عندما تتحول الرفاهية إلى كابوس، والتكنولوجيا إلى عدو، يجب أن تعلم أنك لم تعد وحدك المالك لزمام أمورك، فهناك من يشاركك قراراتك، سواء رضيت أم أبيت. وما يزيد الأمر سوءاً علمك أنك قد أصبحت، رغماً عنك، طرفاً في حرب معلومات. فقد سهّل الازدهار التكنولوجي سرعة شن حروب معلومات بأقل التكاليف، وبأقل الخسائر، وبالتالي بزغ شعار: «نحلق ونقاتل ونفوز، في الجو والفضاء والفضاء الإلكتروني»، الذي صار من أهم الركائز في عقيدة كتائب حرب المعلومات بالقوات الجوية الأمريكية منذ ثمانينيات القرن الماضي؛ حيث تم نقل أرض المعركة من أرض الواقع إلى الفضاء الإلكتروني.
وهناك نوعان من الأسلحة لتمكين أي فرد من شن حرب معلومات: السلاح الأول الذي يركز على استخدام الشبكات، أما السلاح الثاني فهو ما يطلق عليه اسم «اتحاد تكامل المعلومات» C4ISR الذي يشير إلى نظم التكامل بين: القيادة والتحكم، والاتصالات والحواسيب، والاستخبارات والمراقبة والاستطلاع»، ما يعني أن النجاح في هذه الحروب يعتمد أساساً على مرحلة جمع المعلومات؛ لأن تراكم المعلومات يعني صعود الطرف الذي يعرف أكثر، والذي حتماً، سوف تصير الغلبة له في نهاية المطاف؛ بسبب أنه الطرف الذي بيده أخذ القرارات الحاسمة لقدرته على تدبر جميع الأمور.
ومن أهم وسائل تحطيم الخصوصية الفردية: وسائل التواصل الاجتماعي، وأجهزة المحمول، وأخيراً، شريحة «كل البيانات».
وعملية جمع المعلومات، تعد أخطر مرحلة عند شن حرب معلومات. ووفقاً لما يصرح به أجاي سينج في كتابه «أساسيات حرب المعلومات» 1995: «حتى وقت قريب، كانت من أصعب المهام أثناء الحرب، خاصة على أرض المعركة، تحديد موقعك، وموقع القوات الصديقة. لكن، في عصرنا الحديث، باتت العملية أسهل لحد كبير؛ لقد سهل ذلك وجود «جهاز تحديد المواقع عالميا» GPS، بالإضافة إلى، إمكانية معرفة موقع العدو تماماً من خلال توظيف تقنيات الاستطلاع والمراقبة». وبناء على ذلك، فإن نظم الاستطلاع والمراقبة تعمد إلى استخدام أجهزة الاستشعار القائمة على استخدام الأطياف، كالأطياف التي تصدرها الأشعة تحت الحمراء، والأشعة فوق البنفسجية، والشمية، والسمعية، والبصرية، والزلزالية، وما شابه ذلك. ثم تأتي بعد ذلك المرحلة الحاسمة التي يتم فيها انصهار البيانات من هذه الأطياف لتكوين صورة شاملة متكاملة عن العدو وموقعه وتكنولوجياته. ويجب ملاحظة أنه في حرب المعلومات الحالية، صارت عملية جمع المعلومات أقل خطورة لحد مذهل، بل أكثر اكتمالاً مما قد توفره الطرق التقليدية لجمع المعلومات؛ لأن التقنيات الحديثة سهّلت إمكانية استخدامها لاختراق المواقع، وتحليل المواقف، وكذلك جمع معلومات دقيقة بأدنى التكاليف ـ لطالما توافرت التقنيات اللازمة – وبأقل قدر من الإخلاص لأي من الأطراف المعنية، أي أن حرب المعلومات تفتقر غالباً إلى الجانب الأخلاقي الذي كان من الممكن أن يتوافر في الحروب التقليدية؛ فهي ليست مجرد حرب عادية، ولكنها حرب لسلب جميع أنواع الخصوصية – وحتى أدنى حد من حدود الخصوصية – التي ممكن أن ينشدها الطرف الآخر.
وبسبب نقل أرض معركة الحروب الإلكترونية من أرض المعركة التقليدية إلى شبكات التلفزيون والراديو والإنترنت – التي صار من السهل إما حجبها، أو سرقتها لبث رسائل معينة، وكذلك إلى شبكات اللوجستيات، وشبكات التواصل، وشبكات المعلومات في البورصة التي أضحى تخريبها يسيرا ـ فإن ذلك يعني أن كلاً من أرض المعركة، وأطراف المعركة لا يقتصران فقط على الطرفان المتخاصمان، كما كان الوضع في الماضي، بل انتقلت إلى أرض المعركة إلى ساحة المدنيين من الأفراد العادية الذين لا يشكلون أي خطورة، ولا ينشدون الخوض في أي نوع من أنواع المشكلات. فعمليات جمع المعلومات تعنى بتحطيم الخصوصية، ومن أهم وسائل تحطيم خصوصية الفرد في العصر الحديث إغراقه في تكنولوجيات مفرطة لا يفهم ولا يعي أصلاً مغزاها، ويكون استخدامه لها في أدنى الصور.
ومن أهم وسائل تحطيم الخصوصية الفردية: وسائل التواصل الاجتماعي، وأجهزة المحمول، وأخيراً، شريحة «كل البيانات». أما بالنسبة لوسائل التواصل الاجتماعي، خاصة الفيسبوك، فناهيك عن المعلومات التي يمكن أن يشاركها الفرد على صفحته الخاصة، التي من خلالها يمكن تحديد هويته، واتجهاته الفكرية، ونزعاته الشخصية، فهناك العديد من الاختبارات النفسية واستطلاعات الرأي التي يقبل عليها الكثيرون، والتي تؤكد أن الفرد العادي صار متورطاً في عملية تحطيم الخصوصية تلك. ويزعجني جداً أنني لا أجد من يتساءل ـ خلا أعدادا هامشية ـ لماذا يتم ترشيح صفحات عينها، أو استطلاعات، أو اختبارات نفسية، أو حتى أصدقاء لكل فرد على حدة. أضف إلى ذلك، هناك خيار متاح الآن لطبع جميع أنشطة أي من حسابات الفيسبوك، بدءاً من بداية النشاط حتى وقت المتابعة، بل حتى يمكن طبع، وتتبع نشاط أحد الحسابات على الفيسبوك خلال فترة معينة يتم تحديدها. مع العلم أن الملف الذي سوف يتم تحميله سيكون بشيفرات لا يفهمها إلا المتخصصون؛ ما يعني أن ذلك الخيار قد صمم لجهات بعينها.
وإضافة إلى أهوال الخطر الداهم الذي يدعى فيسبوك، فعمليات المراقبة، وجمع المعلومات باتت ليست من المهام المنوطة للجهات العليا والمعنية فقط، ولكن أيضا، من مهام بضعة أفراد كونوا لأنفسهم حسابات، أو صفحات مشهورة، صارت ساحة لتبادل الآراء الساخنة، أو من خلال أفراد يتواجدون على عدة «جروبات» على الفيسبوك. وبالنظر للحالة الأولى، ألا وهي الأفراد الذين كونوا لأنفسهم حسابات أو صفحات مشهورة، نجد أنهم يطرحون قضية جدلية شديدة التعقيد لدرجة أن مؤيدها، أو معارضها يكون شديد التطرف في آرائه. ومن ثم، صاحب هذا الحساب أو الصفحة، الذي غالباً ما يعرف نفسه بأن مهمته تنويرية، يعمد إلى جعل حسابه ساحة من التطاحن والتبارز بالآراء. وعلى هذا، تتلاشى فكرة الحوار الحضاري التنويري، وتزداد الفرقة بين أطراف وفصائل المجتمع الواحد، بالإضافة إلى كل ذلك، تنبت أحاديث الكره، وهي تلك المرحلة التي تسبق مباشرة تكوين جماعات الكره. ويلاحظ أنه عند تفاقم المسألة والمغالاة في التطرف الفكري، تصير مشارف حرب أهلية وشيكة.
فالحرب المقبلة هي حرب بلا أسلحة تقليدية، فلقد تحولت الأسلحة والذخائر المعدنية إلى أخرى رقمية، أما وسيلة الحرب فقد تم تبديلها بوسيط غير مرئي، ألا وهو، المعلومات.
أما بالنسبة للأفراد الذين يتواجدون على «الجروبات»، فبتتبع نشاطهم، تمت ملاحظة أن أغلب مشاركاتهم ما هي إلا طرح أسئلة جدلية؛ حيث تقتصر مهمة هؤلاء الأفراد على جمع معلومات عينها فقط. وبمحاولة تتبع هؤلاء الأفراد، لوحظ أن أغلب الحسابات تلك ليست لها صورة، فهو مجرد كيان يضع اسما لا يعرف أحد مدى صحته، وصورة ممثل، أو حيوان، أو حتى منظر طبيعي. وفي قليل جداً من الأحيان، نجد أن مثل هؤلاء يضعون صوراً لأفراد، لربما كانت حقيقية أو لا. ووجد الخبراء أنه عند تتبع الكثيرين، وذلك على نحو دولي، تم اكتشاف أنهم موظفون لدى سفارات أجنبية، أو منظمات، أو جهات معينة. وبالتالي، فإن أسلم وأسهل طريقة لتلافي أن يصير الفرد العادي طرفاً في حرب معلومات لاأخلاقية هو تجاهل مثل هذه الصفحات، وتلك الأسئلة الملغزة. وفي حال وجود تساؤل ملح، فإنه يجب توجيهه للمتخصصين والخبراء الذين سوف يمدونك بالإجابة مباشرة؛ فلا يمكن أبداً للشخص العادي أن تتوافر لديه المعلومة الصحيحة، مهما ادعى المعرفة.
أما شريحة «كل البيانات»، فهي الخطر الجديد المقبل من الدول الإسكندنافية والتي بالتأكيد سوف تغمر جميع دول العالم. فشريحة «كل البيانات» تلك ما هي إلا وسيلة لتجنب حمل بطاقات الإئتمان، والمفاتيح الإلكترونية، ومفاتيح أجهزة المراقبة، وكذلك الوسيلة السهلة لتجنب حفظ الآلاف من كلمات السر التي تمكننا الولوج لحساباتنا الشخصية على أجهزة التواصل الاجتماعي والمواقع، وغيرها من الاستخدامات. فقد انتشر في فنلندا مؤخراً ظهور وتسويق شريحة يمكن تركيبها في كف اليد، بعملية جراحية بسيطة جداً، لا يستغرق إجراءها إلا دقائق معدودة. وبالنسبة لتكلفتها، فهي زهيدة جداً، حيث لا تتجاوز المئة والثمانين دولاراً أمريكياً، وقد تقدمها أيضاً بعض الشركات هدية على الشريحة. مع العلم أن تلك الشركات تسوق منتجها من الشرائح بتوكيد أنه لا يمكن لأحد أن يسطو على المعلومات المتواجدة على الشريحة من بعد؛ فالطريقة المثلى للسطو على كافة المعلومات، والحسابات البنكية تكون من خلال الإمساك بيد الشخص لفك الشيفرات، وما أسهلها طريقة! وأضف إلى ضياع جميع المعلومات التي تشكل هوية الفرد في العصر الحديث، فإن مثل هذه الشرائح ما هي إلا جهاز متابعة ومراقبة متنقل يقضي على خصوصية الفرد، وبالتالي، خصوصية مجتمع بأسره، الذي، بالتالي، سوف يصير وبكل سهولة فريسة سائغة لحرب معلومات.
فالحرب المقبلة هي حرب بلا أسلحة تقليدية، فلقد تحولت الأسلحة والذخائر المعدنية إلى أخرى رقمية، أما وسيلة الحرب فقد تم تبديلها بوسيط غير مرئي، ألا وهو، المعلومات. ولقد أوضح ذلك الأمر وزير الأركان الأمريكي توغو ويست عندما صرح مؤكداً: «لقد وضعنا رهانات الفوز في القرن المقبل على الرقمنة». وأما أنا، وبصفتي فرد مدني عادي، فأصرح قائلة: إحذروا الرقمنة الشاملة!
٭ أكاديمية مصرية