المؤرخ الذي سيبحث في تاريخ الانقسام بين حماس والسلطة، ويسعى إلى إرفاق ملاحظات هامشية لذيذة به، لن يتمكن من القفز عن هذا الأسبوع. فقد ضربت كل حركة بنظيرتها المرة تلو الأخرى، ليس لسفك الدماء بل لتشويه صورة الحركة الأخرى ولذعها. الراشد المسؤول هو الذي ينقص المعسكرين، ورغم ذلك ليس مؤكداً على الإطلاق بأن علينا نحن الإسرائيليين أن نتمنى النجاح للطرفين.
هذه الجولة من تبادل الضربات ولدت مرة أخرى تهديدات من أبو مازن على حماس. فمنذ أشهر طويلة وهو يتسلى بفكرة تقليص المزيد فالمزيد من الميزانيات التي تحولها حكومته إلى «المحافظات الجنوبية»، كما تسمي السلطة قطاع غزة. وفي حماس قرروا ألا يصمتوا بعد اليوم. فقد خرجوا ضده بحملة شوارع صاخبة تحت عنوان «ارحل». وتجمع الآلاف في بداية الأسبوع في الميدان المركزي في غزة وتظاهروا ـ بتشجيع من حماس ـ ضد السلطة. يافطات تحمل صور أبو مازن علقت في القطاع، والعنوان من الحائط يصرخ أن يرحل. في أحد مقاطع الفيديو التي وثقت في غزة، بدت امرأة تمسك بيد إعلاناً يحمل صورة أبو مازن وفي اليد الأخرى حذاء، وهي تخبط بالصورة وتصرخ بالكلمات المنددة له. لقد كان الحذاء ولا يزال تعبيراً فظاً للاحتجاج لدى العرب.
تكاد السلطة منذ أول يوم من وجودها تدعم القطاع بـ 1.4 مليار شيكل في السنة. هذا هو أنبوب الأكسجين المركزي للقطاع. ويتضمن هذا المبلغ الدفع لقاء الكهرباء التي تشترى من إسرائيل، والمياه التي تشترى من شركة مكوروت، ودفع الرواتب لموظفي فتح ممن أقيلوا من عملهم في انقلاب حماس، ومخصصات الدعم للسجناء الأمنيين والمخصصات لعائلات القتلى. في السنتين الأخيرتين، منذ شرع بحملة إبادة ضد حماس، قلص أبو مازن ربع الميزانية السنوية. في إسرائيل هناك من يعتقد بأن الهدف الخفي للرئيس هو دفع حماس للقتال ضد إسرائيل. وبالفعل، فإن أبو مازن لن يذرف دمعة إذا ما سفكت حماس وإسرائيل دم الواحدة الأخرى. ولكن هذا ليس هدفه. تطلعه الأساسي هو إلحاق الهزيمة بحماس، وتجفيفها اقتصادياً حتى لا تتمكن من الحكم وتستجديه هو ورجاله أن يأتوا ليأخذوا زمام القيادة الكاملة على القطاع.
تجفيف غزة
عودة إلى هذا الأسبوع. مؤخراً قرر الكابينت السياسي الأمني الاقتطاع من الميزانية المحولة إلى السلطة المبلغ الذي تدفعه للسجناء الأمنيين. في كل شهر تحول إسرائيل إلى السلطة أموال الضرائب التي تجبيها من صفقات التجار الفلسطينيين في الضفة والقطاع. وهذا التحويل منصوص عليه في الاتفاقات الموقعة بين الطرفين بعد اتفاق أوسلو. وقرر الكابينت اقتطاع المال الذي تدفعه السلطة إلى آلاف السجناء من هذا المبلغ. ويدور الحديث عن نحو نصف مليار شيكل في السنة. ورداً على ذلك، أبلغت السلطة حماس بأنها ستفعل لها ما فعلته إسرائيل لها. بمعنى أن تقتطع من المبالغ من ميزانيتها.
مع بدء حملة التشهير ضد أبو مازن، سارعت السلطة إلى إطلاق ذخيرتها. فقد بدأت وسائل الإعلام المتماثلة معها بوصف حماس بلقب «الميليشيا». صائب عريقات وليس فقط هو، طلبوا من الجمهور أن يلاحظ جيداً من يدعو أبو مازن إلى الرحيل، اليهود وحماس.
في زوايا مختلفة من المدن في الضفة نظمت مسيرات تأييد للرئيس. وفي مواجهة شعار «ارحل» صمم رجال م.ت.ف شعاراً مضاداً يحمل صورته وكتب على اليافطة «الرئيس الزعيم». أما السكين الأطول فامتشقها حسين الشيخ، أحد رجال المطبخ الصغير لأبو مازن. ففي تغريدة على «تويتر» كتب الشيخ أنه إذا استمرت حماس على نهجها هذا، فقد تتخذ السلطة وسائل أو قرارات حول مستقبل حماس الاستراتيجي في الساحة الفلسطينية. لا يوجد سبيل لقراءة أقواله إلا كتهديدات لتجفيف القطاع من الأموال النقدية. «السلطة تعمل كوحدة تصفية»، هكذا دافعوا في حماس عن أنفسهم، في تعبير آخر مأخوذ من الصراع ضد الجيش الإسرائيلي.
لسنوات طويلة خدم الانقسام في المعسكر الفلسطيني الإسرائيلي. لست واثقاً أنه يخدمها اليوم أيضاً. فهو بالفعل جيد لليهود طالما كان تحت السيطرة. ولكن هذا الانقسام يولد فقراً مدقعاً، والفقر يولد الاحتجاج، والاحتجاج ينبت نوايا شريرة. 53 في المئة من سكان القطاع يعرفون كفقراء، وفقاً لمعطيات جمعت في إسرائيل، ففي السلطة الفلسطينية وفي صندوق النقد الدولي 34 في المئة يعيشون بفقر عميق.
هذا الفهم يتبلور أمام ناظرينا هذه الأيام. على طول الجدار في غزة لا يصطدم طرفان، بل ثلاثة. حماس، والجيش الإسرائيلي، والجمهور المعربد. هذا الجمهور لم يولد بتشجيع حماس بل العكس. هذا تنظيم شعبي، موجه اليوم تجاه إسرائيل، ولكن من شأنه أن يعرض حماس أيضاً للخطر. آلاف الشبان، بمن فيهم نساء أيضاً، معدومو الرزق ودون أي شيكل في جيوبهم، وهم مستعدون لأن يموتوا ليس باسم تنظيم أو قيمة دينية مثالية، بل لأنه ليس لديهم سبب لأن ينهضوا في الصباح، وهم ليسوا تابعين لأي حزب. هم نتيجة واقع فقير، وهذا الواقع ولد لأن غزة اجتازت سياقات تجفيف. إسرائيل جففتها، مصر ساهمت في ذلك بطريقتها، الدول العربية أهملتها والسلطة أعلنت الحرب عليها. هذه الحركة، حركة الاحتجاج العنيف لقطاع غزة، تكره الجميع. في هذه الأثناء هي هاوية، ولهذا فإن الجيش الإسرائيلي ينجح في احتوائها، ورؤساء حماس قادرون على توجيهها لأغراضهم. ولكن إذا استمر الواقع في القطاع على هذا النحو، ففي هذه الحركة كل العناصر التي تولد الجريمة الفوضوية والإرهاب من هذا النوع والذي ستبدو حماس إلى جانبه كحركة معتدلة.
السيسي يطلب السلام
من ناحية الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، تتوج المؤتمر بنجاح. فقد تجمع على الطاولة المستديرة زعماء عرب وأوروبيون وتحدثوا عن الوضع. السيسي ورجاله، الذين بادروا إلى المؤتمر هذا الأسبوع في شرم الشيخ دعوا من خلاله إلى توثيق التعاون مع عواصم أوروبا في الصراع ضد الإرهاب. إضافة إلى ذلك، فقد استغلوا الفرصة لمنح عناق للفلسطينيين، عشية عرض خطة السلام لدونالد ترامب وكان أبو مازن أحد الخطباء.
كل هذه المقدمة تستهدف أن تكون إطاراً للدقيقة الأخيرة في خطاب الرئيس المصري. فقد توجه السيسي «إلى كل الشعوب المحبة للسلام». لا تستجيبوا لدعاية الكراهية والانقسام، هكذا دعا. ولا تستمعوا لأولئك الذين يحاولون اتهام الآخر بأنه الشيطان فقط لأن دينه وجنسه أو انتماءه العرقي ليس مثلكم. «كل واحد منا، باختلافه، يتطلع إلى عالم أفضل، لنفسه وللأجيال التالية له. وما هو السبيل إلى ذلك إن لم يكن التعاون، تعلم الآخر وقبوله. تعالوا ننطلق إلى طريق العمل المشترك، على أساس القيم الإنسانية وأمننا، لأن للبشرية مصيراً واحداً». ليست هذه هي المرة الأولى التي يدعو فيها السيسي إلى إصلاح وتكاتف القوى الدولية ضد المتطرفين. في الماضي أعلن بأن شيئاً ما تشوش في طريق الإسلام ويجب إعادته إلى مساره. وسعى لأن يشرك حكماء الدين وعلى رأسهم الأزهر، لإصلاح العالم، وليعيد دين محمد إلى المكان المناسب له. وقد أداروا له الظهر. ويمكن لنا أن نفهم ما الذي دفعه إلى ذلك. فالتطرف يولد الإرهاب والإرهاب هو أحد المشاكل الأولى لمصر.
مهامته قد تكون متعذرة. ناصر والسادات ومبارك خلفوا أمراضاً في جسد مصر. من أجل معالجتها يحتاج السيسي لأن يبدأ من البداية. أن يعلم الجماهير بأن العنف ليس السبيل لحل المشاكل وأن الدين جاء إلى العالم كي يقرب لا ليكون وسيلة لكراهية الآخر. عليه أن يعلم على التسامح مئة مليون مصري بعد ستين سنة من الترويج للتزمت الديني. عليه أن يدفعهم لأن يقبلوا أمريكا بعد عشرات السنين من الترويج على أنها مصدر المشاكل في العالم. إذا نجح، فإنه سيصنع التاريخ. حتى الآن أي من رؤساء مصر أنهى ولايته بشكل طبيعي؟ كلهم تعلموا بالطريقة الصعبة بأن مشاكل البلاد أكبر من زعمائها، حتى لو كانت أيديهم من حديد وأكتافهم عريضة.
جاكي خوجي
معاريف 1/3/2019