من أين تتسلل إسرائيل لاحتلال آخر للضفة الغربية؟

حجم الخط
1

التصعيد الذي يشعر به الفلسطينيون في الضفة الغربية هو قبل كل شيء من عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين، والافتراض السائد هو أن هذا التصعيد سيستمر عندما يقف الجيش والشرطة بشكل خاص والمجتمع الإسرائيلي بشكل عام جانباً ولا يحاولون أو لا ينجحون في صده في أفضل الحالات، ويدعمونه ويشجعونه في حالات أخرى. الخوف يظهر في المحادثات عما هو متوقع في المستقبل القريب، في اختيار مسارات السفر التي تبتعد عن المستوطنات والتنازل عن الذهاب إلى الحقل أو المرعى بسبب قربها من المستوطنات العنيفة. الدخول المتوقع لكهانيين واضحين إلى الكنيست وبتشجيع من رئيس الحكومة يدل على انهيار حاجز آخر في المجتمع الإسرائيلي قبل تطبيق نوايا المطالبين بالطرد الجماعي بشتى أنواعه.
في الوقت نفسه فإن الشعور بالإلحاح الشعبي لا يجد تعبيره في سياسة القيادات الفلسطينية المتخاصمة. حماس وفتح استمرتا هذا الأسبوع أيضاً في محاولة ليّ الأذرع المتبادل. حماس بادرت إلى مظاهرة جماهيرية في غزة وبدعوة محمود عباس بالرحيل من منصبه كرئيس. في الوقت الذي كان فيه يشارك في مؤتمر هو الأول من نوعه للاتحاد الأوروبي والدول العربية، في شرم الشيخ في مصر. ويطالب بحماية الدول المشاركة من التصعيد في سياسة إسرائيل ضد شعبه. فتح ردت بمظاهرات تأييد لعباس في مدن الضفة الغربية. سلطات حماس اعتقلت بضع عشرات من نشطاء فتح في غزة، الذين دعوا هم أيضاً للتعبير عن التأييد لزعيمهم. الشرطة في غزة فرقت وهاجمت متظاهري فتح في مخيمات اللاجئين النصيرات وجباليا، كما وثقها المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في بيان انتقادي منه لنشاطات حماس. نشطاء سياسيون من خارج الحركتين أعربوا عن الصدمة من تبديد الوقت والطاقة على الصراعات بين الفصائل. يبدو أنه حتى الزعيم السابق لحماس، خالد مشعل، شعر بعدم الارتياح من مظاهرة «ارحل» التي بادرت إليها حماس. حسب تقرير في موقع «سما» في غزة، قال إنه رغم خطوات عباس ضد حماس وغزة (أي تقليص وتجميد الرواتب والمخصصات) إلا أن رئيس فتح قوي في معارضته لصفقة القرن لترامب، لذلك يجب الوقوف إلى جانبه ودعمه.
ورغم العداء والتشويه المتبادل فإن هناك شبهاً كبيراً في أعمال القيادتين. كل واحدة تعمل في طرفين متعاكسين. من جهة كمشغلة ومسؤولة عن دفع رواتب في المجال العام، هما تديران حياة السكان اليومية في الجيوب. مثلاً، بسبب الحالة الجوية العاصفة في الضفة أعلن المتحدث بلسان الحكومة في رام الله عن تعطيل الدراسة في كل المدارس وبداية يوم العمل في المكاتب الحكومية الساعة التاسعة. وزارة الداخلية في غزة أعلنت من جانبها من هم المسافرون الذين سجلوا للخروج من معبر رفح والذين جاء دورهم كي يستقلوا الحافلات التي ستنقلهم إلى الجانب المصري من الحدود. مهم أن تكون في الساعة السادسة والنصف صباحاً في قاعة المغادرين في رفح، تمت الإشارة في بيان وزارة الداخلية.
من جهة أخرى، فإن القيادتين تمثلان على الأقل في نظر أنفسهما وفي نظر مؤيديهما مبدأ المقاومة للاحتلال الإسرائيلي والنضال من أجل الاستقلال. تكتيك النضال الحالي لحماس ـ المظاهرات الشعبية، والبالونات الحارقة، والتسلح والاستخدام المتبجح للسلاح كرد على اقتحامات إسرائيل العسكرية ـ يشبه من ناحيتين رئيسيتين تكتيك السلطة الفلسطينية ـ الدبلوماسية والدبلوماسية ثانية، وتأييد لفظي خفيف خارج الخدمة للنضال الشعبي غير المسلح الذي لا يقلع. هذان التكتيكان يحافظان على «القضية الفلسطينية» كموضوع دولي، رغم أن هذه فترة مليئة بالمواضيع المشتعلة الأخرى، وهما فشلتا في الجبهة الأساسية للاحتلال الإسرائيلي: هما لا توقفان التمدد الاستيطاني الرسمي لإسرائيل في الضفة وفي القدس، ولا تدافعان عن الفلسطينيين المكشوفين لعنف المستوطنين. الدول الأوروبية والعربية تواصل التبرع المالي من أجل وقف كارثة اقتصادية فلسطينية، ستؤثر سلبا أيضاً على إسرائيل. ولكنها تكتفي بانتقاد خفيف لسياسة الاستيطان.

إجرام يهودي

جهات أمنية إسرائيلية تطرقت إلى الزيادة في الإجرام القومي المتطرف لليهود ضد الفلسطينيين. قبل شهر قتل مواطنون إسرائيليون مسلحون حمدي النعسان في اقتحام قرية المغير. الشرطة في الحقيقة أخذت شهادات من القرية، لكننا لا نعرف عن اعتقالات لمشبوهين. في 21 شباط اقتحم إسرائيليون المنطقة الواقعة بين قرية الجانية وقرية رأس كركر غرب رام الله، وثقبوا إطارات تسع سيارات، ورشوا كتابات بالعبرية، قبل أسبوع من ذلك تم تخريب 20 سيارة في قرية سكاكا في سلفيت وخط شعارات بالعبرية.
هذه اعمال تكرر نفسها، وتظهر جرأة متزايدة لمنفذيها وثقة بألا يلقى القبض عليهم وحتى إذا ألقي القبض عليهم، لن يعاقبوا. الفلسطينيون الذين هوجموا يقل احتجاجهم أكثر فأكثر في الشرطة لأن تجربتهم تدل على أن الشرطة والشاباك لا يحققون في أحداث العنف الأقل من قتل، التي ينفذها إسرائيليون. لذلك، يزداد الخوف من أن سلطات تطبيق القانون لن تعرف ولا تستطيع أن تمنع في المستقبل نشاطات قرصنة إسرائيلية عنيفة مثل طرد الفلسطينيين من القرى أو إطلاق النار والقتل الجماعي.
نجاح جمعيات المستوطنين في طرد الفلسطينيين من بيوتهم في شرقي القدس حتى بمصادقة قضاة إسرائيليين، يرسم الاتجاه الذي يسعى إليه قطاع آخذ في التزايد والتعزز في المجتمع الإسرائيلي. وقف نشاط طاقم المراقبين الدولي «تي.آي.بي.اتش» في الخليل تم أيضاً بروح مطالبات المستوطنين. صحيح أن طاقم المراقبين لم ينجح في أن يمنع طوال سنوات تفريغ مركز المدينة من سكانه الفلسطينيين بسبب ضراوة المستوطنين والاوأمر العسكرية التي تقيد الحركة في المدينة على غير اليهود والسياح، ولكن مع طرد المراقبين، فإن الفلسطينيين يصبحون مكشوفين أكثر لعربدة الجيش وعدوانية المواطنين الإسرائيليين. أما الدخول اليومي لإسرائيليين إلى المسجد الأقصى فيعتبر اقتحاماً لأهداف سيطرة وتقسيم الصلاة فيه في الأوقات والمساحات بين اليهود والمسلمين مثلما فعلوا في الحرم الإبراهيمي.
مواقع رعي استيطانية إسرائيلية غير قانونية التي ازدادت في السنوات الأخيرة، تدفع بصورة ممنهجة ومحسوبة أرجل الرعاة الفلسطينيين وأغنامهم من مناطق طوال سنوات استخدمت كمناطق مرعى لهم وتبعد الناس عن حقولهم وبساتينهم.
هذا هو الوضع، مثلاً، مع «بؤرة أوري الاستيطانية» التي تحاذي المحمية الطبيعية أم زوكا. لقد أقيمت قبل سنتين ونصف وحصلت في البداية على المياه من الموقع العسكري المحاذي. بعد ذلك تحركت عدة أمتار والآن تحصل على المياه المتدفقة التي تصل إليها من مستوطنة مجاورة. مصدر أمني قال للصحيفة إنه رغم أوامر الهدم التي أصدرتها الإدارة المدنية بحق كل مباني البؤرة، إلا أنها تواصل الوجود والتطور بفضل أمر صريح لقائد منطقة الوسط بعدم إخلائها. وجاء رداً على ذلك من المتحدث بلسان الجيش بأن «قرار إخلاء البؤر الاستيطانية يتم وفقاً لاعتبارات عملياتية وسلم أولويات ووفقاً لتوجيهات المستوى السياسي».
في الأسابيع الأخيرة بدأ رجال البؤرة في إقامة جدار حول منطقة واسعة في المحمية، بدون تصريح من الإدارة المدنية. حسب تقدير الفلسطينيين في المنطقة ونشطاء إسرائيليين يرافقون الرعاة الفلسطينيين، هذا جدار مكهرب استهدف منع دخول أغنام رعاة فلسطينيين.
خلال عشرات السنين أخرج الرعاة قطعانهم إلى مرعى في هذه المنطقة دون إزعاج. منذ إقامة البؤرة الاستيطانية في أعقاب تهديدات سكانها المسلحين، أو أوامر إغلاق للمنطقة التي يصدرها القادة من أجل المستوطنين، تضرر بشكل كبير مصدر رزق الرعاة الفلسطينيين. هذا هو الوضع أيضاً قرب بؤر استيطانية أخرى أقيمت شمال غور الأردن ووسطه، التي يمر جزء منها الآن بإجراءات «التبييض». مثلاً في البؤرة الاستيطانية التي أقامها شخص يدعى عومر عتيديا، هو وبعض الشباب، يهددون بشكل دائم عشرات الرعاة من قرية العوجا ومن الخيام البدوية في شمال أريحا، ومثلما هو الوضع في بؤر استيطانية أخرى، مثلاً في أم زوكا وحفات معون، بؤرة متفرعة من سلعيت ومتسبيه يئير وغيرهما، هم يأمرون القادة العسكريين والجنود بطرد الفلسطينيين وهؤلاء يخضعون لهم.
رغم أن الأمر يتعلق ببؤر استيطانية غير قانونية، فإن الجيش يجند للدفاع ليس فقط عن سكانها، بل أيضاً عن قدرتهم على سلب مصدر رزق الفلسطينيين وأن يفرضوا عليهم التجمع في مناطق أ و ب. وهكذا أن يخلوا معظم أراضي الضفة الغربية لتطوير المستوطنات وتوسيعها. في نفس الوقت، الإدارة المدنية تواصل سياسة منع البناء الفلسطيني في مناطق ج وفي هدم مبان بسيطة مثل الأكواخ. وبنى تحتية ضرورية مثل أنابيب المياه. التصعيد الذي يشعر به الفلسطينيون يومياً هو بناء على ذلك، في السياسة الرسمية والمبادرات الفردية لحشرهم في الجيوب. هل سيتم التعبير عن الإحباط والغضب في موجات جديدة من محاولات هجمات فردية أو منظمة ضد إسرائيليين؟ هذا ما يسمى في إسرائيل «تصعيد»، من خلال تجاهل الواقع التصعيدي الذي يسببه.

عميره هاس
هآرتس 1/3/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية