حين تتحدث الدبلوماسية الإسرائيلية بلهجة إفريقية أو أكسفوردية!

حجم الخط
0

هذا الأسبوع سيحصل موظفو السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية على راتب مقلص، وهذه مرة أخرى فرصة لمحاولة التذكير إلى أي درجة أصبحت لغتنا الصحافية ملوثة بمفاهيم تشوش الواقع، وإلى أي درجة أمست الصحف الإسرائيلية متعاونة رئيسية في جهاز السيطرة على الفلسطينيين وتشجيع الجهل في أوساط الإسرائيليين.
الذين تقل رواتبهم عن 2000 شيكل سيواصلون الحصول على كامل هذا المبلغ المضحك. الآخرون سيكتشفون أن نصف المبلغ وصل إلى البنك، مع خصم الدفعات المحددة للبنك عن القروض المختلفة، وإن الكثيرين من موظفي القطاع العام سيبقون مع بضع عشرات أو مئات الشواكل في حساباتهم. مع ذلك، عليهم إطعام أطفالهم والسفر إلى العمل والمدرسة ودفع فواتير الكهرباء والإنترنت. بالمناسبة، أسعار المياه والوقود والكهرباء في الضفة تشبه الأسعار في إسرائيل. أجر الحد الأدنى الفلسطيني هو أكثر بقليل من ثلث أجر الحد الأدنى في إسرائيل.
الموظفون سينضمون بضائقتهم هذه إلى مئات كثيرة من لاجئي USAID. وهم أشخاص عملوا في عشرات المشاريع التي مولتها وكالة التنمية الأمريكية. والتي تم وقفها بعد أن أمر ترامب بوقف تمويلها. في كل عطاء لعمل جديد في القطاع العام أو الخاص، يتنافس بضع عشرات من هؤلاء العاطلين الجدد.
الرواتب في القطاع العام ستقلص بسبب زيادة حدة العجز في ميزانية السلطة الفلسطينية. وهذه الحدة في العجز تنبع من… ماذا فعلاً؟ في إعلاننا «سنجد صياغات مثل خصم (أو تقليص) المبلغ الذي يوازي مخصصات السجناء من إجمالي المبالغ التي تحولها إسرائيل للسلطة الفلسطينية». هذا هو إذا، هذا ليس تقليصاً أو خصماً، هذا سرقة وسطو في وضح النهار تقوم به إسرائيل على أموال ليست لها، يدفعها مستوردون فلسطينيون عن منتوجات هدفها الجيوب الفلسطينية. ولأن إسرائيل تسيطر على كل الحدود والموانئ، فهي التي تجبي من التجار الأموال. هذه الجمارك تشكل 50 في المئة إذا لم يكن أكثر من مداخيل وزارة المالية الفلسطينية. الخصم هو سرقة. من يقررون الخصم هم لصوص، أي رئيس الحكومة ووزير الدفاع ووزير المالية. موظفو المالية الذين ينفذون الأمر هم شركاء في موضوع المخالفة. الصحف شريكة في سرقة الرأي عندما تكتب «خصم».
في خطوة عصيان مدني ـ أو كرامة ثمنها مرتفع أو تطلع عبثي لأن يجعل هذا العالم يضغط على إسرائيل ـ قرر محمود عباس رفض تسلم المبلغ كله الذي كان على إسرائيل تحويله إلى حساب وزارة المالية الفلسطينية هذا الشهر. عباس هو الذي يقرر في كل الأمور. صدقوني، قال لي موظف فلسطيني كبير ولم يأت بجديد. أي، كان هناك في الحكومة الفلسطينية من اعتقدوا أن كرامة متمردة ليست في محلها.
لنذكر للمرة المئة ألف: السبب الأساسي في أن نسبة مرتفعة جداً من مداخيل السلطة تأتي من الجمارك وليس من نشاطات اقتصادية إنتاجية، هو السيطرة الإسرائيلية على مناطق ج والقيود البناء والزراعة والرعي وحرية الحركة. هكذا تسرق إسرائيل مداخيل وزارة المالية الفلسطينية بعد أن تمنع الفلسطينيين من تطوير مصادر دخل أخرى.
المشوش اللغوي الشعبي مرة أخرى في الأسبوع الماضي كان مفهوم «تصعيد» في الوقت الذي كان القصد هو احتجاج عنيف محتمل للفلسطينيين. من يسيطر على المياه الموجودة أو غير الموجودة للفلسطينيين من الطبيعي أن يسيطر على اللغة. مع ذلك، ما زال هناك أمر يثير الأعصاب وهو تلك السهولة في العنف البيروقراطي لأوامر البناء التي لا يعرفها الإعلام بـ «تصعيد»، بل «قانون وتنظيم».
لننتقل إلى التشويش اللغوي الذي يعرض الجيش الإسرائيلي أو وحدة «يمام» (الشرطة الخاصة) كـ «نشطاء».
المتحدثون يقولون، وإعلام الجماهير يتبنى كالعادة. في نشاط مشترك للجيش الإسرائيلي ويمام والشاباك اعتقلوا زكريا الزبيدي وسط رام الله. «نشاط» يغطي على العمل كما هو: اقتحام لمسلحين، هجوم، فرض الرعب. لا يجب أن نقدم الزبيدي للجمهور الإسرائيلي. ابن اللاجئين هذا الذي قام جندي إسرائيلي بقنص وقتل والدته في مخيم جنين للاجئين، عرف جيداً نفسية المراسلين الإسرائيليين. هم يحبون إجراء المقابلات مع مسلحين فلسطينيين، لأن هذا يرفع أسهمهم المهنية.
هذا دائماً أكثر إثارة من البحث عن جنود ضربوا شخصاً أعمى ومقعداً في سريره. (جدعون ليفي واليكس لبيك، «هآرتس»، 1/3). هل هناك علاقة مباشرة بين مؤهلات الزبيدي كمقاتل ضد الاحتلال الإسرائيلي وعدد المقابلات التي أجراها؟ هذا ليس موضوعنا الآن. ولا حتى تأثير المقابلات على الرؤية العامة للزبيدي، ولا حتى على الطريقة التي أدانه فيها الإعلام الإسرائيلي وأدان المحامي طارق برغوث بكل ما ادعاه الشاباك ضدهما. موضوعنا هنا هو مغسلة الكلمات التي تصف بمفاهيم إيجابية الاقتحامات العسكرية المسلحة والمخيفة في أوساط السكان الحضريين.
في المكان الذي اعتقل فيه الزبيدي في مركز رام الله هناك مدرسة للبنات على اسم عزيز شاهين وروضة أطفال. الأطفال لن ينسوا الغاز المسيل للدموع الذي تسرب عندهم، وصوت الانفجارات المخيفة والمسلحين الوقحين الذين لم يسمحوا لآبائهم القلقين من الاقتراب من أجل أخذهم إلى البيت. بعد ذلك يرتدي دبلوماسيون إسرائيليون ربطات العنق يشرحون بلهجة جنوب إفريقية أو أكسفوردية بأن جهاز التعليم الفلسطيني يعلم الكراهية.

عميره هاس
هآرتس 3/3/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية