اعتاد الجمهور الإسرائيلي في السنوات الأخيرة على إنجازات دولية مر آخرها دون أن يلاحظه أحد تقريباً، فالقنصلية الأمريكية في القدس التي عملت على مدى السنين كـ «سفارة الولايات المتحدة للفلسطينيين»، أغلقت في خطوة واضحة أكملت الاعتراف الأمريكي بعاصمتنا. لم يترافق إغلاق القنصلية بطقوس واحتفالات علنية، ولكن بجدر بالإسرائيليين أن يقدروا معانيه الرمزية والعملية: من الآن فصاعداً ترفض الإدارة الأمريكية أن ترى بالفلسطينيين كياناً سياسياً ذا تواجد في القدس. وهكذا انقضى الوضع الذي لا يقبله العقل والذي كانت الولايات المتحدة تحوز فيه عملياً ممثليتين منفصلتين ـ واحدة لليهود وأخرى لعرب شرقي القدس، السامرة ويهودا ـ وهكذا ألمحت بعدم القبول لمطالب إسرائيل السياسية بشأن سيطرتها في العاصمة وفي أقاليم البلاد التي حررت في 67.
إضافة إلى الآثار السياسية للخطوة الأمريكية، فهي توفر فرصة لمراجعة العقيدة الدولية لنتنياهو، والتي أعطت لإسرائيل ثماراً كثيرة وطيبة. وبخلاف المشورات من اليسار، رفض رئيس الوزراء النهج الذي ربط مكانة إسرائيل الدولية بتنازلاتها للعرب.
فقد ادعى اليسار بأن إسرائيل المنسحبة والمتنازلة ستحظى بدعم الشعوب. وفضلاً عن الخلل الأخلاقي في هذا النهج ولحجة أنه ما كان لأي دولة أخرى أن يغريها ترك مصالحها سائبة لقاء «مداعبة» دولية عابرة، فإن محاولة كسب تأييد العالم من خلال الاستعداد لتسليم أجزاء من البلاد إلى العدو فشلت فشلاً ذريعاً.
فقد كانت هذه المحاولة تشبه التعاطي بالمخدرات ـ في المدى القصير يوفر الوهم بأن ها هي إسرائيل تصبح عزيزة العالم، ولكن كلما تبدد تأثير المخدر تبين أن وهم العطف الدولي بحاجة إلى الصيانة من خلال حقن أخرى، أي مزيد من الانسحابات، وكانت النتيجة هدامة.
فقد جبت التنازلات بروح أوسلو من إسرائيل ثمناً دموياً، ثم إن المكانة الدولية للدولة اليهودية تشققت وتضررت في أعقاب حماستها للانسحابات.
لقد ادعى نتنياهو على الدوام عكس ذلك ـ فإن إسرائيل القوية التي تقف عند حقوقها الشرعية وتطور قوى متنوعة ستبدو في نظر دول العالم كحليف وشريك مناسب، وقد أثبتت السنوات التي انقضت صحة موقفه. لقد تنبأوا لنا بـ «تسونامي سياسي»؟ ولكن بدلاً من ذلك تلقينا موجات عطف تأتي من كل أرجاء المعمورة. أما إسرائيل التي تتنازل فقد اتخذت في نظر الآخرين صورة السند المتهالك، السهم الذي ليس مجدياً الاستثمار فيه، لأن مديريها لم يصدقوا صدق موقفها وسعوا لأن يرضوا بالمفاوضات من ينهضون للقضاء عليها. أما إسرائيل نتنياهو فتعتبر قوة عظمى ذات طول نفس وطول روح، يسمحان لها بأن تقف في وجه العدوان العسكري والدعائي من جهة، وتؤشر على الاستعداد للبحث عن مصالح مشتركة مع من يهجر الأمل في إيقاع الهزيمة بها من جهة أخرى.
إن السنوات التي انقضت منذ أوسلو تميزت بالشفاء من هذا المرض وبصد آثاره: أولاً، الشفاء من مسيرة أوسلو، ولاحقاً صد الجهود من جانب زعماء العالم ـ من أوباما وحتى ميركل ـ لأن يفرضوا علينا استمرار الانسحابات. إذا واصلنا هكذا، آجلاً أم عاجلاً، فإن معظم اللاعبين البارزين في الساحة العالمية سيقبلون مواقفنا. عقيدة نتنياهو تنجح.
أرئيل بولشتاين
إسرائيل اليوم 5/3/2019