عشرات آلاف المتظاهرين الذين غصت بهم شوارع الجزائر العاصمة في الأسابيع الثلاثة الأخيرة، ومدن أخرى في الدولة، تثير بشكل طبيعي السؤال: هل الدولة التي نجحت في التملص من ثورة «الربيع العربي» في 2011 تقف على عتبة ثورة. السبب المباشر للمظاهرة هذه المرة هو إعلام الحزب الحاكم «جبهة التحرير الوطني» أن الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة سيترشح لولاية خامسة في الانتخابات التي ستجري في 18 نيسان. في مساء يوم الأحد الماضي رشح بوتفليقة نفسه للرئاسة، قبل ساعات من انتهاء موعد تقديم الترشح أو الانسحاب من المنافسة.
في الشهر الماضي استيقظت الشبكات الاجتماعية في أعقاب الإعلان عن ترشحه، عندما طلب عشرات آلاف المتصفحين منه الانسحاب من الترشح. انزلق المحتجون من الشبكات إلى الشوارع وهم يرفعون لافتات تذكر بالتي رفعها المتظاهرون في مصر وتونس وليبيا. كما يبدو، يمكن لـ 41 مليون مواطن جزائري الانتظار حتى الانتخابات من أجل تحديد من سيكون الرئيس مثلما فعلوا في الحملات الانتخابية الأربع السابقة، منذ انتخاب بوتفليقة عام 1999. ولكن الانتخابات في الجزائر بعيدة عن أن تكون انتخابات حرة. بوتفليقة (82 سنة) والمريض ما زال الجيش والأجهزة الأمنية القوية تؤيده، وينضم إليهم أصحاب رؤوس الأموال في الدولة، ما يسمى كارتل المال، وهكذا يمكنه الفوز في الانتخابات والاستمرار بولاية أخرى. الادعاء العلني لمعارضين هو أن سن الرئيس وصحته، الذي أصيب بجلطة في 2013، ولا يظهر علناً، لن تسمح له بإدارة الدولة وتطبيق الإصلاح الاقتصادي المطلوب. وهم يطالبون من الآن البرلمان بتطبيق البند 102 في الدستور الذي ينظم انتقال السلطة بصورة مؤقتة إلى رئيس البرلمان في حالة عجز الرئيس، لأسباب صحية أو غيرها. باختصار، هم يريدون انتخابات بدون بوتفليقة.
ولكن مراكز القوة في الجيش التي تدرك، وعدد منها يتماهون مع حركة الاحتجاج، تخاف مما سيكون في اليوم التالي. الذاكرة الجماعية المخيفة منذ بداية التسعينيات تطفو وتظهر من جديد. حينها اندلعت احتجاجات ومظاهرات كبيرة بسبب الوضع الاقتصادي الصعب، أشعلت سياسة التقشف الاقتصادي الشوارع، والحركات الإسلامية ركبت على موجة الاحتجاج وفازت في الانتخابات المحلية. الجيش الذي خاف من إمكانية سقوط الدولة في أيدي المتطرفين الإسلاميين ألغى الانتخابات في 1991 وقام بتعيين حكومة. في السنة نفسها بدأ «العقد الأسود» الذي حدثت فيه الحرب الأهلية التي قتل فيها 200 ألف شخص تقريباً.
بعد ثماني سنوات من ذلك، بوتفليقة ـ الذي كان منذ 16 سنة موجود في المنفى في سويسرا، وقد هرب إليها من أجل عدم تقديمه للمحاكمة بسبب سرقات ضخمة ـ تمت إعادته إلى وطنه وكأنه بطل قومي واختير بأغلبية ساحقة، 74 في المئة، رئيساً. الإنجاز الكبير له هو إجراء حوار وطني فيه اقترح على كل الأطراف «نسيان الماضي وبناء المستقبل معاً». زعماء الحركة الإسلامية حصلوا على العفو، وعدد منهم عادوا إلى نشاطهم السياسي، والاقتصاد عاد إلى سابق عهده مستنداً إلى سعر النفط المرتفع. الحكومة استثمرت في البنى التحتية وأحيت التصدير إلى أوروبا التي تشتري من الجزائر ثلث إنتاجها من الغاز، والنظام عاد إلى سابق عهده.
ولكن إلى جانب النمو الاقتصادي تم تقييد الدولة بقيود قمع ومنع حرية التعبير. في هذه الفترة فرضت رقابة شديدة وكانت سيطرة الاستخبارات شاملة. بوتفليقة منح الدولة نافذة أمل على العالم. لقد طور العلاقات مع الدول الغربية، وجرف استثمارات خارجية ومنح النخبة يد حرة للعمل كأصحاب بيت. الاستقرار عاد إلى الدولة وكذلك إدارة الاقتصاد ظهرت ناجحة. ولكن الاعتماد المطلق على النفط والغاز جبى خلال سنوات قليلة ثمناً اقتصادياً وسياسياً عالياً. الصندوق المليء واحتياطي العملة الصعبة الكبير مكن الحكومة من شراء الهدوء، ودفع مقابل الدعم للسلع وخفض أسعار السلع الأساسية، وهكذا اجتازت الدولة بسلام عاصفة الربيع العربي في 2011. المواطنون حصلوا على القروض بدون فوائد. عشرات آلاف الموظفين والجنود ورجال الشرطة تم استيعابهم في الأجهزة الحكومية، وكذلك نجحت خطة إسكان الأزواج الشابة في وقف كثبان الثورات التي هددت بالدخول إلى الدولة.
بعد ثلاث سنوات، في العام 2014، جاءت ضربة انخفاض أسعار النفط. إذا كانت مداخيل الدولة بلغت في العام 2007 من النفط 74 مليار دولار، ففي العام 2017 انخفضت إلى 24 مليار دولار. في العام 2014 كان احتياطي الدولة من العملة الصعبة 178 مليار دولار مقابل 97 مليار دولار في بداية العام 2018. الإمكانيات التي كانت في متناول يد الحكومة في بداية سنوات الألفين أخذت تتلاشى. البطالة ارتفعت في هذه السنة إلى 12 في المئة، وبلغت في أوساط الشباب الذين يشكلون نصف عدد السكان 29 في المئة. النمو الذي كان قبل سنتين 3.5 ـ 4 في المئة انخفض إلى 0.8 في المئة، والعجز في الميزانية سيبلغ حسب التوقعات 10 في المئة من الناتج الإجمالي الخام، والعجز في الميزان التجاري سيبلغ 12.5 في المئة. هذا اقتصاد في أزمة يحتاج إلى إصلاح عميق وسيطرة سياسية قوية تمكن من تنفيذه.
النخبة العسكرية، السياسية والاقتصادية، التي تسمى «أصحاب السلطة»، وتتعاون من أجل أن تقتطع معاً الكوبونات السمينة، لن تسمح بصعود قادة أقوياء يمكنهم أخذ دور الرئيس على عاتقهم. من برز أكثر من اللازم وجد نفسه خارج دائرة متخذي القرارات. ذات يوم كان هذا هو رئيس المخابرات محمد توفيق مدين الذي أقيل من منصبه. ومرة أخرى كان سعيد بوتفليقة، شقيق الرئيس، الذي كان يطمح لأن يكون رئيساً إلى أن تم تقزيمه إلى درجة مستشار. نتيجة لذلك لم يتطور في الجزائر بديل مناسب للحكم ولم يظهر زعيم قوي يمكنه استبدال بوتفليقة.
إن التوق لإبقاء بوتفليقة لولاية أخرى أمر مشترك للجيش ودول أوروبية، بالأساس فرنسا وإيطاليا وإسبانيا التي تعتمد على النفط والغاز من الجزائر، وكونها الدرع الحيوي الذي يمنع تيار اللاجئين من إفريقيا إلى أوروبا. الجزائر التي تحارب منظمات الإرهاب تشكل أيضاً الكابح أمام اختراق تنظيمات مثل القاعدة إلى ما وراء البحار. ولكن لا يوجد لهذه الدولة تأثير كبير على توجيه السياسة الداخلية في الجزائر. وحسبها فإن استبدال النظام الحالي هو الضمانة الأكبر لاستمرار السياسة الحالية. وسواء قرر الرئيس التنافس وإغضاب معظم الجمهور أو أعلن عن انسحابه، وهي الخطوة التي ستضع الدولة في صراع سياسي مهدد، من المتوقع أن تقف الجزائر أمام موجة عاصفة من المظاهرات والاضطرابات التي ستجبر الجيش والشرطة على العمل بكامل القوة، وربما حتى فرض حالة الطوارئ في الدولة.
تسفي برئيل
هآرتس 4/3/2019