بيلوسي في دمشق: تطبيل خلف أضغاث أحلام
صبحي حديديبيلوسي في دمشق: تطبيل خلف أضغاث أحلام يخطيء، أو يتعمّد الخطأ عن سابق قصد، أولئك الذين اعتبروا أنّ زيارة رئيسة مجلس النوّاب الأمريكي نانسي بيلوسي إلي دمشق تشكّل خرقاً لـ الحصار الذي يُقال إنّ البيت الأبيض يفرضه علي النظام السوري منذ أيار (مايو) 2004، حين وقّع الرئيس الأمريكي جورج بوش الأمر رقم 13338 القاضي بوضع قانون محاسبة سورية قيد التنفيذ. وللتذكير، ولكي تتضح أبعاد ذلك الحصار ، نصّ القانون علي حظر تصدير الذخائر والموادّ ذات الاستخدام المزدوج، ومنع الطيران السوري من حركة الهبوط أو الإقلاع في المطارات الأمريكية، فضلاً عن إنهاء التعاملات بين وزارة الخزانة الأمريكية والمصرف المركزي السوري، بصدد تبييض الأموال أساساً.هذا هو الحصار ، إذاً، ومن الواضح أنه بدأ ويستمرّ لعبة لفظية، ولن يسفر عمّا هو أعظم من الضحك المكشوف علي اللحي. وأمّا الجانب السياسي لهذا الـ حصار فقد تكفّل عدد من كبار النوّاب الأمريكيين (جمهوريين وديمقراطيين علي حدّ سواء) بوضعه خارج الحسابات كلّما اقتضت ذلك المصلحة العامّة (للولايات المتحدة، وللدولة العبرية)، أو المصلحة الشخصية لهذا النائب أو ذاك (بدءاً من السناتور الديمقراطي بيل نلسون، وانتهاء بالسناتور الجمهوري أرلن سبكتر، دون أن نغفل الإشارة إلي المرشّح الرئاسي الديمقراطي السابق جون كيري، وآخرين).وبالطبع، لاحاجة للتذكير بأنّ بيلوسي ـ ورغم الأهمية الفائقة للموقع الذي تشغله في الحياة السياسية الداخلية الأمريكية ـ ليست وزيرة خارجية الولايات المتحدة، وليست لها أية صفة تنفيذية أو سياسية في أشغال البيت الأبيض من جانب أوّل؛ كما أنه ليس في تقاليد الكونغرس الأمريكي، من جانب آخر، القيام بأيّة مهامّ دبلوماسية مباشرة وخارجية سوي تلك التي تقتصر علي تقصّي الحقائق (كما حرصت بيلوسي نفسها علي توصيف جولتها، في دمشق خصوصاً). وهكذا، وبمعزل عن انتقادات البيت الأبيض، لن تشكّل زيارة بيلوسي إلي دمشق خرقاً فعلياً، علي أيّ نحو عملي ملموس، لـ الحصار إياه الذي يصرّ أهل النظام السوري علي تضخيم محتواه لأغراض ديماغوجية عديدة. وأقصي ما ستنتهي إليه الزيارة لن يتجاوز ما نتجت عنه زيارات نلسون وسبكتر وكيري، إلا من حيث فارق القيمة ربما، بين عضو في الكونغرس ورئيسة لمجلس النوّاب، تقول الأعراف الدســتورية الأمريكية إنّ منصبها هو الثاني في الأهمــــية بعد منصب الرئيس.ولكي لا يُساء فهم هذه الخلاصة البسيطة، فيخيّل للبعض أنّ السطور السابقة تنطوي علي عدم رضي عن زيارة بيلوسي إلي دمشق (كما فعل بعض المعارضين السوريين ممّن هالهم أن تصافح بيلوسي يد بشار الأسد الملطّخة بالدماء، وكأنّ هذه السيدة معتادة علي مصافحة أيدي القدّيسين والأطهار فقط!)، أقول بوضوح إنني أتحمّس لكلّ جهد سياسي أو دبلوماسي أو عسكري، مادّي أو معنوي، مباشر فاعل أو غير مباشر ورمزي ، يُلحق الأذي بسياسات الرئيس الأمريكي بوش في هذه المنطقة من العالم تحديداً، وبصدد ما يُسمّي بـ الحملة علي الإرهاب وما يخصّ فلسفة العلاقات الدولية والنزعة الإمبراطورية الأمريكية عموماً. الأرجح أنّ هذا هو الاختراق الوحيد الذي قد تفلح جولة بيلوسي في إنجازه: استكشاف المزيد من الحقول الشاهدة علي فشل سياسات بوش، وإضفاء المزيد من العلائم علي أنّ الفشل يقترن بانسداد الآفاق ويفضي إلي الكارثة.غير انّ الترحيب بجهد بيلوسي في هذا السياق تحديداً، أي إلقاء حجر بسيط في مستنقعات سياسات البيت الأبيض الآسنة الراكدة، لا يجب أن يطمس حقائق لجوء النظام السوري إلي مختلف أنساق التوظيف الديماغوجي البائس لهذه الزيارة، بحيث يجري تجييرها لصالح خلاصات دعاوية مضحكة ـ مبكية في آن، أشاعها عدد من المسؤولين السوريين وردّدتها وراءهم طوابير إعلامية رسمية سورية أو عربية متعاطفة مع النظام: أنّ زيارة بيلوسي اعتراف أمريكي بالذنب تجاه نظام بشار الأسد، وإقرار بفشل الحصار الشهير دون سواه، وتوبة نصوحة عنه، وانفتاح علي النظام، الخ… الخ… وأكثر ما يضحك، لأنه بين الأشدّ إدقاعاً في الواقع، تلك اللافتة الكبري التي نُسبت إلي بيلوسي: الطريق إلي السلام يمرّ عبر دمشق ، وهذا لم يكن مانشيت صحف البعث أو الثورة أو تشرين في دمشق فقط، بل مانشيت السفير في بيروت أيضاً (نصّ التصريح الحقيقي كان التالي: جئنا من منطلق صداقة، وأمل، وتصميم علي أنّ الطريق إلي دمشق هو طريق سلام … ليس دون إهمال المغزي التوراتي في الإشارة إلي طريق دمشق!).كذلك سار التطبيل للزيارة علي منوال ثانٍ ليس أقلّ ديماغوجية: أنّ رئيسة مجلس النوّاب الأمريكي، وبعكس ما تفعل إدارة بوش، تسعي إلي تطبيق توصيات لجنة جيمس بيكر ـ لي هاملتون بخصوص التعاون مع سورية، بصدد العراق أساساً. والحال أنّ هذا الافتراض يظلّ ناقصاً منتقصاً، أو بالأحري يرتدّ ضدّ القائلين به علي صعيد موازين الربح والخسارة، إذا ضرب المطبّلون صفحاً عن حقيقة مطالب بيكر ـ هاملتون من النظام السوري، وما إذا كان تطبيق تلك التوصيات/المطالب في صالح النظام أم في غير صالحه. ما الذي سنعثر عليه في التوصية رقم 15 من التقرير، وهي التي تحثّ إدارة بوش علي فتح حوار مع سورية؟ هنا البنود، ونقتبسها حرفياً:1 ـ التزام سورية التامّ بقرار مجلس الأمن الدولي 1701 لشهر آب (أغسطس) 2006، والذي يؤمّن الإطار لاستعادة لبنان سيطرته السيادية علي كلّ أرضه.2 ـ تعاون سورية التامّ في كلّ التحقيقات الخاصة بالاغتيالات السياسية في لبنان، خصوصاً اغتيال رفيق الحريري وبيير الجميل.3 ـ الإيقاف الفعلي للمساعدة السورية لـ حزب الله واستخدام الأراضي السورية لنقل الأسلحة والمساعدات الإيرانية إلي حزب الله (وهذه الخطوة سوف تساعد كثيراً في حلّ مشكلة إسرائيل مع حزب الله ).4 ـ استخدام سورية نفوذها لدي حماس و حزب الله من أجل إطلاق سراح جنود قوّات الدفاع الإسرائيلي المختطفين.5 ـ الإيقاف الفعلي للجهود السورية الرامية إلي نسف حكومة لبنان المنتخَبة ديمقراطياً.6 ـ الإيقاف الفعلي لشحنات الأسلحة من سورية، أو عبر حدودها، إلي حماس وسواها من المجموعات الفلسطينية الراديكالية.7 ـ التزام سوري بالمساعدة في الحصول من حماس علي اعتراف بحقّ إسرائيل في الوجود.8 ـ بذل سورية جهوداً أكبر لإغلاق حدودها مع العراق.وفي مقابل هذا كلّه (وهو، في الواقع، كلّ شيء… كلّ شيء!)، ما الذي سيحصل عليه النظام السوري؟ تقول التوصية 16، بالحرف: في مقابل هذه الأفعال وفي سياق اتفاقية سلام تامة وآمنة، علي الإسرائيليين إعادة الجولان، مع ضمان أمني أمريكي لإسرائيل يمكن أن يشمل نشر قوّة دولية علي الحدود، بما فيها قوّات أمريكية إذا طالب بها الفريقان .في عبارة أخري: هل هذا هو التطبيق الذي يمكن أن يبهج أهل النظام، بافتراض أنّ في مقدرورهم تطبيق بعض، فكيف بكلّ، هذه الاشتراطات؟ وإذا ذهبت المخيّلة بعيداً بعيداً في افتراض قدرة النظام علي تطبيق البنود 1 و2 و3 و5 و6 و8 (رغم ما تنطوي عليه من مقتل مباشر للعبة النظام في لبنان، ولتوازنات السلطة الأمنية والسياسية في الداخل) في وسع النظام أن يلتزم بالبنود كيف يمكن للنظام أن يلتزم بالبندين 4 و7؟ وهل يمتلك النظام من النفوذ ما يكفي لإجبار حماس علي الاعتراف بدولة إسرائيل، أو إجبارها و حزب الله علي إطلاق سراح الجنود الإسرائيليين الأسري؟نسق التطبيل الديماغوجي الثالث هو التعامي التامّ عن حقائق ما أعلنته بيلوسي نفسها من بنود (مطالب؟) في مباحثاتها مع بشار الأسد:ـ بناء الثقة مع النظام عن طريق، وبالترابط الوثيق مع، فكّ تحالف النظام مع إيران، ليس في الملفّ العراقي وحده، بل في ملفات تفكيك الروابط بين طهران وكلّ من حماس و حزب الله ، فضلاً عن منع إيران من التحوّل إلي قوّة نووية (لا نعرف كيف يمكن لنظام الأسد ان ينفّذ هذا المطلب!)؛ ـ استئناف، أو إحياء أو إطلاق، عملية السلام المشروطة أوّلاً بـ التزام ثابت تجاه إسرائيل ، الأمر الذي لم يمنع غضبة رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت وتسفيه تصريحات بيلوسي بالإعلان عن أنّ الأخيرة لم تحمل أية رسالة منه إلي الأسد (في المقابل: هل سمع أحد كلمة جولان أو الأراضي السورية المحتلة من فم بيلوسي؟)؛ـ تقديم ضمانات سورية حول إنجاح ثورة الأرز ، والمساعدة في إقرار المحكمة الدولية، وإطلاق سراح الجنود الإسرائيليين (هنا أيضاً: كيف سيفعل النظام كلّ هذا، دون أن انتحار؟)…ولقد بدا أنّ اجتماع الوضع في الصورة، الذي عقدته بيلوسي مع وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس قبيل انطلاق طائرتها إلي الشرق الأوسط، أعطي ثماره في ما يشبه تبنّي بيلوسي شبه الكامل لمطالب البيت الأبيض من نظام الأسد، مع فارق شبه وحيد، مسرحي محض كما يلوح: أنّ الإدارة مستمرة في حال الحرد مع النظام، فلا تتكلم معه، ولا تريده أن يتلقي إشارات متناقضة توحي بانتمائه إلي المجتمع الدولي (كما عبّر الرئيس الأمريكي في صفاقة مدهشة، وكأنّ الانتماء إلي المجتمع الدولي أو الإقصاء منه رهن بقرار أمريكي من جهة، أو كأنّ واشنطن تطبّق بالفعل سياسة الإقصاء هذه ضدّ نظام الأسد). ولا يحار في فهم احتجاج البيت الأبيض علي زيارة بيلوسي إلي دمشق إلا ذلك المرء المقتنع حقاً أنها اليوم لم تنقل رسائل شبيهة (طبق الأصل، غالباً) بالرسائل التي نقلها بالأمس وزير الخارجية السابق كولن باول، ومساعده ريشارد أرميتاج، ومختلف أعضاء الكونغرس من زائري دمشق في السنوات الثلاث الأخيرة.ومع ذلك فإنّ أهل النظام يجترحون أضغاث الأحلام بانفسهم، ولأنفسهم، ثمّ يسيرون خلفها بالطبول وبالزمور، بل يحرص بعضهم علي نفخها إلي أحجام فائقة للمعقول، يحيث لا يؤول النفخ إلي تضخيم المحتوي حتي حدود الإنفجار، بل يؤمّن الدبوس الذي يثقب البالون ذاته في نهاية المطاف، كما حين صرّح مسؤول سوري بأنّ ما صدر عن الجانبين السوري والأمريكي من تصريحات مشجّعة حول زيارة بيلوسي هو أقل من الحقيقة ! أمّا ذاك الذي الذي كان أكثر جدارة بالإفصاح عن الحقيقة، حول طبيعة ما يُطلب عادة من النظام في إطار التعاون، فقد شهدته مدينة حلب ونقلته صحيفة حريت التركية عن مصادر أمنية: ان أجهزة الأمن التركية والسورية قامت بعملية مشتركة ضدّ عدد من كوادر حزب العمال الكردستاني في مدينة حلب، واعتقلت خلالها مسؤول المنظمة في سورية، صادق أصلان. والعملية، حسب حريت دائماً، كانت بمثابة هدية إلي رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، أثناء زيارته إلي سورية هذا الأسبوع.ومَن يتذكّر روحية التعاون السابقة بين نظام حافظ الأسد و حزب العمال الكردستاني ، لن تفوته الترجيحات حول مدي استعداد نظام بشار الأسد للتضحية بحلفاء راهنين، والانقلاب إلي بيدق هنا في صراع ديمقراطيي الكونغرس مع إدارة بوش، أو بيدق هناك في صراع طهران مع واشنطن حول طرائق اقتسام كعكة النفوذ في العراق. ليس في سبيل أيّ هدف آخر سوي منجاة النظام!ہ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس9