نساء “دولة الخلافة” خزّان الجيل الثالث والرابع من “القاعدة”

رلى موفّق
حجم الخط
0

ما يُنشر إعلامياً عن مراكز دراسات وأبحاث حول تنظيم “الدولة” الإسلامية يُؤشّر إلى أن ربع أجانب التنظيم على الأقل هم من النساء والأطفال. تكشف دراسة حديثة لـ “المركز الدولي لدراسات التطرّف” في “كينغز كولدج” في لندن، ارتكزت على تحليل قاعدة بيانات جمعها المركز بنفسه في 80 دولة شملت أكثر من 40000 شخص انضموا إلى التنظيم في العراق وسوريا منذ تأسيسه في العام 2013، أن 13 في المئة من الإحصاء (حوالي 5000) هنّ من النساء، وأن 12 في المئة (حوالي 4500) هم من القُصّر.

ونسبة الربع قابلة للارتفاع حكماً مع ما قالته معدّة الدراسة جينا فال لمحطة الـ “بي.بي.سي” عن عدم وجود شفافية في نشر الدول للأرقام الفعلية من منتسبي مواطنيها إلى التنظيم، والأرقام المنشورة التي تأتي عامة لا تتضمن تبويباً لمن هم راشدون أو مراهقون على طريق البلوغ أو أطفال ما دون الخامسة.

من الصعب الجزم بالأعداد النهائية لمقاتلي التنظيم الأجانب، ولكن يمكن مبدئياً احتساب نسبة النساء والأطفال منهم والبالغة بحدها الأدنى الربع. والتركيز القوي على هذه الشريحة يأتي مع قرب انتهاء تطهير الجيب الأخير في قرية الباغوز شرق سوريا على الحدود العراقية لـ “أرض الخلافة” التي أعلنها أبو بكر البغدادي على مساحة جغرافية من العراق وسوريا، ونزوح عائلات مقاتلي “التنظيم” إلى مخيمات شمال شرق سوريا، والتي يشكل أبرزها مخيم الهول الواقع في ريف الحسكة.

نساء “دولة الخلافة” يَنْتمِينَ إلى بقاع واسعة، والقسم الأكبر عراقيات وسوريات وجزائريات وتونسيات ومغربيات وتركيات، وأجنبيات أتَيْنَ أيضاً من أمريكا وأستراليا وفرنسا وبريطانيا وبلجيكا وألمانيا ودول أوروبية أخرى، ومن روسيا ودول القوقاز، ومن الإيغور الصينية. صحيح أن القاسم المشترك بين غالبيتهن هو انتماؤهن إلى الإسلام أو تحوّل بعضهن إليه، لكنهن من بيئات وحضارات مختلفة. ولعل السؤال المشروع هو: هل أضْحَيْنَ جميعاً على فكر واحد يتضمن نفس العقيدة والمبادئ والقيم والسلوك؟ وهل ما زال بالإمكان إعادة تأهيلهن في إطار عملية تأهيل أطفالهن، أم أن الاتجاهات الذاهبة نحو فصل الأمهات عن الأطفال تنطلق من قناعة استحالة تفكيك الأفكار المتطرفة؟

سترتفع أصوات الكثير من النساء الأجانب، ولا سيما ممن كُن قاصرات حين جذبهن شبان “دولة الخلافة” عبر “البروباعندا” الخلاقة التي اعتمدها التنظيم على مواقع التواصل الاجتماعي، التي شكّلت أهم وسيلة تعبئة وإغراء لنساء حلمن بالمغامرة و “رجال الأساطير”.

بدأت التقارير الصحافية والإعلامية تُبث من مخيم الهول الذي لجأت إليه عشرات الآلاف من عائلات “التنظيم”. التقديرات تتحدث عن ثلاثين ألفاً نزحوا خلال الشهرين الماضين، والعدد ارتفع خلال الأسبوعين الماضيين. قناة الـ “بي.بي.سي” البريطانية عرضت تقريراً عن شاميمة بيجوم، فتاة في التاسعة عشرة من العمر فرّت من لندن في عمر الـ15 إلى “أرض الخلافة” وهي اليوم في المخيم وتطلب العودة إلى ديارها لتربّي طفلها الثالث الرضيع بعدما فقدت طفلين، وقُتل زوجها. وظهرت الأمريكية هدى مثنى مطالبة بالعودة إلى وطنها. وألقت وسائل إعلام الضوء على الفرنسيتين كلويه وشيماء، اللتين ترغبان بالعودة إلى بلدهما أملاً بمحاكمة عادلة. وتحدّث مراسل وكالة الصحافة الفرنسية الذي زار المخيم مع المغربية كِنزة التي قُتل زوجها أيضاً، وتريد هي الأخرى العودة إلى المغرب مع أولادها الثلاثة الذين تتراوح أعمارهم بين سنة وعشر سنوات.

هذه عيّنات عن زوجات مقاتلي “داعش” وأمهات أطفالهم. عيّنات للائحة تطول لتشمل، على الأقل، 500 أجنبية في مخيم الهول وصلن أخيراً مع أطفالهن.

التقارير الإعلامية نقلت عن باحثين في “المركز الدولي لدراسات التطرّف” أن ما لا يقل عن سبعة آلاف من المقاتلين الأجانب عادوا العام الماضي إلى بلادهم بعد انحسار تنظيم “الدولة” في العراق، بينهم قرابة 250 امرأة و1200 طفل، غير أن كثيراً من الغموض ما زال يعتري مصير مَن تبقى مِن المقاتلين الأجانب وعائلاتهم، خصوصاً بعدما بدأ الإعلام الغربي بتسليط الضوء على النساء، وبعدما خرج وزير الخارجية البريطاني جيرمي هنت ليعلن أنه تم تجريد شاميما بيجوم من جنسيتها ومعها مئة أخريات من اللواتي انضممن إلى التنظيم.

التحدّي الراهن والمستقبلي متعدّد الأوجه، وهو يتعلق بالمسار الذي على الدول المعنية أن تنتهجه، وكيفية المواءمة بين مطالبات مجتمعاتها بتعديلات على القوانين لحماية تلك الدول من المخاطر المتأتية عن إمكان عودة هؤلاء إليها، وبين المسؤولية الاجتماعية تجاههم وضرورة عدم تعميم صورة نمطية، لا سيما مع بدء النقاش والجدل عما إذا كانت الفتيات اللواتي فرَرْنَ إلى سوريا والعراق قد غُرّر بهن وخُدعن وظُلمن أم أنهن أضحين اليوم الذراع البديلة لمقاتلي التنظيم لجهة تنفيذ “عمليات جهادية” في دولهم، إضافة إلى أن الوظيفة الأساسية الملقاة على عاتقهن في بناء الجيل الثالث والرابع من “القاعدة” باتت أمانة في يد نسوة التنظيم اللواتي تشرّبن عقيدة الجهاد لنقلها إلى الأجيال المقبلة. وسيغذي “الظلم” الذي سيلحق بكل من كان له علاقة بـ “القاعدة” و”داعش” والتنظيمات الإسلامية المتطرفة فكرة الانتقام والعودة إلى تحقيق حلم “أرض الخلافة” وأمجادها في وجدانهم.

البحث راهناً يتركز في العمق على التحوّل في دور “الجهاديات” بعد هزيمة التنظيم. فبينما كانت الأدوار التي يلعبنها تنحصر في بناء الأسرة وتعليم الأولاد ونشر العقيدة، وبعيدة عن مهمة القتال، أصبحن يلعبن دوراً بارزاً في استقطاب الشباب إلى “الجهاد” في أرض المعركة، ولتتطور المهام لاحقاً مع نشر عقيدة أن “الجهاد” ضد الأعداء واجب على المرأة، التي بدأت صورها الدعائية تنتشر وهي تقاتل في ساحة المعركة إلى جانب الرجال، وبدأت بتنفيذ عمليات انتحارية، بحيث أن المخاوف تنطلق من الدراسة القائلة بوجود “خلايا نسائية” و “خلايا أسرية” قادرة على تنفيذ هجمات ضمن ما يُعرف بعمليات “الذئاب المنفردة”.

تحدّي التعامل مع نساء تنظيم “الدولة” ومع أطفال التنظيم سيبرز بشكل أكبر في المرحلة المقبلة، لا سيما وأن التداعيات التي قد تنجم عن التوجهات المقبلة في فصل الأمهات عن أطفالهن لا تزال غير مدروسة ومحسوبة، ومن شأنها أن تؤجج الصراع بدل أن تُسهم في معالجته ووأده.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية