ثورة استمدت حيويتها ووميضها من إرادة الله فتجاوبت لها أصداء الجمهورية عن طريق وسائل الاتصالات المتطورة من فيسبوك ويوتيوب وتويتر وغيرها من وسائل التبليغ التكنولوجية عالية البرمجة، فكانت إرادة ملحمية صميمة لا يمكن أن تقف إلا عند بر الأمان مهما كان الثمن.
وإذا كانت الإرادة بهذا الشكل وبهذه القوة وبهذا العتاد النفسي السديد لا يمكن أن تنثني عما صممت عليه إلى حين تحقق ما كانت تريد. وقلنا انها استمدت إرادتها من إرادة الله ذلك أن العوامل المحيطة بها كانت تعمل لصالح إنجاح الثورة.
فالشرطة لأول مرّة يتركون مبنى وزارتهم الرئيسي ويحيطون بأسواره عن بعد وكأن لسان حالهم يقول: افسحوا للثورة مجالها تحلّق حول قصر الداخلية، في موج عارم من شباب الثورة كلهم بصوت واحد يهتفون بنداءات غيرت مجرى التاريخ رأسا على عقب. فبالأمس القريب كان الهتاف يتمثل في (الله واحد الله واحد وبن علي ما كيفو حد) واليوم أصبح (خبز وماء وبن علي لا) أو، وكأنه الإعصار النازل من عنان السماء بصوت الرعد المدوّي: b.ali degage كانت الأصوات في هزيج رائع مدوية من فوق هامات وزارة الداخلية ومن تحتها ومن حولها وكأنها ترتعد معهم ارتعادا عندما تسترجع صدى أصواتهم التي تعبر عن خلجات ضمير طالما أنّ وتضجّر وصرخ، تململ وتضوّر واحتج، فلم يعبأ للوعته وأنّاته وصرخاته في نظام استبد فيه الحكم حتى عميت الحقائق على أبصارهم فأمسوا لا يحسون ولا يرون ولا يقدّرون. تلك هي ضريبة المتنكرين لحقوق شعوبهم التي أمّنوهم عليها.
فكأن رجال الداخلية بهذا الشكل قد أعاروها إلى شباب الثورة ردحا من الزمن حتى ينفجر الزلزال تحت أقدام الطاغين؛ ثم وكأنهم أرادوا أن يجبروا خاطر الطاغية ومن والاه، فهبوا يطلقون الغازات المسيلة للدموع علينا جميعا. وكانت الغاية واضحة ليس القصد منها إهدار الثورة بقدر ما هو سعي لإبعادهم شيئا ما عن مقر إدارتهم التي يدفعهم حنينهم أن يذودوا عنها ولو على مضض، ثم إنه إسكات لمن كانت في نفوسهم حسرة على ماضيهم التعس، ولم يحدث تصادم كبير يذكر.
لقد نام بن علي من يوم تولّيه الحكم وذهب في حسبانه أن تونس كلها نائمة معه بينما نومه في أحلام بناء القصور من فضة ومعارج عليها يظهر وزمرته في غفلة من أمر هذا الشعب الهاتف باسمه. ومشى مع تلك النمنمات في خياله ظنا منه أن له من الوسائل ما يستطيع أن يدغدغ به تلك النمنمات الخيالية فإذا هي حقيقة دامغة أمامه، ولم يكن يخطر بباله أبدا إلا في آخر لحظة أن هذا الشعب غير نائم وأنه يعدّ له العدّة للإطاحة به في اليوم الموعود. فتهاوى كالغصن القديم وتهاوى معه المتهاوون، وتساقط فتساقط معه المتساقطون. وتحمّس الثائرون عندما نوّه بثورتهم العالم، وعندما عبّر العالم مشدوها ومعجبا في الآن نفسه بما جسّمته إرادة شعب عظيم. وهكذا صدق في هذا الشعب قول ابنه الثائر من بداية القرن العشرين أبو القاسم الشابي:
إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدرولا بد للظلم أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسرسالم الزريبي ـ أريانةـ تونس